نصف حذاء – قصة بقلم : سمير اليوسف

القصة ….
قصة : سمير اليوسف – الأردن ….
خَرَجَتْ بعد صلاة الفجر لتحجز دوراً في مركز توزيع المؤن، كان صفاً طويلاً من النساء يقفن بالدور قد سبقنها.. سمعت صوت امرأة يأتي من أول الدور تقول لجارتها:
– إنني أجلس هنا عندما أخذت الشمس طريقها لتختفي خلف الأفق الغربي.
قالت في نفسها: متى سيأتيني الدور وهذا الرتل الطويل أمامي؟
افترشت الأرض واضعة حذاءها تحت رأسها بينما كانت الشمس ترسل حرارتها إلي سطح الأرض … كان الوقت تموزياً…
أفاقت من سرحانها على من ينادي باسمها..
نهضت متناقلة… لم تتجاوز كلمة “حاضر” شفتيها فقد غابت في تشققاتهما
اقتربت من المنصة استلمت بقجة الملابس … حملتها بصعوبة فوق رأسها وهي تسير مترنحة عبر حارات المخيم …
أزاحت قطعة الخيش التي تستر باب المغارة التي تعيش فيها هي وزوجها وأولادها… ما أن وضعت البقجة على أرض المغارة… حتى حوّط الأطفال البقجة… وبريق الفرح يتطاير من عيونهم… وقع نظره على فردة حذاء في البقجة… خطفها بسرعة البرق قبل أن ينتبه إخوانه إليها … وحشر رجله فيها… كانت أكبر من رجله… لكنها كانت تفي بالغرض… فهي أفضل من أن يمشي حافياً في حارات المخيم… أخذ يرقب والدته وهي تخرج الملابس من البقجة قطعة قطعة… وعيناه كالصقر تبحثان عن الفردة الثانية… ما أن أخرجت والدته آخر قطعة ملابس من البقجة حتى تغير لون وجهه… فقد أصابته خيبة أمل كبيرة… كيف به أن يسير في المخيم بفردة حذاء واحدة..
لمعت في رأسه فكرة جهنمية… أخذ يقرع أبواب البراكيات في المخيم باباً باباً يسأل عن الفردة الثانية… كان أمله كبيراً أن يجد الفردة الثانية لكن هذا الأمل أمتطي حصاناً سريعاً مخلفاً غباراً يسد عين الشمس مغادراً المخيم…
قرع آخر باب في المخيم ولكن الجواب كان دائماً بالنفي… لا وجود للفردة الثانية… أخذ يجر رجليه جراً من التعب عائداً إلى المغارة حاملاً خيبة أمله على كتفيه النحيلتين… ولسان حاله يقول: ماذا سأقول لوالدي عندما يسألني أين كنت؟
وجد والده واقفاً عند باب المغارة… بادره بالسؤال:
– أين كنت؟
تلعثم قبل أن يجب…
-كنت أبحث عن الفردة الأخرى للحذاء….
– وماذا تريد من الفردة الثانية… ألا تكفيك واحدة؟
نظر في عيني والده طويلاً… وكأنه يريد أن يلفَّ الدنيا من خلالهما بحثاً عن الفردة الأخرى… وقال متردداً:
– كنت أبحث عن الفردة الثانية حتى أعطي الفردة التي معي لصاحب الفردة الثانية كي يستطيع أن يلبس فردتي الحذاء معاً.
نطق بهذه الكلمات وهو يستدير ودموع اليأس تقفز من عينيه كالسهم لتحرق الأرض تحت قدميه الحافيتين.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة