مرافئ الذاكرة (غيبة الحامدي) بقلم : ابراهيم مشارة

فضاءات عربية ….
بقلم : ابراهيم مشارة – باريس ….
من يذكر الحامدي الأخ الشقيق للعربي ولد صالحة؟
لقد اختفى فجأة ذات يوم دون أثر، دون قهوة وداع يحتسيها مع ناس السويقة، ومن ذلك اليوم لم يظهر له أثر إلى اليوم. فضل الغياب ،توارى كما تتوارى الأشياء وهي تحس بثقلها على الزمان والمكان فتسحتي أن تتوسل إليهما، الكرامة خصيصة ليست إنسانية فقط لكنها مبذولة حتى لأبسط خلق الله هناك من الفقراء من لا تشتريهم لا بمال ولا بالدنيا برمتها. وهناك من يبيع عرضه دينه لأجل منصب، دنيا لم يحسن في يوم من الأيام فهممها إلا كما تفهمها البهيمة ، لكن الحامدي أو محمد وهو اسمه كان صاحب كرامة حين ضاقت به الدنيا ألقاها وراء ظهره ومضى تاركا أسئلة بلا أجوبة!
عاش معنا في السويقة في السبيعينبات هو أخ العربي راعي القرية يتشاركان أحيانا الرعي ويأويان إلى كوخهما على ربوة حيث يربض مقابلا البيوت الأخرى، في المساء حين عودة القطيع يكون بيت من البيوت قد أرسل إليهما بالعشاء ،إذا أدلج الليل أخذ العربي قصبته وأرسل صوته الحزين من الناي في حضور الحمام والماعز الذي يبيت في مراح البيت.
كانت أمي كلما سمعت صوت الناي الحزين تقول كلمتها المأثورة:
– اسكتوا العربي يغشبط :أي يعزف
تميز الحامدي بقوام متوسط بشرة سمراء ، شعر أسود مع قليل من الصلع ،أنف أفطس عينان دعجاون، صحة ظاهرة ، مع تكرش قليل من قلة النشاط ، تزوج إحدى قريباتي لكن الفقر وقلة الاكتراث حد البلادة دفعه إلى فك عرى الرابطة الزوجية أو أجبر على فكها ، متانة بنيانه لم يواكبها نمو ذهني مكافئ لها فالاستعمار ثم الفقر والأمية ثالوث رهيب فتك بالروح بالجسم معا وأخيرا اليتم من الجهتين يجعل الفرد علامة استفهام في الحياة بلا جواب.
كان يرتدي هنداما يوحي بسالف عزه وكأنه يقول: ارحموا عزيز قوم ذل ،هو ربما هندام زفافه جاكتة رثة وسروال أرث ر بطه حوله بخيط به خرق حين يذهب العربي إلى الرعي يبقى الحامدي قرب البيت يقرفص يغفي ثم ينام مقرفصا نمر عليه يجذبه أحدنا من شعره يزجره آخر، نتأمل الكائنات الدقيقة في شعره يستيقظ يقوم إلينا متثاقلا ملوحا بقبضة يده المضمومة ويقول كلمته الخالدة :
– اللي ضحك مع والديه بكى
نجري في الزقاق نتضاحك نعود إليه يهددنا تهديد مغلوب لم ينتصر ثم نهرول حتى يأتي أحد الكبار لينهرنا ويطردنا من حوله.
أتعبناه ، وأتعبته الدنيا التي لم يفهمها وضاقت به واتسعت للكثيرين ، مرة التقيناه كان جائعا أحيانا يأكل الحشائش هذه المرة كان يسف التراب مع أن بيوت السويقة لا تقصر في إرسال الطعام وكذا أقاربه ولكن هذه دنيا طويلة وأيام مديدة وحاجات نفس ملحة والدنيا مقترة شحيحة تعسر على الكثيرين.
غاب الحامدي ذات يوم حمل نفسه وقرر الرحيل إلى وجهة مجهولة وتساءل أهل البلدة :
أين ذهب ؟ وربما بحثوا عنه وظل الأمل قائما بعودته لكنه لم يعد ولن يعود حتى بخفي حنين.
كنا كلما سألنا العربي أخاه:
– أين الحامدي ؟
– كان يقول كلمة واحدة لا مبدل لها: محمد راح رفد روحه (أخذ بعضه ومشى) !
على الرغم من الفقر الشديد لبعض الأسر والحاجة البادية وانعدام وسائل الترفيه وانعدام الكهرباء إلا أن أزقة السويقة عرفت مسرة خالصة وهناءة لذيذة ومرحا لا نظير له عند شيوخها وعجائزها وشبابها وشاباتها ترى ذلك عيانا كل مساء حين يعود أحدهم من الحقل بالغلات فلا يهدأ له بال حتى يرسل إلى الجيران من الغلة والثمار فإذا جاء الليل ترى الصبيان يحملون الأواني مملوءة طعاما يذهبون بها إلى بيوت أخرى ، أما إذا ادلهم الليل تحولت بعض البيوت إلى صالونات نسائية تتحدث فيها النساء في مسائل الحياة بحضور أولادهن وبناتهن الصغار ولا تخلو تلك الصالونات من غناء وفكاهة وتبسط ونمائم نسوية.
أما الشيوخ فبعد العشاء يلتفون في برانسهم ويجتمعون في بطحاء الحي بعد العشاء يتسامرون ،في الدين والسياسة والتاريخ و تاريخ الثورة والفكاهة يلف أحدهم سيجارة في الورق يشعلها ويتبسط في الحديث منتشيا بينما يأخذ الآخر علبة السعوط يبعث بقليل إلى أنفه يعطس يحمد الله يشمته الآخر وتمضي الحكايا على ضوء القمر وبهجة الخاطر.
مازال العربي يغشبط والحامدي مغف والحمام يهدل في مراحه والماعز يثغو و وصرصرة الصراصير في الخارج وبيوت السويقة المنثورة في حضن زمورة تمتلئ مسرة وضحكا وحكايا غير مبالية بتصاريف الزمن وشدائد الأيام.
وظل الحامدي سرة الحكايا شكل غيابه معضلة المسائل وعودته الأمر المستحيل.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة