قصتان قصيرتان- الرهان العجيب- بقلم بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين …
(1)
“الرهان العجيب”
سأله طبيبه النفسي وهو يتفحص عينيه بالعدسة اليدوية:
“وما يجبرك على ذلك التوتر يا باشا الذي سيقضي عليك ذات يوم وشيك!؟”.
فيرد الباشا المروض منهزماً ، كمن حطّ عن عاتقيه حملاً ثقيلاً كدأبه كلما زار طبيبه الخاص، ربما كانا يتناكفان أحياناً كصديقين، لكن الباشا المروض بملامح وجهه القاسية، وعينيه الثاقبتين مثل مفاتيح الخزنات المكدسة برزم الدولارات كان يرد ساخراً:
” مستشاري الذي يخاف على مصالحي منهمك هذه الأيام في البحث عن أنجع الوسائل لإخراج سكان إحدى عماراتي القديمة الكائنة في المنطقة التي يفترض إقامة عمان الجديدة فيها، فلا سبيل إلى ذلك إلا بالمحاكم.. شعرت بالإرهاق وها أنذا بين يديك مهدود الحال”.
ثم يكمل متهكماً:
” لماذا تبدأ أيها النطاسي البارع الفحص بالعينين وكأنني شكوتهما إليك!!
قال له الطبيب باهتمام:
” يا باشا إن العين تمثل روحك وقلبك.. ومن خلالهما بوسع المرء قراءة حالتك النفسية”.
تبادلا النظرات بينما يكمل الطبيب حديثه بجدية وحزم:
“ثق بي”..
مردفاً بهدوء :
” أحدثك الآن كصديق.. فلا بأس، فقد نظمت لسعادتك برنامجاً علاجياً سوف أبدأه بتنويمك مغناطيسياً حتى أتعامل مع عقلك الباطني بعيداً عن أشداق المصالح التي توشك على التهامك”.
قالها مداعباً، ثم طيّر إليه سؤاله على جناح التمني:
“فهل تقبل بذلك؟”.
أومأ المريض المتعب برأسه بالقبول حتى اهتزت أوداجه كديك الحبش الهاجع بين يدي القدر، أما الطبيب فقد أخذ يتفحص عيني المريض، فوجدهما محمرتين، وكان أثناء ذلك يعلق شارحاً، مستغلاً صمت المريض الذي أنهكه اللهاث، بينما هو يكتم أنفاسه كلما طُلِبَ منه ذلك لغايات الفحص السريري:
“تنقص عيناك الدموعَ يا باشا، فلا تستهجن الأمر، نعم الدموع!؟ ”
” ولكن ألا ترى معي بأن هذا الأمر فأل سيء !!
لكن الطبيب ربت على يده مطمئناً:
“ذَرْفُ الدموع يساعد على إفراز هرمون الأندورفين المسبب للسعادة وتحسين المزاج، لذلك تعد الدموع علاجاً نفسياً رائعاً، وسبباً رئيساً للشعور بالارتياح، والتخلص من الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى.
“كن معي جاداً يا صديقي، تعني مثل النرجيلة بالنسبة للكسالى الذين تغص بهم المقاهي!”
عقب الطبيب ضاحكاً:
“لا بل أنها تساعد أيضاً على تنظيف العيون، وحمايتها من الجراثيم. وترطيب أغشية العين، وحمايتها من الجفاف، والحفاظ على شفافية القرنية وحمايتها، وتحسين الرؤية وعلى ذلك أضف الكثير”.
مكملاً:
“وهل أزيدنك من البيت شعراً، فعيناك تبدوان كعيني النجم أحمد مظهر، لكن عيبهما يكمن في ذلك الاحمرار الذي أوشك على التهام بياضهما.. يا صديقي ألا تريد اصطياد ابنة الحلال بواسطتهما أم أبَيْتَ علينا بأن نُكَنّيك ب(أبو فلان)!؟”
فرد الباشا على نفس الوتيرة:
“المال يا صديقي هو جلاب الحظوظ السعيدة.. فلا بأس، ماذا لديك بعدْ يا لئيم”
رد الطبيب ضاحكاً بحيوية وحماس، كان يدرك بأن كل الجلسات السابقة مع الباشا كان فيها مستمعاً إليه فقط، ليكتشف من خلال كل ذلك بأن حياة الباشا تخلو من العواطف مُذ صغره وقد تعلم من والده الجَشِعْ كيف يستثمر حتى أوجاع البشر دون حساب للمشاعر، وقد قرر الطبيب في هذه الجلسة الحاسمة أن يعيد برمجة الباشا، وراهن نفسه على ذلك:
“سأنيمك يا باشا مغناطيسياً”.
فعل الطبيب ذلك ببراعة عهد بها، جعل حركة البندول تأخذ عيني الباشا يساراً ويميناً حتى داعبتهما شبهُ غيبوبة مباغتة، وبدأت رسائل الطبيب تتوالى بصوته الرتيب إلى عقله الباطن، حتى أسَرَهُ بحنان، ثم راح يملي عليه الرسائل المشفرة، قال بصوت متسلل رتيب:
“منذ زمن وعيناك ناضبتان من الدموع، لذلك تيبستا، والحالة هذه تسترعي منك الشفقة على الفقراء كي تنظف عينيك من ملوثات الروح، حاول ولو لمرة واحدة أن لا تشيح بوجهك عن حالة قد تستصعب عليك وأنت تمر بسيارتك الفارهة في السوق.. لا بأس فأنا أعلم بأنك لن تجد أمثال هؤلاء في حيّكم الفاخر الراقي، بشوارعه النظيفة الأنيقة، ولا شك بأن محلات المجوهرات التي تزيد من خيراتك لن تجد فيها ضالتك من مثيري الشفقة، حتى محلات الملابس التي ترتادها وحيداً فهل يعقل أن يزورها فقير معدم بينما ثمن أصغر قطعة فيها قد تذيقه طعم السعادة أو تنيم صغاره على شبع حين تسد رمقهم لأيام .. لا بأس يا طيب، أعلم بأن قلبك شفوق (رددها مراراً) أنت تحتاج إلى هذه الدموع الغالية، فعليك لشرائها أن تطأ بقدميك قاع المدينة، أغرف من هموم الموجعين ما يوفر لعينيك العلاج، الدموع.. نعم! فأنا كطبيب أطلب منك ذلك ليس من وازع إنسانيتي المرهفة، بل لأن نجاحاتك المبهرة أقمتها على قساوة طبعك وصلابة مواقفك.. مرة أخرى سأدلك على منبع غزير للدموع الشافية، عليك أن تذهب مشياً على الأقدام إلى أولئك المشردين الذين طردتهم من أملاك أبيك ذات يوم؛ لتقيم عليها مشاريعك الضخمة، اللهم زدها عليك من نعيم إلى نعيم اللهم لا حسد، فقط استمع إليهم دون مستشارين كانوا قد دأبوا على تسميم روحك النقية بالوعود الدسمة، يحوّلون لك أحزان الناس إلى قضايا خاسرة ، يبررون لك أفعالك من باب التملق والتنفع وكأن مشاعر البشر أمور تافهة، لتكتشف عندي كلما زرت عيادتي ما يريح ضميرك المسلوب، وها هما عيناك في ذبول وتردي، لكنهما متحفزتان حمروان كعيني ذئب يناجز بأنيابه الحملان، أنت في ألحّ الحاجة إلى تلك الدموع التي نضبت عيناك وتيبستا بدونها”.
وفجأة، نهض صوت الباشا من سباته خاضعاً لسطوة الطبيب، كأنه يتحدث عن شخص آخر:
“بل قل وقست عليه الظروف إذ يكتشف كم أنه نسي نفسه في غمرة الانشغال بجمع المال، ترى لمن كل هذا الخير من بعد رحيله من هذه الدنيا الفانية!؟ وهذا سؤال طبيعي من رجل اعتاد أكل السكاكر حتى أصيب بمرض السكري فغشته الأمراض على غفلة منه”.
ثم تحرر الباشا من حالة الاستلاب متذمراً، ما أوحى للطبيب بأن استجابة المريض جاءت عكسية، حينما نعته معاتباً بالطبيب الجاهل؛ “أنت تتجاوز حدودك كطبيب”.
ورغم ذلك حافظ الطبيب على رباطة جأشه، وظل ثابتاً على رهانه في أن بشائر التغير ستأتي ذات يوم على صديقه الباشا.
بعد ذلك، توالت زيارات الباشا للعيادة دون أن يعيد الطبيب نصائحه ذاتها للمريض حتى لا يخسره، فقد كان يعتبر بالنسبة إليه من مصادر دخله الثابتة ( سنة الحياة) رغم وجوده في حي شعبي نائي، ويدرك في سياق ذلك بأنه كان خيار الباشا الأمثل؛ كونه يُؤَمّن للباشا ظروف التستر المجدي لرجل بهيبته، مما يستوجب عليه التعامل معه بحساسية شديدة، ولكنه تفاجأ في آخر زيارة له بأن عينيه مبللتين بالدموع الساخنة، تلاقت عيونهما، قال له الطبيب وهو يثبت المنظار على عينيه المزهرتين:
“أنظر إلى طرف أذني اليمنى.. ثم خذ نظرك إلى اليسرى.. هذا جيد، أراهما مبللتين بالدموع وهذا صحي للغاية”
وكأن المريض كان ينتظر ذلك كي يفضي إليه بمشاعره:
“كم كنت قاسياً وأنا أجرد الفقراء من حقوقهم البسيطة التي لا يكفلها القانون”
ثم ربت على كاذة يده مكملاً:
“رسالتك وصلتني في العمق، زرت ضحاياي بدون المستشار الذي دفعني إلى محرقة الجشع، تخيل وأنا أدلف بكل ضخامتي إحدى الأزقة فأتعثر حتى كادت تدق عنفي، وحمدت الله أنها كانت مجرد إصابة خفيفة في كاحل القدم اليمنى، لم اتصل بالإسعاف بل آثرت أن أدخل بيوت الصفيح لوحدي، تركت إحدى الأسر البائسة من ضحاياي تأويني، وترعاني باهتمام شديد، لم يسألوا عمن أكون لدرجة أنني استرقت السمع للرجل وهو يوبخ زوجته في حومة انشغال الأسرة بي:
” اصمتي يا امرأة حتى لا يسمعنا الضيف، لا تقولي بأننا نقترض المال لرعايته، الله سيكافئنا”..
وكما يبدو دخلت عليهما الموقفَ ابنتهم الجميلة، وفِي نبرات صوتها الخفيض لهفة لإخبارهم بأنها رهنت عقدها عند محلات (جابر) للذهب مقابل استلافها المال.
يا للهول! إذ شهقت متبلماً حِينَئِذٍ كغبي صفعه الأستاذ، ذرفت عيناي دموعاً سخية، شعرت بها تنظف قلبي من مشاعر الجشع والرياء، فمحلات (جابر) تعود ملكيتها إليّ، هذه قسوة ستدنس قلب صاحبها لو عُدَّ من البشر!لا أدري ففي المرات التالية تعاقبت زياراتي عليهم، وكان الهدف منها هذه المرة، هو التقرب من تلك الفتاة التي اكتشفت بكل بساطة بأنها العلاج الشافي لمأزقي في حياة عشتها وحيداً دون أن تتحرك في أعماقه مشاعر الوجد، كأنني ولدت من جديد”.
عقب الطبيب والدهشة تأكل رأسه:
“كنت أدرك معدنك الأصيل من رفضك الفطري لأسلوب حياتك، مع العلم بأن هدفي كان كطبيب هو غسل عينيك بالدموع كي تريح ضميرك، أما الحب فهو قدر لا يملك الطبيب زمامه”.
لكن الباشا العاشق أخذ يعقب على الموقف ضاحكاً والبهجة تورق في محياه النضر:
” بل غسل ضميري المضعضع؛ لذلك طلبت من مستشاري أن يقدم استقالته، وعينت غيره ممن يحافظون على مصالحي دون المساس بحقوق الناس، طبعاً تم ذلك بمساعدة نسيبي الذي فاض عليّ بالحكمة وحلاوة الروح وخاصة أنه محاسب متقاعد ”
وقبل أن يخرج الباشا من العيادة، ذكّر الطبيب بإلحاح وقد أغبط بمشاعر الفرح والعرفان:
“لا تنس حضور حفل زفافنا في فندق الرويال”.
فابتسم الطبيب وكأنه كسب الرهان.
(2)
“ينابيع الجبل”
ينابيع الجبال نقية كهموم العذارى، تجري سيولها الرشيقة بذاكرة الزهور وبراعم الوجد.. تتلوى عبر الوديان وشقوق الجبال، كراقصة ينيمها الغناء على السحب فوق شيبات القمم .. فتهيم كالفراشات مع أحلام الرعاة.. لكنها ما أن تخترق المدن المتعبة أنهاراً ملوثة بالخوف والأزمات حتى تتلوى روافدها بين بيوت الصفيح كنساء ارتوى من شهوتهن المقموعة أسوأ الرجال، ثم تتهادى مياهها مترنحة بالخطايا إلى شبق البحر وموجه المتربص بالصيادين، كأنها أرملة تقطعت بها السبل.. فيذوب في هدير البحر الغناء.. فلا يستيقظ إلا مع العواصف التي تعانق حقول الغيم في السماء، فوق شيبة القمم؛ لتحتفي ينابيع العذارى بقمح الحياة.. وها هي عشتار تنعش الجبال بالخصوبة وتعيد للعذارى الغناء

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة