فنون الإعتذارِ وأدبُ التغافُل ( بتصرف ) بقلم : د . سمير ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د . سمير محد أيوب ….
بعد يومٍ طويلٍ وشاقٍ من العمل ، وضعَتْ أمي الطعامَ أمام أبي على الطاولة . وكان معه خبزٌ محمصٌ . لكن الخبزَ كان محروقاً تماماً . تناول أبي قطعةَ الخبزِ المحترقة وابتسمَ لوالدتي . وسألني كيف كان يومي في المدرسة ؟ لا أتذكرُ بماذا أجبته . لكنني أتذكر، أني رأيتهُ يَدْهَنُ قِطعةَ الخبزِ المُحْترِقَة ، بالزبدة والمربى ويأكلها كلها .
عندما نهضتُ عن طاولةِ الطعام  ، سمعتُ أمي تعتذرُ لأبي ،عن حرقها للخبزِ وهي تُحَمِّصهُ . ولن أنسَ ما حَييتُ ، رَدَّ أبي على إعتذار أمي ، وهو يقول لها مبتسما : حبيبتي لا تكترثي بذلك . أنا أحِبُّ أحياناً أن آكل الخبز ، محمصاً زيادة عن اللزوم ، وأن يكون به طعم الإحتراق .
وفي وقتٍ لاحقٍ من  تلك الليلة ، عندما ذهبتُ لأقَبِّلَ والدي قُبلة ، تصبح على خير  ، سألته إن كان حقاً ، يُحِبُّ أن يتناول الخبز ، أحيانا محمَّصاً إلى درجةِ الإحتراق ؟
ضّمَّني إلى صدره ، وقال لي الكلمات التالية ، التي تحتاجُ إلى تأمل شديد وتبصر أشَدْ : يا بُنَيَّتي ، كان اليوم لدى أمك عملاً شاقا . أصابَها بالتعب والإرهاق . وشئ آخر ، إن قطعةً من الخبز المحمص زيادة عن اللزوم ، أو حتى محترقة ، لن تضر الصحة حَدَّ الموت ، وأمك الفاضلة تُتْقِنُ فَنَّ الإعتذار الرقيق .
الحياة يا ابنتي ، مليئةٌ بالأشياء الناقصة . لا يوجد شخص كامل لا عيب فيه . فالكمال لله وحده سبحانه . علينا أن نتعلم كيف نقبل النقص ، في بعض الأمور . وأن نتقبل عيوب الآخرين . وأن نتقن فنون الإعتذار ، وأن نمارسه في الوقت المناسب بلا إبطاء وبشجاعة مهذبة . فهذه مجتمعة ، مرتكزات هامة أساس ، في تأسيس وبناء علاقات مشتركة ، سلسة ، دافئة ، قوية ومستدامة . ومن ثم البناء عاليا عليها .
يا ابنتي ، خبزُ محمصُ محروقُ قليلاً ، لا يجب أن يكسر قلباً جميلا . وأمك المُعتذرة عن حرق الخبز ، تملك قلبا جميلا نبيلا . فليعذر الناس بعضهم بعضا . وليتغافل كل منا ما استطاع ، عن أخطاء وهَناتِ بل وعن سقطاتِ  الآخر . ولنترَفَّعَ عن سفاسف الأمور . فتسعة أعشار حسن الخلق يعطرها التغافل . ولا تنسي يا ابنتي ان التَّغافُلَ باقٍ من شِيَم الكرام

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة