ثلاث قصص قصيرة.. – بقلم بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين …
” ضربة معلم وماسح الأحذية”
(1)
“ضربة معلم وماسح الأحذية”
اعتاد رجل الأعمال المشبوه الفهد استدعاء ماسح الأحذية فرج إلى مكتبه لتلميع حذائه لقاء أجر زهيد، وكان أثناء ذلك يمارس عليه جبروت السيد من باب السخرية كونه نجح في أعماله برغم حصوله على الثانوية العامة بمعدل مقبول، في ذات الوقت الذي تخرج فيه ماسح الأحذية من الجامعة بتقدير جيد، وكثيراً ما كان الفهد يعقد مقارنة قاسية بين حاليهما أثناء انهماك فرج بمسح الحذاء:
“يا متعوس الحظ تتعبون أهاليكم وترهقونهم مادياً لأجل التخرج من الجامعة لينتهي بكم الأمر عند أقدام الناجحين أمثالي”.
وقد اعتاد على قول ذلك وهو يسوي من ربطة عنقه مكملاً حديثه الساخر:
“لا تزعل يا فرج فأنا لا أقصدك بالحديث، على العكس فما زلت عند وعدي بشأن توظيفك إذا ما أتيح لك شاغر عندي”.
وهذه المرة كان فرج يلمع حذاء الفهد ببراعة حتى ومضت لمعة على سطحه هاتفاً:
“مراية يا معلم”.
قال ذلك بعد أن وقف على تفاصيل مكالمة سرية كان يجريها الفهد حول موعد استلام صفقة خطيرة من السلاح الخفيف:
“لا أريد أن يعلم بذلك رجال البوليس، حتى لا تحل بي كارثة ستقضي عليّ”.
بعد ذلك تلاقت عيونهما بتوجس، ثم تأكد الفهد بأن حديثه الخافت لم يلفت انتباه فرج، الذي بدوره طرق الحذاء بطرف الفرشاة بخفة يد، وهو يخاطب الفهد “الحذاء جاهز الآن يا كبير”.
وكي يلجم الفهد أية خواطر قد تحوم حول المكالمة الطارئة في رأس فرج، وقف بزهو وهو يمدح براعة ماسح الأحذية في تلميع الحذاء حتى أصبح كالمرآة، وطلب من فرج أن يُخْلِعَهُ الحذاءَ ليتأكد من لمعانه المدهش ، قال هازئاً ببرود:
” تَمَرَّ به، هل ترى وجهك المتعب من خلاله!! فعلاً أنت مدهش”.
فعل فرج ما طُلِبَ منه مرغماً وقد لمع الحذاء هذه المرة في رأسه، كان وجهه على الحذاء منبعجاً كشيطان منتفخ الأوداج، ثم وقف بقامته المديدة وقد تطاير الشرر من عينيه الغاضبتين، أخاف ذلك الفهد الذي اعتذر منه مبرراً طلبه بأنه جاء بحسن نية، وكان يدرك بأن فرج بقامته المديدة وعضلاته المفتولة يستطيع سحقه كحشرة، لذلك تظاهر ببرودة الأعصاب قائلاً:
“عشمي بك كبير يا معلم فرج، أطلب الأجر الذي تريده تكريماً لك”.
فنفخ فرج أنفاسه كبركان، ثم ضرب الطاولة بقبضة يده وزأر متوعداً كأسد جريح:
“أريد عشرين ألف دينار لقاء سكوتي عن المكالمة التي أنهيتها قبل قليل، وإلا دفعت ثمن رعونتك الكثير يا فاشل، فقط لتتذكر كيف أن ثمن التمادي على البشر باهظ”.
الدهشة هذه المرة ربطت لسان الفهد الذي تحول إلى ديك ممعوط الريش، وسرت في أوصاله برودة الخوف، وقال متلعثما، وفرائصه ترتعد بشدة:
” أكيد لست جاداً!”.
فاقترب فرج بكل عنفوانه يشد ياقة قميص الفهد صارخاً بحنق:
” جربني وسوف ترى.. والصفقة ستنتهي بين قدميّ يا أرعن”.
(2)
المجنون
يُؤْمِن صاحبنا الذي اعتاد الجلوس في زاوية المقهى بالحسد إلى درجة أن ثروته الطائلة تحولت إلى كابوس يباغته في كل المواقف التي يصادفها يومياً. حتى قيل بأن يديه إذا لمستا التراب حولتاه إلى ذهب، لذلك فهو يرتدي ملابسه الرثة خشية عيون الحاسدين الجاحظة، ويأكل في المطاعم البائسة، ويزور سوق عمان المالي فيربح من المضاربات المال الكثير، ثم يلوذ آخر النهار إلى مقهى أبو العبد في قاع المدينة، يطلب الأرجيلة فيدخنها وحيداً وعينه تراقب المتربصين بثروته كما يهيأ له، فيتمتم في سره وعيناه تتقلبان خيفة:”قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر حاسد إذا حسد”.
ومع ذلك كان بوسع صاحبنا أن يحلم ببنت الحلال التي تتزوجه عن حب: “أين هي بنت الحلال التي لا تقبل بك إلا طمعاً في مالك”..
وكان يغيظه كلما اقترب من طاولته “حاسد” لينقده بما تجود به النفس ظناً منه بأنه متسول نظراً لما يرتديه من ملابس رثة لا تليق به ، فما أن يذهب لحال سبيله حتى يأخذ القطعة النقدية ويطوح بها بعيداً.. ولكن هذه الليلة تكرر الموقف معه حتى وصل الأمر بإحدى المتسولات وهي تمد يدها طالبة حسنة لله من جميع رواد المقهى إلّاه، فأراد أن يثبت بأنه مجرد رجل عادي لكنه غير متسول، فأخرج من جيبه قطعة النصف دينار، وأشار ببنانه إلى المتسولة فحضرت والدهشة تأكل رأسها، مدّ إليها بالقطعة النقدية أمام ذهول الحاضرين، فردت إليه ما أعطى منحرجة:
“أنت أولى بها يا مسكين”!
فامتقع وجهه من شدة الحرج، وتمتم مغتاظاً
“حسودة مقيتة، لعنك الله”.
لا بل حدث ما هو أكثر من ذلك، وكسر من شكيمة صاحبنا حينما اقترب منه من رثى لحاله، دافعاً إليه بدينار:
” أجزل لنا بالدعاء “..
لكن ما قاده للجنون هو ذلك الرجل الذي اقترب منه موبخاً:
“يا ابني أنت شاب وبوسعك العمل حتى ولو بأعمال العتالة في سوق الخضار، معاب ما تفعله بنفسك”.
فما كان من صاحبنا إلا وقلب الطاولة، وانهزم عقله في رأسه صارخاً”أيها الحاسدون.. أنا أفضل منكم.. ابعدوا عني.. اتركوني أعيش حياتي بهدوء يا شياطين”..
وراح يردد المعوذات وهو يغادر المقهى، ويضرب بيده كل ما يصادفه في طريقه، حتى بسطات الباعة المتجولين في السوق، إلى أن تجمع من حوله الناس، ثم اعتقلته سيارة الشرطة لينتهي به المقام في مستشفى المجانين.. وها هو الآن يسير في الطرقات بشعره الأغبر المنكوش ولحيته الكثة المهملة، وعينيه الغائرتين الجاحظتن وحولهما تجاعيد متراكمة بفعل ما أثقله عليه الشعور بالغبن والاضطهاد وعيون الحاسدين الجائعة المتربصة به، وليس على لسانه إلا المعوذات.
(3)
مفارقة لها أنياب
طَرَقَ البابَ وانتظر حتى يُفْتَحُ فلم يظفر بشيء، وعاد أدراجه بما معه من مساعدات عينية لهذه الأسرة الفقيرة، وقلبه الشفوق يلتهج بالدعاء:
” الله يستر أحوالهم، فما للطيبين نصيب، سنبحث عن غيرهم”.
حدث ذلك بينما صاحبة الدار التي كانت تتضوّر جوعاً مع صغارها، مختبئة في المطبخ القذر الذي استباحته الفئران والحشرات، ويدها تكمم فم طفلتها الصغيرة التي تغافت بعد بكاء كان قد غسل وجهها الشاحب بالدموع ، متلمسة بطرف إصبعها أسنانها اللبنية، حتى لا تصدر صوتاً قد يفضح وجودها، فقد ظنت بأن الطارق ما هو إلا أحد مقرضيها ممن طفح كيلهم إزاء تقاعسها عن السداد.. فبيتها الكئيب خالي الوفاض إلا من الفقر الكافر الذي لا ترحم أشداقه المساكين.. وقلب كاد يقفز من صدرها من شدة القهر.. وأفواه أشبعتها الوعود حتى عضت بأسنانها على الوهم، لكن قلبها يهدل من جديد:

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة