آه يا حيفا! بقلم : مأمون احمد مصطفى

فلسطين …
بقلم : مأمون احمد مصطفى – النرويج ..
كم أنت عزيزة، وكم أنت غالية، كم أنت عصية، وكم أنت مستعصية!!
على الشاطئ، حيث يقف الرمل، وينتصب التاريخ، بين عينيك الراقصتين شعاعا من حلم يخترق الليل ويشق الظلمات، ويزهر المجهول رياضا من عشق عوسجي الطلعة، بتناغم مع قرنفل الغيب المحمل بأَنّاتِ المهاجرين الرابضين على أرصفة المدن، وشواطئ الغربة، معبَّئين بالحنان والحنين، للنسيم المرسل من موج الغيب والمغلق، إلى مساماتهم المشرعة للخوض بحتمية الصبر واليقين، بحتمية العودة، للبرتقال والليمون، والتين والزيتون.
ترى، ألا زلتِ تذكُرين وجهي الدامي بالشوق الخافق، بالروح الممتدة من تاريخ الهجرة، حين انكفأتُ على ذاتي مغادرا، من فوق ذَرّاتك، إلى ذَرّاتِ أرض، لا تشبه تفاصيلها، ومروجها، وحدائقها الغناء، وَخْزَ شَوْكِكِ المبارَكِ، وقَيْظَ صيفِكِ النَّدِيّ، وقساوة جبالك الناعمة، يوم حملت جثتي على ظهري وجسدي، مكفنة بالخوف، ومُلَفَّعَةً بالهزيمة، من أجل أن أحيا، بموت يضمن بقاءَكِ في عيوني.
اِغضِبِي عَلَيَّ، كيف شئت، وأنى شئت، لك الحق، كل الحق، باستخراج وجعك المعتق، عبر العصور وعبر الدهور، لتنثريه بوجهي وذاتي، بكياني، غبارا يَسْفَعُ الوجهَ والجسدَ، ويدور كزوابع رملية بصدري الذي اختار ذرّات أرض غير أرضك، وألوان جبال غير ألوان جبالك التي تصنع لون الكون عبيرا مُوَشًّى بوجوه من ذابوا فيك طوعا واختيارا.
غادريني كزنبقة الوادي، من ذاتي إلى ذاتي، كالجذر الممتد من رحم التراب إلى رحم الصخر، ومن عين الماء إلى البئر، ومن رحيق الماضي إلى رحيق القادم، وكسريني كما تُكَسر أشعة الشمس على شاطئ بحرك الحاوي أسرار الكون وغموض القمر، واسحبيني مع موجة قادمة عائدة، إلى أعماقك النقية، واغسليني بمائك وضوئك، غسل النهر للأرض، وغسل العصفور للندى، والبلابل للآفاق، واحمليني رضيعا يرضع صدرك ويسحب من حليب عمرك وعطرك، كجني يعرف مداخل الحب وأبواب العشق في بساتين الجنان والفراديس، أو كدفقة نور تخرج من روح شهيد لا زالت معلقة كقبة الأقصى بين النجوم والشموس والأقمار، تراقب ترابك الممتص لنورها امتصاص الروح للحياة الأزلية.
واحمليني نعشا من العَوْسَجِ، على كاهلك المرهق المتعب، وسيري بجثماني بكل التواءات أوردتك وشرايينك، مسيرة تقطعها أيام الخلود، وتدخلها سنوات البقاء، كَحَسُّونٍ أو كَنَارٍ، يسكب صوته بمسامع الأكوان والسماوات خلودا يمتد من حيفا إلى حيفا.
كم أحبك يا مدينة رحلت من مساحاتها وأرضها لتسكن سويداء الروح والقلب، لتمخر عباب محيطاتي الممتدة وَلَهًا وعشقا لأحرف اسمك المسافر دوما عبر الموانئ إلى المرفأ الأخير في عقلي المتسع لكل تضاريس أرضك وجبالك، يا وطنا تحمله عناقيد العنب وأزهار البرتقال والليمون والدراق، إلى عينيَّ الغارقتين بكل أرصفتك وشوارعك، يا جنة الكون المقذوف في مساحات الموت والفناء، لو تعلمين فقط، كم من الدموع سكبتها في عيون الروح والقلب وأنا أجر أذيال الخيبة لأدخلك وأنت تنتفضين انتفاضة نور من مجهول اقتحم مكونات جسدك وروحك.
لو تعلمين يا حيفا، كيف يبكي الرجال أنفسهم ساعة الانكسار والهزيمة؟
آه وألف آه، يا موطن النجوم والشموس.
الحروف بين أناملي تتراقص كشمس فوق محيط ممتد في خاصرة الأرض، تترجرج، تتفلت، تأبى الانصياع إلى مشاعر تتلظى من حمم شوقي واشتياقي، لتغور بأعماق مجهول يسحبني نحو مجهول، فأحس نفسي تخرج من نفسي، وذاتي تخرج من ذاتي، هو التحول يا حيفا.
يا أمي…
ويا أم الأكوان والناس والأشياء، يا نورا يأتي ليزيد الكون غموضا فوق غموض.
أحبك، كما لم يحبك بشر قبلي على هذه الأرض، وأعشقك بطريقة أخرى، لا تشبه عشق الناس للنساء والأوطان والأشياء، بل بطريقة أخرى، تتفردين بها بجلال هيبتك وشموخك، بجلال خصوصيتك، وخصوصية شاطئ البحر النابع من أعماق مجهولة النبع والتكوين، أحبك حبا لا تستطيع الكلمات أن تحده أو تحيطه، لا تستطيع رسمه أو وصفه، لا تستطيع ضمه أو تركه، لا تستطيع الانبهار به أو الإعجاب بتكوينه.
أنتِ شيء آخر، خاص، لا يخرج من النفس أو الروح، ولا يغادر العقل أو القلب.
أنتِ حيفا…
حيفا التي وقفتْ بكل ما فيها لتحتضن الأبحر والمحيطات برموش يتناثر اللؤلؤ بين وَسَنِها وصَحْوِها الممتد منذ الأزل إلى الأزل.
أنتِ حيفا التي تنسكب الدموع من أجلها دونما خجل أو حياء، دموع السماء والنيران والبراكين والزلازل، دموع الرجال والرياح والزوابع والعواصف، دموع الأمهات والليل والأسرار والنيازك، دموع الأطفال والموت والحياة والبعث القادم.
أنتِ حيفا…
حلم الأرض للأرض، والزيتون للزيتون، واللوز للوز، حلم التاريخ الممتد من عهد الخلق إلى يوم الساعة، وحلم الشموس المسافرة في الآفاق بحثا عن وطن في جسدك النابض تاريخا ملفعا برائحة الزعتر واليانسون والنعنع.
أنت حيفا…
الخارجة من تكوين المعتاد والمعهود، إلى تكوين الجمال المغلف بالأسرار والغموض، المُوَشَّى بهيبة البحر والصحراء، بهيبة الغيب المستتر خلف غِلاَلاتِ الغيب الممعن في استفزاز الأحداث والأشياء والأزمان والأمكنة، أنتِ سِرُّ الأرض المخفي في نواة البراكين المُسْجَرَةِ في قاع المحيطات إلى يوم يعرفه الغيب القادم، ليقذف حممه المباركة على حواجز الموت الذي حط فوق رُبَاِك وتلالك وهضابك، ليفتح صدر الكون لطهارة الأيام التي تلي تفجر تلك الحمم، وليزهر الزعتر واللوز بنوار يفيض بالعذرية التي يصنعها غضب البركان برحمة الحمم المطهرة للأرض.
أنت حيفا…
التي حملت خطوات أجدادي حين بدأوا يكرجون كرج الطفولة، ويضربون ضرب الشباب، ويتوأَّدُون تَوَأُّدَ الشيوخ، وأنت التي احتضنت أجسادهم بأعماق تربتك السمراء الفتية، لترويها بجذور الزرع والورد والياسمين.
وأنت التي بلحظة عين مخطوفة من الزمن، انسحبت خلفي يوم حملت جثماني على كاهلي وغادرتك، هاربا من موت ظل يعيش بأعماقي حتى هذه اللحظة.
لو أني بقيت فوق ترابك، فاتحا صدري للأشباح والغِيلانِ والرصاص والقذائف، لو بقيت وأشْرَعْتُ أشرعتي لدوامات بحرك وهدير موجك، لكنت اليوم حيا، أَنْبُضُ بالروح، وأفيض بالبقاء. لو..لو ..لو!!!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة