بعد قرن من وعد بلفور! هل تعلّمنا ؟ بقلم : د. كاظم ناصر

فلسطين …
بقلم : د . كاظم ناصر – كاتب فلسطيني مقيم في امريكا …
وعد بلفور هو الاسم المطلق على الرسالة التي بعثها وزير الخارجية البريطانية الأسبق آرثر جيمس بلفور في الثاني من شهر نوفمبر 1917 إلى اللورد اليهودي  بيونيل  وولتر دي روتشلد وأشار فيها إلى أن حكومته ستبذل غاية جهدها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وتحقّقت الجريمة الموعودة بتمكين مهاجرين من كلّ بقاع الأرض من السيطرة على بلد لا حقّ لهم فيه، وإقامة دولة عنصريّة توسّعيّة عملت منذ إنشائها على التخلّص من شعب فلسطين وتزوير تاريخه وتغيير آثاره وحقائق جغرافيتة.
وعد بلفور لعب دورا محوريّا في إنجاح جريمة القرن العشرين التي ارتكبتها بريطانيا العظمى التي كانت لا تغيب عنها الشمس آنذاك بحق الشعب الفلسطيني . بريطانيا هي التي دعمت وسهّلت هجرة اليهود إلى فلسطين، وحمت الصهاينة وزوّدتهم بالسلاح، وسلّمتهم فلسطين ليقيموا عليها دولتهم ويخلقوا بذلك مشكلة عصيّة على الحل قد تقود إلى حرب عالميّة بسبب دعمها هي والغرب  للوجود الصهيوني وتجاهلها للحق الفلسطيني .
وعد بلفور ليس الوعد الوحيد الذي استغلّت فيه بريطانيا والغرب سذاجة العرب. الغرب الذي أصدر ودعم وعد بلفور هو الذي أقنع الشريف حسين بالثورة ضدّ الأتراك في الحرب العالمية الأولى بعد أن وعدوه بإعطاء الوطن العربي الموحّد استقلاله. فصدّق الشريف حسين الكذبة، وأعلن الثورة على الامبراطورية التركيّة وساهم العرب في تدميرها ونصر الحلفاء، لكن الغرب خذلهم وأخلف وعده ومزّق وطنهم وحوّله إلى دويلات.
وبعد انتصاره في الحرب العالمية الثانية، وعد الغرب العرب بالحماية وأقام قواعد عسكرية في دولهم لا ليحميها ولكن ليجزأها وينهب ثرواتها ويحمي حكّامها المتعاونين والمتآمرين معه، وقام بدور أساسي في إقامة اسرائيل وشاركها في الاعتداء على مصر عام 1956 ، وفي حروب 1967 و1973 . ووعدهم بالدعم في مقاتلة الثورة الإيرانية وعندما تورّطوا في الحرب معها تخلى عنهم، ووعدهم بطرد الروس من افغانستان ومنع الشيوعيّة من الوصول إلى ديارهم، وبعد أن قتل الآلاف من أبنائهم وأنفقوا 25 مليار دولار على تلك الحرب خلق لهم القاعدة. ووعدهم بإقامة دولة ديموقراطية في العراق إذا تخلّصوا من نظام صدام حسين لكنّه دمّر العراق وجيشه واقتصاده وقتل وشرّد الملايين من أبنائه، ووعدهم بدمقرطة سوريا وليبيا واليمن فدمّرها هو واعوانه من العرب. ووعدهم الرؤساء ريجان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وأوباما بحل القضية الفلسطينية ولم يحققوا شيئا، والآن يعدهم ترامب بحل إقليمي شامل ولكنه أكثر تأييدا لإسرائيل من أسلافه ولن يتحقّق لهم شيئا.
الذنب ليس ذنب الغرب. الغرب يخطّط ويعمل من أجل مصالحه. الذنب في الدرجة الأولى هو ذنب حكامنا الذين تآمروا معه وذنب شعوبنا التي لم تتصدى لمخطّطاته. بعد كل هذه الخدمات التي قدّمناها للغرب فما الذي يريده منا ؟ إنه يريد منا أن ندعمه هو واسرائيل في تصفية القضيّة الفلسطينية، وتدمير مصر، ومحاربة إيران، والدخول في حروب دينيّة إسلامية – إسلامية لشرذمة الوطن العربي، ومحاربة التطرف الإسلامي الذي ساهم في تبنيه وصنعه، ودمج اسرائيل في شرق أوسط جديد، والتخلي نهائيا عن أمل الوحدة العربية، واحياء القبليّة والطائفيّة حتي نحمي الديكتاتوريات ونفشل في إقامة أنظمة ديموقراطيّة حقيقيّة تهدّد وجوده ومصالحه في بلادنا.
هذا بعض ما فعله ” اصدقاؤنا ” من قادة الغرب لنا منذ وعد بلفور حتى الآن. لكن المؤلم حقّا هو أنّنا لم نتعلم من تجاربنا معهم، وما زلنا نتصور أنهم ” حبايبنا ” بينما هم ما زالوا يتآمرون علينا ويستخفّون بنا وبإرادتنا ويخطّطون لخراب وطننا. وإمعانا في إهانتنا، فقد قررت الحكومة البريطانية الاحتفال بالذكرى المئويّة لوعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني المقبل، وقالت رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي ” سنحتفل حتما بالذكرى المئوية لوعد بلفور بكل فخر.” ودعت نتنياهو لحضور الاحتفال.
لقد احتج الفلسطينيون على هذا التصرف المهين للعرب والمسلمين، لكن السيدة ماي لم تهتم لا باحتجاج الفلسطينيين ولا بما يمكن أن يقوله العرب والمسلمين أجمعين. تريزا ماي وزعماء الغرب تعلّموا من تجاربهم معنا أننا ” نصرخ ونحتج ونعترض ونستنكر ونتوعد المعتدي بردّ مزلزل في الوقت المناسب ” ولا نتفق على شيء، ولا نفعل شيئا. المثل العربي يقول ” التكرار بعلّم لحمار” هم تعلّموا ! فهل تعلّمنا نحن؟ الاجابة واضحة !

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة