حيفا : عروس فلسطين – بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا

ابداعات عربية ….
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا …
( حيفا عروس فلسطين.  خسرناها نتيجة الجهل المطلق. المسيحيون فيها كانوا أكثر وعياً من غيرهم. يقال أنهم  لم يكونوا يرغبون في الجلاء بالمرة عن حيفا، ولكنهم كانوا جبناء، إذ  خافوا من البقاء في وطنهم وأملاكهم خوفاً من اتهامهم بالخيانة. سبعون ألفاً يهجرون المدينة خلال ثلاثة أو أربعة أيام! وهي قصة تتردد في قرى كثيرة، مسلمة الغالبية فيها، أو مسيحية. الفقرات القادمة توضح بشكل واقعي كم كنا غارقين في الجهل).
حيفا  *
نفتتح موضوع حيفا بهذه الأبيات من عاشق حيفا الشاعر “حسن البحيري ”    بثها في غربته القسرية:
حيفا وأنتِ مزاج الروح في رمقي         وعمق جرح الهوى في موجعي الخفِقِ
يشُــدّني لكِ  شوق ٌ لو غمست له         يراع سِفري في صوب الحيـــا  الغدِ قِ
ورحت بالحب  والذكرى أصــوّره          دمعا على الخد أو حرفـــــــاً على الورقِ
لَجفّ حبري ولم أبلغ  قرارة  مـــا          ضمت جوانح صدري من لظى حُرُفي
دمشق ربيع 1973
كان في مُخَططي بعد الانتهاء من كتابي ” المثلث.. الأرض والإنسان ” أن أتوجه إلى حيفا،  والقرى المدمرة في قضائها،  وأسير مع الساحل إلى يافا وقضائها، وأُكمل حتى بئر السبع والنقب. ولكن الظروف تغيّرت بعد غزو صدام الكويت، وضربه لإسرائيل بتلك الصواريخ غير الفعالة،  واعتلاءنا سطوح المنازل في الضفة الغربية مهلّلين ومكبـّرين قبل أن نعرف نتيجة الضربة،  فعاقبتنا الدولة العبرية بمنع تجولٍ دام شهرين ونصف، ما عدا فترةً  قصيرةً  للتزود بالطعام، وقضاء بعض الحاجات الملحة. وتبع ذلك منع دخول السيارات الخاصة للضفة الغربية إلى إسرائيل، إلا للتجار وأصحاب الحظوة.  فلم أستطع الاستمرار في ذلك الجهد، ولم أستطع حتى توزيع كتابي ” المثلث ” في المثلث نفسه.
الآن أستطيع أن أكتب عن حيفا،  مدينة جدي وأبي وعائلتي.  والمعلومات المتوفرة أمامي عن حيفا بشكلٍ خاص تزيد عن إمكانية احتوائها في كتاب مثل هذا الكتاب. إنها لا تحتاج إلى كتابٍ منفردٍ،  ولكن إلى عدة كتب. سأختار بعض الأمور التي أتوقع أن تلقي ضوءاً إضافيا على ما تم من خسارتنا لهذه المدينة الفريدة في جمالها، والتي طغى عليها لقب عروس فلسطين. خسارةٌ لا تفسير لها سوى كوننا كنا غارقين في الجهل، والتفرقة، وقلة الحكمة.  أم لعلنا لا نزال؟!
اهتمامي بحيفا عميقٌ وأصيل. فقد لجأت أم جدي وصغير السن ابنها  إليها بعد المذابح التي تعرض لها المسيحيون في لبنان  ودمشق  في السنة 1860.  عمل في سن البلوغ  في مشروع سكة حديد الحجاز، محطة حيفا،  كمشرفٍ على العمال،  وخبيرٍ في البناء. وكان من ضمن ثلاثين عائلة من  ” عبد النور “, لجأت إلى حيفا من لبنان على ما فهمت من ” بعل شمي “، ولما سقطت حيفا اعتلوا البحر ورجعوا إلى لبنان.  ولم تكن فترة غيابهم عن أقاربهم كافية لقطع أواصر القربى.
عندما أُلحقنا بمن سبق تحت الاحتلال،  أخذت أبي بسيارتنا لزيارة حيفا،  ولتـفـقـد بيت والده والعائلة. وجدنا البيت نصف متهدّمٍ،  ويقع في أول شارع „ ألنبي”.  في الطابق الأول بعض الحواصل،  بائع فلافلٍ  منهم على ما أتذكر،  والطابق الثاني غرفتان فقط باقيتان،  تسكنهما امرأةٌ عجوزٌ ترددت في فتح الباب لنا، وترددت أكثر لما أبلغها والدي أنه يرغب في روية بيته.  فقالت: ” أصحاب البيت ماتوا  من زمان”.  فأجابها أبي  متوسلاً: ” أنا يوسف عبد النور، بهذي الغرفة  نْولدت!”  فخجلت وسمحت لنا بالدخول،  وجلبت لنا قهوةً  فاترةً  لا طعم لها.  فقضينا بضع دقائق وانصرفنا. علمنا فيما بعد أن البيت قد باعه حارس أملاك الغائبين إلى عائلةٍ حيفاوية عربية.
أما الكرم  على جبل الكرمل، والذي كان أبي يعتني به، ويردد دائما أنه قد حفر بئره بيديه العاريتين،  فقد وجدنا أنه قد بني عليه حيـّان للمهاجرين اليهود. ولم يطل به الأمر بعد هذه الزيارة،  إذ أصابته جلطةً  قلبيةً حادة  قضت عليه.
—————
الكتب التي تطرّقت إلى حيفا كثيرة ، ولكن قليلةٌ المخصّصة لها. والمقالات أكثر. في آخر الموضوع سأشير إلى الكتب والمقالات لمن يهمّه الاستزادة.  سأختار بعض الزوايا التي لها أهمية خاصة، ولم يُـتوسع في معالجتها لأسباب كثيرة، أهمها التستر على فشلنا، أعني فشل من كان متزعماً في ذلك الوقت!
أولاً,  لدي  تعليق د. محمود يزبك على كتاب السيرة  لرشيد الحاج إبراهيم ” من خذل حيفا؟”  نشر في ” حوليات القدس ” المجلة ربع السنوية لمؤسسة الدراسات الفلسطينية. ورشيد هذا كان شخصيةً بارزةً  في حيفا،  وقد حلل بمرارة أسباب سقوط حيفا  وخذلانها. ثم عندي بعض المعلومات عن شخصيةٍ  غامضة  ذكرها إلياس جبور في موضوع  شفاعمرو،  و نشر في صحيفة الاتحاد الحيفاوية.   ولدي مقالٌ  لمحسن الخزندار،  وكتاب حسين اغبارية ” حيفا.. التاريخ والذاكرة “، وشهادات شفهية مسجلة في إحدى كتيبات جمعية ” تذكرت ” الإسرائيلية، وأخيرا لدي ” مذكرات المحامي حنا نقارة” ، المحامي الذي يتذكره أهالي حيفا، والمهجّرين الآخرين بالخير لنضاله ضد التمييز العنصري الصهيوني.
أثار فضولي جدا ما كتبه إلياس جبور عن تلك  الشخصية  الغامضة، وكان لا يعرف  حتى اسمها. سكنت تلك الشخصية لفترةٍ في أطراف شفا عمرو، مع قوةٍ عسكريةٍ،  ثم اختفت وانقطعت أخبارها.  ولكن في بحثي عن أخبار حيفا انكشف ذلك الغموض.
من حسن حظي أني تصادفت مع حفيدة  أحد نشطاء  قرية هوشة،  ” محمود الطيب ” ، الساكن في برلين لاجئاً،  للمرة الثانية من لبنان،  ويقول عن نفسه أنه من أحفاد الأمير عبد القادر الجزائري.  قال أن عمره  وقت النكبة  كان اثني عشر سنة،  ويتذكر جيداً هذه الشخصية العراقية ” عبد الحق العزاوي “. وأنه فعلاً كان عازلاً نفسه عن الأهالي، ولا يختلط بالبلدة،  ولا يسمح لأحدٍ بجلب طعامٍ أو شرابٍ إلى جنوده،  أو أية عطايا أخرى،  أو يسمح لجنوده بالاختلاط بسكان البلدة، خشية من اندساس الجواسيس،  وأنهم كانوا يشترون الطعام من حيثما كان متيسراً. وقد قابله في لبنان،  وتعرف عليه،  ولا يدري بعد ذلك شيئاً عنه.
أما محسن الخزندار،  فيلقي على هذه الشخصية ضوءاً إضافيا،  فنشر له موقع ” دنيا الرأيpulpit.alwatanvoice.com    ” مقالاً بعنوان ”  أُكذوبة دخول الجيوش العربية إلى فلسطين “،  جاء فيه أن المتطوعين من أبناء سوريا وفلسطين والعراق وليبيا وألبانيا ويوغسلافيا الذين أرسلتهم الهيئة العربية العليا تحت قيادة عبد الحق العزاوي  قد وصل عددهم إلى 76 رجلاً فقط! ”
وكتب الدكتور محمود يزبك معلقاً على نفس الموضوع :
” لم تكن قضايا السلاح الفاسد وقلته،  وعدم وجود محاربين مدربين،  إلا وجها واحداً من إشكالية الوضع في حيفا. ومما زاد من خطورة الموقف أن المجموعات المسلحة التي عملت في حيفا لم تنضوِ  ولا عملت تحت قيادة واحدة،  فبالإضافة للمجموعات التي عملت تحت قيادة  اللجنة القومية،  عملت مجموعات أخرى بإيعاز من رئيس الهيئة العربية العليا.  ونتج عن هذه الفوضى أن بعض العائلات ألغت المجموعات المسلحة التي كانت تعمل تحت إمرتها، وتحمي مصالحها. ووصلت حالة الفوضى هذه إلى الاشتباك فيما بين الفرق العربية المختلفة،  وبين بعضها البعض. وفي هذا المجال يذكر كاتب المذكرات ( رشيد الحاج إبراهيم )  عن حالة الصدام التي كادت أن تحصل ما بين المقاتلين الذين أرسلتهم الهيئة العربية العليا بقيادة الضابط العراقي ” عبد الحق العزاوي “، الذي أراد أن يعمل مستقلاً في حيفا، وما بين قيادة حامية حيفا.  ولما بقي عبد الحق متمسكاً بإرادته،  أنذرته ( قيادة الحامية ) إما أن يخرج في صباح اليوم التالي من حيفا، أو أن تضطر في حال عدم موافقته إلى تجريده من السلاح مع جميع رجاله… إذ لو ركب رأسه،  وأصر على تنفيذ الأوامر المسندة إليه،  لوقعنا في شرٍ كان خطب اليهود أقل منه خطراً. ”
وكتب حسين اغبارية   نقلاً عن عارف العارف, الصفحة 88 أن:
” يُذكر أن  “أبا إبراهيم الصغير” أرسل في الأسبوع الأول من شهر كانون الأول 1947 كتاباً إلى رشيد الحاج إبراهيم،  جاء فيه: ” إن الهيئة العربية العليا قررت أن تتولى نجدة حامية حيفا،  وانتدبت عبد الحق العزاوي العراقي  لقيادة حامية حيفا،  وأن مكتب الهيئة في بيروت سيمد هذا الضابط بالسلاح والعتاد. ولما وصل هذا الضابط حوالي منتصف كانون الثاني إلى حيفا، أخبره رشيد الحاج إبراهيم أن لا شغل له في حيفا! ”
غريب هذا الأمر! إذ عندما أرسلت بلدية حيفا وفداً برئاسة نائب رئيس البلدية الحاج طاهر قرمان إلى رشيد الحاج  إبراهيم  لتجنيب حيفا الحرب،  وجعلها مدينةً مفتوحةً  لجميع الطوائف،  أجاب رشيد الحاج إبراهيم:  إن اللجان القومية ما هي إلا فروعٌ  للهيئة العربية العليا، تعمل برأيها وتوجيهها. وقد أقسمنا اليمين على العمل بموجب قانون اللجان الذي يربطنا بالهيئة العربية العليا في جميع الأمور … والعمل على خلق الهدوء يتعارض مع هذه  السياسة العامة! “.
إذاً  كيف يعلن رشيد الحاج إبراهيم تمسكه بأوامر الهيئة العربية العليا، وقسمه بالطاعة، ثم يرفض قيادة من أرسلته الهيئة العربية العليا ليقود الدفاع عن حيفا؟ ( التساؤل مني ).
رشيد الحاج إبراهيم يمكن اعتباره بحق كزعيمٍ لحيفا أثناء فترة الانتداب الأخيرة.  قاد عملية الدفاع عن حيفا، وقاد الجمعية الإسلامية في المدينة،  وكان من أكثر الشخصيات الفلسطينية حراكاً في فترة الانتداب. ويعترف:
” أُريد أن أُسجل هنا أننا خضنا المعركة الفاصلة بغير استعداد،  وأن المسؤولية في أساليبنا المرتجلة،  وفي عدم تهيئة أنفسنا،  إنما تقع على عاتق الهيئة العربية العليا وزعماء عرب فلسطين “. ويستمر قائلاً: ” من الحق أن يُسجل التاريخ أن هؤلاء القادة والزعماء – وأنا  منهم – تقدموا للقاء الخصم أشتاتاً .. وأنهم كانوا في عالمٍ من الوهم والخيال، بعيدين عن واقع أمتهم وواقع قضيتهم. وكانت الأعمال تصدر عنهم في صالح العدو،  وأوقعوا عرب فلسطين في الكارثة،  وشُتت منهم الشمل والأهل .. وأن الدول العربية مسؤولةٌ في الدرجة الثانية،  فلم تتقدم منفردةً أو مجتمعةً لتوجيه عرب فلسطين أو مساعدتهم.. وبذلك تكون الدول العربية قد مكّنت اليهود من احتلال بقية البلاد.” ( يجب التنبيه هنا أنه لم يجرؤ على نشر مذكراته هذه في حياته، واحتاج الأمر 50 سنة  لتقدمهم ابنته إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية لتنشرها أخيراً! )
ويؤيد هذا حسين إغبارية :” ساد الخلاف وعدم التوافق والانسجام بين القيادات العربية في حيفا، ولم تعمل معا بموجب خطةٍ مبرمجةٍ ومدروسة، وإنما عمل كل واحدٍ ما يراه مناسباً وفق الظروف المحلية للمنطقة التي يشرف عليها. وقد ساد الاستياء وعدم الراحة لقلة الأسلحة المتوفرة وانعدام القيادة الحازمة، وتعددها. فقد كان لكل حيٍّ قيادته،  والقيادات منقسمة على بعضها، لا صلةً تربطهم، ولا يوجد تنسيقٌ بينهم، أو عملٌ موحدٌ مشترك. وكل ما كان مناضلوا الحي يفعلونه كان الحراسة في الليل، أشبه ما يكون بعملٍ فرديٍّ  يقوم به نفرٌ من الناس. ولم يكن للقيادة العليا في حيفا درايةٌ وعلمٌ  في الشؤون العسكرية “. ص 87.
وفي مكان آخر يقول : ” بادرت القيادة الصهيونية بوساطة المحامي يعقوب سلمون إلى مبادرةٍ  لوقف إطلاق النار في المدينة،  وإعلان حيفا مدينةً مفتوحة،  حتى تنجلي الثورة العارمة على قرار التقسيم.. وأن هذه المبادرة جاءت بضغطٍ من السلطة الانتدابية التي سعت للمحافظة على المنشآت الاستراتيجية  في المدينة مثل معامل تكرير البترول.  فقررت اللجنة ( اللجنة القومية لحيفا ) بسبب خطورة الأوضاع وجدية الموقف،  إيفاد وفدٍ خاصٍ إلى القاهرة لمقابلة المفتي وشرح المبادرة وأوضاع حيفا الخطرة.  وعاد الوفد المشكل من سيادة المطران حكيم،  والشيخ عبد الرحمن مراد مساء 27 \1 \ 48 يحملون إجابة المفتي: رفض أية فكرةٍ  لوقف إطلاق النار والصمود في وجه الأعداء بسلاح الإيمان حتى النصر المحتوم! ” (علامة التعجب مني ) ص.70. ( ذكر رشيد الحاج إبراهيم أن المفتي قد أهان المطران حكيم، وقال له بما معناه أن عليه الاهتمام بالأمور الدينية لطائفته فقط!)
ذكر” روني جبـّاي ”  في كتابه ” دراسة سياسية في الصراع العربي – اليهودي ”  في الصفحة 80, أن المفتي كان يهتم بتقوية مركزه،  وبناء قوةٍ عسكريةٍ  خاضعةٍ  له. وقدم الجنرال ” إسماعيل صفوت ” تقريراً للجنة الفلسطينية التابعة للجامعة العربية،  يشكو فيه من تخريب المفتي لجهود الدفاع.  جاء في التقرير:
” خلافاً للأوامر الواضحة بأن تكون القوات العسكرية تحت قيادة القائد العام لجيش الإنقاذ، قام رجال المفتي بنشر الفوضى، والتصرف بشكلٍ فردي،  وعدم اتباع  تعليمات القيادة. ونقدم أدناه البراهين على ذلك:
1- بالرغم من موافقتنا على تعيين عبد القادر الحسيني قائداً لجبهة القدس، فإن عبد القادر لم يعترف بقيادتنا، واعتبر نفسه هو القائد العام، معيناً من المفتي.
2 –  طارق الإفريقي اعتبر نفسه معيناً من المفتي لقيادة منطقة غزة،  دون موافقتنا أو علمنا.
3 –قدِم شخصٌ باسم إبراهيم الصغير،  وقال إنه معينٌ من المفتي لقيادة قوات منطقة الناصرة.
4 – في جنين ظهر شخصان ادّعيا القيادة، رغم أن منطقة جنين  هي مركز قيادة القاوقجي.
5 – في قباطية  وطولكرم تصرف رجال المفتي دون اكتراثٍ بقيادتنا الشمالية. ”
————-
أما مئير لتفاك  فقد كتب: ” ضحايا الصراع الداخلي في فلسطين،  في الثورة،  وما بعدها،  كلف 3000 من الضحايا،  أكثر مما قتل  منهم البريطانيون واليهود !”
وفي مكانٍ آخر:
” كان الفلسطينيون منقسمين لدرجةٍ أجبرت الجامعة العربية في السنة 1945 على التدخل في تعيين أعضاء الهيئة العربية العليا. وبالطبع مما اضعف الفلسطينيين كذلك تعاون تعاون  قسمٍ كبيرٍ منهم مع الصهاينة، وبيعهم الأراضي لمنفعةٍ  فرديةٍ  بحتة “.
—————-
قرأت تعليقا من  د. سلمان أبو ستة عن  تهرب وكالات الأنباء والصحفيين والكتاب المتنورين في الغرب  من كشف الجرائم والتجاوزات  التي صاحبت قيام الدولة العبرية،  ما عدا كاتباً واحداً كان من مراقبي الأمم المتحدة في فلسطين في هذه الفترة،  تعرّف  بشكلٍ مباشرٍ على هذه الجرائم،  وعندما سنحت فرصة  فتح أرشيفات الدول الغربية،  وأرشيفات إسرائيلية،  استطاع أن يعزز معلوماته ومشاهداته من مصادر متنوعةٍ وموثوقة.  أصدر هذا الباحث –  باليمو- كتابه The Palestinian Catastrophe   في السنة  1987 ولا يزال للآن من أفضل المراجع.
وجدته يتناول قصص سقوط المدن والقرى الفلسطينية بسرعةٍ  تأخذ العقل، ويكشف عدم إمكانية الفلسطينيين  ولا الحكومات العربية إيقاف ما حصل، إلا  بالاعتماد على حرب عصابات وتحريرٍ،  تخلّص فلسطين، والمنطقة جميعها من السيطرة الاستعمارية،  وواضح أن الأنظمة التي كانت قائمةً  آنذاك لن تسمح بهذا، ( وأضيف من عندي – لا تزال لا تسمح للآن!)
يبحث المؤلف في الوضع العام السائد آنذاك،  وإمكانيات الفلسطينيين والدول العربية، ومدى الجدية في الحرب،  التي حمل عبأها الفلاحون الفلسطينيون،  ونالوا أغلب ويلاتها. عالج سقوط المدن الرئيسة:-  حيفا، عكا، يافا، القدس، بيسان، طبريا، وصفد، وبعض القرى في الجليل بشكلٍ خاص.  سأختار  من الكتاب نُـبذاً  عن المدن أو القرى التي تقع في نطاق هذا الكتاب، كل نبذةٍ  في مكانها في موضوع القرية أو المدينة.
في ما يتعلق بحيفا يقول:
” حيفا هي المدينة الوحيدة التي طلب فيها اليهود من العرب البقاء فيها. ولكن يمكن الشك في إخلاص هذه الدعوات، بالنظر للحملة الواسعة والمعقدة من الحرب النفسية التي شنها الإسرائيليون على المدنيين العرب في حيفا،  وذلك باستخدام مكبرات الصوت، ونداءات بالعربية من الإذاعات، والإشاعات التي نشرت، والنشرات التي وزعت باليد،  كلها كانت فعالةً  في دفع الفلسطينيين للخروج”. ( المقدمة ص 16 ).
” … هذا, والآلاف من الفلسطينيين  هجروا حيفا،  ليس فقط بسبب مباشر من الأحداث, ولكن لأن الأعمال  التجارية بشكل عام قد تعطلت.
“… اهتم الجنرال هوغ  ستوكوول،  قائد القوات الانتدابية  بحماية جنوده،  وسحبهم  من المدينة،  وجمّعهم في الميناء،  إلى حين الجلاء. وعندما اجتمع  به وفدٌ مكونٌ من إلياس كوسى،  والصراف فريد السعد، ورجل الأعمال فيكتور خياط،  طالبين منه القيام بواجبه في حماية السكان،  طلب منهم الاستسلام،  وقبول شروط اليهود المفروضة، فطلبوا يوماً للتشاور. ”  فأرسل الكوسى عدة برقيات لدمشق طالباً إرشادات،  فلم يصله أي رد! ”
يقول الكاتب باليمو  في الصفحة 69،  أن البرقيات وصلت القوّتلي،  ولم يعرف بماذا يجيب.  فاجتمع مع السفير البريطاني في دمشق ( برومسيد )  في 22 نيسان،  وأطلعه على نص البرقيات، وهو في حالة من التوتر الشديد،  فأشار عليه السفير أن لا يجيب!
” .. وصف الجنرال حالة الذعر بحادثة مجيء شاب بسيارةٍ  فارهة،   قفز منها إلى قارب تجديفٍ،  فصرخ  الجنرال وراءه: السيارة ! فأجاب الشاب : خذها.. لا أريدها!
” .. ولكن يهود المدينة ذعروا من تدفق المهاجرين المغادرين بهذا المعدل،  وأدركوا أن المدينة لن يبقى فيها من العمال ما يدير عجلة الحياة،  وأن المصانع ومعامل تكرير البترول ستتأثر،  والجهد الحربي،  ومع هذا استطاعوا تدبير أمورهم والتكيف.”
وصف الشرطي أبو موسى الأحوال: ” نام الناس في الميناء لثلاثة أيامٍ  تحت المطر،  يلفحهم البرد،  ودون أغطية. لأول مرة تمطر السماء بهذه الشدة،  أم لعله دموع السماء على ما يتم. بعضهم كانوا حفاةً،  دون ثياب. تركوا كل شيء وراءهم.  كان وضعاً صعباً مخيفاً. للآن أشعر برعدةٍ في جسمي عندما أتذكر ذلك المنظر. ”
————
ذكر موقع ” حيفا. نت ” في 7 \ 5 \ 2013 أن جمعية ” التطوير الاجتماعي ” في حيفا تعمل على إصدار كتابٍ  للتاريخ الشفوي، وأخذت تنشر مقتطفات منه. أحد هذه المقتطفات كان على لسان جورج خوري: ” كنت أشتغل بشركة ” خط بترول العراق IPC ” بقسم الراديو. خطر القناصة كان كبيراً في حيفا.
” نقلت الشركة الموظفين الكبار إلى طرابلس، البقية أعطوهم تعويضات وسرّحوهم. كان في الشركة 3000 -3500 موظف. إللي ما قدر يوخذ  تعويضاته في حيفا أخذها في طرابلس.”
أما خليل صالح جمال فقال: ” انهزموا العرب لأنهم غير منظمين، وما في عندهم سلاح. الإنكليز فتحوا الميناء أمام الناس حتى يهاجروا، مع إنهم قبل يوم ما كانوا يسمحوا لحدا يدخل الميناء بدون تصريح وإذن!.  قالوا للناس خذوا معاكم إيش بدكم- طحين،  أكل وروحوا للبنان. كانت المواعين ( ناقلات للبضائغ تجر بوساطة قوراب بخارية)  تنقل الناس. ”
وقال آخر: ” بعدها سكروا أبواب الميناء،  ومنعوا الناس تخرج منه للمدينة.  فقط للبحر”.
وقد أيد حسين إغبارية في كتابه ” حيفا.. التاريخ والذاكرة: ” قام الجيش البريطاني بدورٍ فعالٍ  بترحيل العرب من حيفا، براً إلى جنين والناصرة،  وبحراً إلى عكا ولبنان، وفتحوا لهم أبواب الميناء وطلبوا منهم أن يلجأوا داخلا إلى ساحات الميناء،  وعندما أصبحوا في داخل الميناء أقفلوا البوابات ومنعوهم من الخروج، وأجبروهم على مغادرة حيفا بحرا ” ص 125.  وفي مكان آخر: ” وجههم جيش الإنكليز إلى السفن والقوارب والزحافات التي أُعدت سلفا  إلى عكا ولبنان ومنها إلى مصر.. وكان ذلك نتيجة لما فعله المطران السابق لحيفا ” المطران حكيم” الذي نظم أكثر من مائة باصٍ  وشاحنةٍ  لتحميل مئات من أطفال حيفا إلى لبنان أثناء الاشتباكات وقبل ” سقوط حيفا ” بأسابيع وبحجة الحفاظ على أرواحهم،  و بعدها حثّ أهاليهم للحاق بهم إلى لبنان ، ويقال أن هذا النزوح جاء بالتنسيق مع ” الهاجاناه والإنكليز” .. وهذا ما شجع بعض العائلات الميسورة للنزوح  بعد أن أمنوا على متاعهم وبضاعة متاجرهم داخل الأديرة ” ص 396 وص 398.”
ونشرت جمعية ” تذكرت – زوخروت ” على لسان إبراهيم  بيرومي  في إحدى نشراتها بتاريخ تشرين ثاني  2004:
” أنا من مواليد 37. أذكر آخر أيام الانتداب. ولكن قبل كل شي عندي شي بدّي أقوله.  كانت علاقتنا باليهود  كويسة. ولكن لما بِـِـديـَت المناوشات تدهور الوضع. ركضنا مع الناس للدير.. الناس تجمعت على الأرض في الدير مش عارفة شو تعمل. بَس اتضح إنهم كانوا مخططين للموضوع.  صاروا يجيبوا ناس بحكوا عربي،  ويوخذوا كل  مرة مجموعة من  100 شخص للميناء. كان الجيش الانكليزي واقف، يشرف على ترحيلنا للبنان عن طريق عكا.  نزلنا في عكا عند أقارب إلنا، وكملت السفينة بدوننا “.
وذكرت جورجيت جرجورة جريس:
”  بحيفا سكنوا اليهود بالكرمل والهدار، والعرب سكنوا البلدة القديمة، مثل شارع يافا، ألِنبي، الملوك،  وعباس. كانت البلدة القديمة قريبة من البحر. كان في حارات مختلطة بين العرب واليهود، وكانت العلاقات جيدة بين الطرفين. جارنا، مثلا،, كان يهودي،  وكان من أعز أصدقاء العيلة. ساعدنا بالحرب. وكان يحمي الشباب العرب عنده في البيت.
“رحنا للناصرة حتى تهدا الأحوال. لما رجعنا لبيتنا بحيفا لقيناه  نْهد. بقينا في الناصرة. ”
————
حيفا: قبل وبعد 1948. حكايات مدينةٍ مختلطةٍ. تحرير محمود يزبك ويفعات وايس . 2002. ( بالإنكليزية )
نظم  مركز ” مساواة” ومركز “عدالة ” في حيفا العربية يوما دراسيا حول الكتاب عن حيفا، المذكور أعلاه. وقد اشتمل على سبع مواضيع، اشترك كاتبان في كل موضوعٍ فيه، باحثٌ عربيٌّ،  وباحثٌ يهوديٌّ. الأبحاث تناولت مواضيع إنسانية حول حيفا، وغطت بالتفصيل الدقيق المستند على وثائق مهمة من البلدية وغيرها، عن حكايات مأساوية في غالبيتها، إلا في الموضوع الأخير عن مقهى ومطعم ” فتوش ” في الكولونية الألمانية.  قراءته تبعث الأمل في تحسن الأوضاع أخيرا في وضع العرب في حيفا.
بادرت ” مؤسسة مساواة ”  وبعض  المشاركين في  الكتاب بمناقشة تاريخ المدينة من منظور العدالة والمصالحة التاريخية،  وتحليلاً لواقع المدينة.
حُــلّل في الندوة  موضوع  ” بيت عباس شبلاق ، الذي هُجّر أهله منه، وعاش صاحب البيت في لندن. وقد بنى عباس البيت من أربعة طوابق. سكن بالطابق الأرضي، وأجـّر الثلاث طوابق لعائلات يهودية، دافع عنها أمام بلدية حيفا، عندما كتنت هناك حاجة لذلك.
سلمان ناطور ركّز على السؤال المهم: أين صاحب البيت ؟
أشار د. محمود يزبك, إلى أنه ” بدون أن ندرس ما حل بالبيت قبل  وبعد، لا يمكن أن نفهم ما حدث.. في النكبة هربت العائلة إلى نابلس، ولكن لم يسمح لها  بالعودة. فتشردت العائلة في تونس، ونابلس، ولبنان، والسعودية، وسوريا، والأردن، ومصر ولندن.. إلا حيفا لم يسمح لهم بالرجوع إليها!!”
وذكر ” د. أفنير جلعادي “, المشارك بالكتاب : ” حتى 48 بقي الكثير من السكان في حي الكولونية الألمانية. وبات الحي مختلطاً  في مدينة يهودية. متحف مدينة  حيفا يرفض الاعتراف بالجمهور الآخر،  ويركز فقط على الجانب اليهودي والتمبلري ( المستوطنين الألمان ) للمدينة، ويتغاضى تماماً عن تاريخ حيفا الفلسطيني”.
الجلسة التلخيصية كانت مع الباحثين  البروفسور يهوذا شنهاف،  وإيلان بابيه.  فقال شنهاف : هذا الكتاب مهمٌ جداً في نظري،  لأنه لا ينادي فقط  بالتعايش، ولكنه  يمنح القوميتين المساحة اللازمة. مؤكدا أن التعايش يتطلب أيضاً إلغاء الاستعمار”. بنظره  ” دولة إسرائيل دولةٌ استعماريةٌ بحتة. يجب إلغاء الاستعمار ليكون بالإمكان الحديث عن تعايشٍ وعيشٍ كريمٍ  بين أبناء الشعبين في  هذه البلاد.”
أما د. إيلان  بابيه  فقال: ” السرعة التي دخل بها المهاجرون الجدد، والسرعة التي سرقوا بها المنازل فظيعة. عُرض مؤخراً تقريرٌ عن الكتب التي تمت سرقتها، فقد استولت  المكتبة الوطنية ( اليهودية )  في القدس على  30,000 كتاب،  سرقت من منازل عربيةٍ في القدس والمدن العربية، ومثل هذا العدد تم حرقه. هذا جرمٌ وجرحٌ  لا يمكن إخفاءه “.
…  المعهد الذي أصدر الكتاب يتحدث أيضا عن العدالة التاريخية. العدالة التاريخية بين سارقٍ وضحيةً للسرقة /  ليست عدالةٌ  تاريخيةٌ  بين طرفين متساووين. المطلوب من المسروق ليس مثل المطلوب من السارق،  لم يُسرق أي بيتٍ يهودي في عام 1948، أو أية عائلةٍ عربيةٍ  احتلته،  وإنما فقط منازل عربيةً احتلها يهود. وبالطبع إننا زدنا الطين بلاً  بأنا بعنا هذه المنازل لعرب آخرين جاءوا من القرى. وهذا أسلوبٌ استعماريٌّ معروف!!”
( تنظيم مركز مساواة بالتعاون مع المؤسسة من أجل العدالة التاريخية والمصالحة ).
——————————————–
أما الشاعر الإيراني الأصل مؤيد إبراهيم،  فقد  ولد في عكا في السنة 1910، وتوفي في حيفا في السنة 1987. كان شخصيةً  مثــقـفةً متعلمةً، يعرف العربية، وينظم الشعر بها، ويعرف اللغة الفرنسية، والإنكليزية، والألمانية، والروسية، والعبرية، وبالطبع لغة والديه الإيرانية!
عمل كمحاسبٍ في بلدية حيفا، وتدرج  إلى  أن أصبح كاتب المدينة.
لم يُعط حقه في التاريخ الفلسطيني، ولكن شعره أثبت نفسه، بحيث لم تستطع مؤسسة البابطين تجاهله. إليكم بعض الأبيات من شعره:
يا نائح البان هل أبكتك أحزاني        هل تكابد أشجاناً مثل أشجاني؟
نصيبنا في الهوى القدري أن لنا        أحبةٌ هجــــــــــــرونا  كــل هجــــــــران
أنا على الأرض أشكو البعد منتحبا ً وأنت تشكو النوى من فوق أغصان
يا ربُّ عطفك، إن الحب أرّقني        ولم أنل منه إلاّ كل حرمـــــــــــــــــان

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة