(عار بلفور).. وتجاهل حقوق العرب – بقلم : جيمس زغبي

فلسطين …
بقلم : جيمس زغبي – واشنطن …
في عام 1919، عقب الحرب العالمية الأولى، التقت «قوى الحلفاء» في باريس لإعادة تشكيل صورة العالم. وقد كان رؤساء وزراء إيطاليا وفرنسا وبريطانيا العظمى إلى جانب «وودرو ويلسون» رئيس الولايات المتحدة، ممثلين عن الدول التي اشتهرت مجتمعة بـ«الأربعة الكبار»، هم القوى الدبلوماسية الحاسمة في ذلك الاجتماع. وفي ظل قيادتهم، تم تقسيم أراضي القوى المركزية المهزومة. وتم تفكيك الإمبراطورية النمساوية المجرية إلى دول أوروبية مركزية أصغر. وخسرت ألمانيا بعض الأراضي، وفُرضت عليها معاهدة سلام عقابية باهظة الثمن. وفي بعض الحالات، منحت دول «الأربعة الكبار» نفسها أجزاء من أراضي القوى المهزومة.
وفي سياق ذلك الاستيلاء الاستعماري بعد الحرب، تم تقرير مصير الأراضي العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية المهزومة. وأثناء الحرب العالمية الأولى، تغلبت قوات «الحلفاء» على العثمانيين بمساعدة من العرب الذين ثاروا ضد الحكم التركي. وكان الأمير فيصل بن الشريف حسين، قد وصل إلى باريس للحصول على تطمينات بأن البريطانيين سيحترمون التزامهم لوالده: باستقلال الأراضي العربية كافة، التي تم تحريرها من الهيمنة التركية، بعد الحرب. وحضر المؤتمر أيضاً «تشيم وايزمان»، زعيم الحركة الصهيونية البريطانية. وقد طالب «وايزمان» بتأسيس وطن يهودي في أرض فلسطين العربية. وأثناء طرحه، استشهد بـ«وعد بلفور»، الذي قدمه اللورد «بلفور» وزير خارجية بريطانيا في عام 1917 إلى الحركة الصهيونية، ونصّ فيه على أن الحكومة البريطانية أيّدت إقامة وطن يهودي في فلسطين.
وقد كانت تلك المتاهة المتعارضة من المعاهدات والاتفاقيات هي التي أفضت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبهدف الحيلولة دون وقوع كارثة أخرى مماثلة، اقترح «وودرو ويلسون» تأسيس عصبة الأمم، وهي عبارة عن كيان يهدف إلى الخروج بالدبلوماسية الدولية وحكم القانون إلى وضح النهار. وتصور «ويلسون» أنه بترويج التوافق الدولي والديمقراطية والسيادة والحرية وتقرير المصير، فإنه سيوفر بذلك بيئة للسلام الدائم. ومن ثم لم يصل «ويلسون» إلى باريس بأجندة لتوسيع الأراضي الأميركية، وإنما بفكرة أن السلام الدائم أمر يمكن تحقيقه وهو النتيجة المرجوة.
ولذا، فعندما أثيرت المسألة العثمانية، قدم «ويلسون» مقترحاً يتسق مع مبدأ «تقرير المصير»: اسألوا الشعوب التي تعيش هناك، ماذا تريد. وبالطبع، كانت تلك الفكرة مختلفة بالكلية عن الطموحات الاستعمارية لفرنسا وبريطانيا، وبالتأكد لا مكان لها في مؤتمر باريس، حيث كان الشعار غير الرسمي أن «للمنتصر الامتيازات كافة». وعلى رغم ذلك لم يتردد «ويلسون»، بسبب الطبيعة الخارجة عن المألوف لمقترحه، وأعلن أن «الشعوب العربية المحررة حديثاً لابد أن تقرر مصيرها، وأن أية تسوية للأراضي أو السيادة يجب تقريرها على أساس حرية قبول تلك التسوية من طرف الشعوب المعنية».
وفي ضوء ذلك، فوّض «ويلسون» بإجراء أول استطلاع رأي عربي. وفي يونيو 1919، وصلت لجنة أميركية، يقودها «أوبرلين كوليدج» و«هنري كينج» ورجل الأعمال والدبلوماسي «تشارليز كرين»، إلى مدينة يافا على ساحل البحر الأبيض المتوسط لبدء استطلاع الرأي. وسافرت اللجنة إلى أنحاء ما كان يعرف ب«سوريا الكبرى»، التي كانت تشمل أراضي الدول التي أصبحت الآن لبنان وسوريا والأردن وفلسطين. وزاروا أكثر من ثلاثين مدينة، والتقوا بممثلين من 442 منظمة، وتسلموا زهاء 2000 التماس. وفي كل محطة حاولوا التأكد مما يريده الشعب المحلي بشأن مستقبله السياسي. وسألوا الناس عن آرائهم في الخطط البريطانية والفرنسية بشأن تأييد الهدف الصهيوني بإقامة «وطن لليهود» في فلسطين. وفي ذلك الوقت، كان عدد سكان المنطقة 3.247.500 نسمة، منهم 2.365.000 مسلم، و586.650 مسيحي، و11 ألف يهودي.
وكانت النتائج مؤكدة بصورة خاصة بشأن عدد من القضايا، ومن بينها أن سكان فلسطين من المسلمين والمسيحيين كانوا ضد المشروع الصهيوني بأسره، ولم يتفق سكان فلسطين على شيء واحد أكثر من اتفاقهم على ذلك. وتقاسم معهم ذلك الشعور أيضاً بقية سكان المنطقة العربية كلها.
وبناء على ردود السكان المحليين، قدم تقرير «كينج- كرين» سلسلة من المقترحات. وفيما يتعلق بمصير فلسطين، أشار التقرير إلى ضرورة التراجع عن المشروع الصهيوني تماماً، وذلك بتقييد الهجرة اليهودية ورفض هدف إقامة دولة يهودية في فلسطين. وتواصلت مقترحات التقرير أيضاً بشأن قضايا محددة، كان أبرزها إدراك أن آراء السكان العرب ذات أهمية كبيرة. ومثل «ويلسون» أكد «كينج» و«كرين» أن فرض سياسة ضد رغبة السكان من شأنه توليد مقاومة كبيرة. وعلى رغم ذلك، كانت قوة البريطانيين والفرنسيين، في إطار اللعبة الاستعمارية، جامحة ولا يمكن ردعها. وقد رفض اللورد «بلفور» نهج «ويلسون». وصرح قائلاً: «في فلسطين لا نقترح حتى مجرد التشاور مع رغبات السكان المحليين».
وفي نهاية المطاف، بدلاً من الاستقلال، رُسمت الحدود، وتم تفكيك الشرق العربي، وأنشئت مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية على الدول المؤسسة حديثاً.
وفي ذكرى مئويته، لا يمكن أن يكون وعد «بلفور» سبباً للاحتفال، وإنما ينبغي أن يدفعنا إلى تذكر الظلم البيّن الذي فعلته القوى الاستعمارية واللامبالاة العنصرية تجاه دولة عربية، فقد تم تجاهل حقوقها وآراء سكانها، ونتيجة لذلك، تميزت المئة عام الأخيرة بصراع ومعاناة دون توقف. وذلك هو «عار بلفور».

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة