شخصيتان من تاريخ حيفا: المحامي حنا نقارة وعودة الأشهب. بقلم : فؤاد عبد النور ( مع صورة المحامي حنا نقارة في الوسط )

ابداعات عربيــــة …
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا ….
( عانى هذان المناضلان الفلسطينيان تجارب متشابهة نوعاً ما. ا كلاهما كانا شيوعييين. الأول مواطنٌ حيفاويٌّ،  والثاني أرغم على تلك المواطنة. الأول برز ونال الكثير من الاعتبار والاحترام، والثاني بقي جنديا مجهولاً، وفي آخر أيامه في حيفا طعن ممن أعطاهم عمره وجهده!  أتركها للقارئ ليكتشف ذلك بنفسه )
الأسير الحيفاوي المحامي حنا نقارة
كتب نبيل عودة مقالاً،  نشر في ” المعهد العربي للبحوث والدراسات الإسرائيلية ” بعنوان :
” حقائق النكبة – حيفا نموذجاً،  ” بتاريخ 27 \ 12 \ 2012،  من بعض ما جاء فيه :
” شهد تاريخ الأقلية العربية معارك بطوليةٍ  ضد التهجير، قام بها وقادها بالأساس الشيوعيون العرب، بمنع الشاحنات المحملة بالمزمع طردهم من التحرك، وذلك بإلقاء أنفسهم تحت عجلاتها، ونظموا معارك قضائيةً من أجل الحصول على الهوية للعائدين ( الذين عادوا إلى وطنهم كمتسللين). اشتهر وقتها المحامي الشيوعي ” حنا نقارة “، وأطلق عليه الناس لقب ” محامي الشعب”. وكانوا ينشدون له الأهازيج الوطنية فرحاً بتحصيله الهويات في المحاكم، الأمر الذي كان يعني البقاء في الوطن، وعدم اعتبار  الفلسطيني متسللاً، أو ضيفاً مرشحاً للطرد عبر الحدود. وكان كذلك تحدياً للحكم العسكري الذي فُرض على العرب الفلسطينيين، الباقين في وطنهم، والمقيد  تنقلهم داخل الوطن.
ومن تلك الأهازيج الوطنية :
طارت طيارة من فوق الليـّـة          الله   ينصركم  يا  شيوعــية
حنا نقارة جاب  الهويـــــــــــــــة           غصباً عن رقبة بن غوريونا ”
—–
وذكر الكاتب والشاعر حنا إبراهيم من البعنة أغانٍ أخرى:
يا أبو خضــر ودّينــــــا  والزرقــــــات والحمـــــــــرا على صــــرامــينـــــــــــــــــا
هذا وطن على ترابه ربينا      ومن كل الحكومة ماني مهموما
يقطع نصيب اللي قطع نصيبي     لو إنه حاكم في تل أبــــيب ِ
توفبق الطوبي وإميل حبيبي      والحزب الشيوعي بهزوا الكونا
أو:
لو هبطت سابع  سما عن  حقنا  ما  ننزل
لو هبطت سابع سما عن أرضنا ما بنرحل!
—————–
بمناسبة الحديث عن المحامي حنا نقارة، وجدت هذه الشهادة المفصلة للحياة في المعتقلات الإسرائيلية  بعد قيام الدولة  على لسان المحامي نفسه، وردت في كتاب ” أسرى بلا حراب “، وكانت قد وردت أصلاً في كتاب ” حنا إبراهيم ” من البعنة    – وكان حنا نفسه أسيراً لفترة –  ” حنا نقارة.. محامي الأرض والإنسان “. 1984. إليكم بعض حديث نقارة:
” كان مقرّنا الجديد في عكا قبواً أرضياً، أُفرد قسمٌ منه للمنافع،  وكان يُــفضي إلى دياميس وغرفٍ داخليةٍ عديدة لا تدخلها الشمس، ولا يتسلل إليها الهواء النقي، يشعر الداخل إليه أنه داخلٌ إلى قبر. أما الطابق العلوي فكان يستخدم كمستشفى.
وكان حنا نقارة ورفاقه قد تلقوا توصيات من ضباط سجن حيفا أن يعاملهم سجانوا عكا خيراً. ولكن الخير هذا لم تبد بشائره إلا بعد زيارة أعضاء اللجنة القومية في عكا، والخوري إبراهيم – راعي كنيسةٍ في عكا –  وكذلك عضو الكنيست توفيق طوبي. ولكن هذا التحسن لم يدم،  ما لبثت الأمور أن رجعت إلى سابق عهدها عندما وصلوا.  فوجدوا أنفسهم في نفس الظروف، وسرعان ما توقفت المؤن، فتعرّض الأسرى للمجاعة، وأعلنوا الإضراب المفتوح عن الطعام. ”
قصة دخول حنا السجن مع رفاقه السبعة كانت أنهم وصلوا إلى البلاد من بيروت، على متن طائرةٍ  عن طريق قبرص، وهبطت الطائرة في مطار حيفا.
اعتقلوا،  ووُثــّقـت قصة الاعتقال والتحقيق  في وثيقةٍ  للشرطة الإسرائيلية، مؤرخة في 10 \ 10 \ 48 :
قيادة  قضاء حيفا – قسم التحقيق الجنائي.
إلى القائد العام للتحقيقات الجنائية ،
القيادة العامة للشرطة.
الموضوع :- معتقلون.
1 – مؤيد إبراهيم إيراني  . المسؤول عن قسم الجباية في بلدية حيفا سابقاً.
2 – إبراهيم الخوري. موظفٌ سابق في محكمة حيفا.
3 -حنا نقارة . محامٍ من حيفا.
4– إدوارد قطران. كاتب عدلٍ  في محكمة حيفا سابقاً.
5– راسم صدقي . موظفٌ سابق في بلدية حيفا.
6– نقولا المدور. موظفٌ في شركة بترول العراق.
7 – فكتور خوري. موظف في شركة مصافي البترول.
اعتقل السبعة على يد الجيش قبل ستين يومٍ من تاريخ هذه الوثيقة فور هبوطهم في مطار حيفا قادمين من بيروت، عن طريق قبرص. تم توقيفهم طوال الوقت في معتقل عسكري. وفي تاريخ 2 \ 9 \ 48 تم نقلهم إلى سجن حيفا المركزي. وفي اليوم التالي تُلي عليهم أمر الاعتقال،  وعلى الفور طالبوا بمعرفة السبب في اعتقالهم. وطالبوا بمحامٍ وكذلك بتمكينهم من الاتصال بأقاربهم، وحتى إعطائهم فرصةً  للقاء أحد القساوسة. هذه الطلبات تم تمريرها لسلطات الجيش التي قامت برفضها، باستثناء مقابلتهم لرجل الدين.”
وعن قصة الاعتقال قال حنا نقارة:
” انطلقت بنا السيارة من المطار مارةً  بطريق عكا – حيفا. لفت نظرنا خلو الشوارع من المارة والسيارات، حتى مصافي التكرير التي كان لا يقر لها قرار، وتعج بالعمال والحركة، بدت وكأنها تغط في سبات عميق، لولا نفثها بعض الدخان من أحد المداخن. وصلت السيارة بنا إلى موقع ” السعادة ” حيث توقفت قليلاً عند حاجز تفتيش على الطرق. وما أن تبين للنقطة أنها سيارة شرطة حتى سمحوا لها بمتابعة السير. ومررنا بجسر شل، ثم بشارع العراق، وتابعت سيرها في شارع الحجاز، فشارع الملوك، حتى مركز بوليس الميناء. بدت الأحياء مقفرةً، لا حياة فيها. ”
في محطة الشرطة جرى الاستجواب:
” الضابط : ما اسمك ؟
-حنا نقارة.
-ما مهنتك ؟
-محامٍ لمدة 12 عام.
— أين إقامتك؟
– في حيفا.
-ولماذا هربت من حيفا؟
– لم أهرب من حيفا. كنت في عكا قبل احتلالها ببضعة أيام،  لمتابعة أعمالي أمام محكمة الصلح. وكان علي أن أمثل أمامها ما بين 14 – 25  نيسان، كما هو ثابت في مفكرتي،  وملفات المحكمة نفسها. حاولت في صبيحة 25 نيسان أن أعود إلى حيفا على ظهر إحدى الزحافات البريطانية التي كانت تنقل العرب من حيفا إلى عكا، فمنعت من ذلك. أنزلني شاويشٌ  بريطانيٌّ  بالقوة مع عائلتي،  قائلاً أن مهمتهم هي نقل العرب من حيفا إلى عكا، وليس العكس!  كنت مصمماً على العودة إلى حيفا. إلا أنكم في ليلة 25 \ 26 نيسان شننتم هجوماً على عكا، وبدأ اللاجئون إلى عكا من حيفا يجلون عن المدينة،  لأنه قيل أنها ستستعمل كقاعدة ٍ حربية. أصبحت غير قادرٍ على الرجوع إلى حيفا، ولم يكن من الحكمة أن أبقى مع عائلتي في قاعدة حربية،  فذهبت إلى لبنان.
فقاطعني بالقول:
-بالفعل، استُــعملت عكا كقاعدةٍ حربية.
-هو ذاك،  قلت. وعاد للسؤال:
-طالما غادرت البلاد،  فلماذا تعود الآن؟!
-أعود إلى وطني وبلادي.
– أنت تعتقد ذلك!
– هذا هو الواقع.
-أنا أعتقد غير ذلك.
-هذا شأنك. يظهر أنك لا تعرفني. يمكنك أن تسأل بعض الشخصيات.  اليهود قبل العرب. ( ذكرت بعض الأسماء ). وأضفت:
-إنني من أولئك القلائل الذين عملوا على إحلال السلام بين الشعبين. كنت أنتظر أن أسمع غير هذا الكلام.
-يجب أن تعود من حيث أتيت!  أنت الآن موقوف بأمرٍ عسكري.
وأشار بيده إشارةً  فهمت منها أن الحديث قد انتهى.”
بعد هذا الجدل الموجع  يُشير نقارة أنه غادر الغرفة وهو يشعر بحنقٍ ونقمة ٍ لا حد لهما. وتابع:
” أخذت أفكر في هذا الضابط الذي ينكر علي حقي في بيتي ووطني، ويُجردني من جنسيتي,، ليجعل مني،  وبكلمةٍ واحدة،, مشرداً  دولياً، لا وطن له، ولا مأوى”.
————
عودة الأشهب، الأسير من غزة
شيوعي آخر- عودة عباس الأشهب، من القدس والخليل،  من عائلةٍ مناضلةٍ،  أخوه نعيم الأشهب من الأعضاء البارزين في الحزب الشيوعي الأردني ومن ثم الفلسطيني،  نشر عودة  تجربته في كتاب ” صفحات من الذاكرة الفلسطينية ” ، نشر قسم الأبحاث في جامعة بيرزيت. 1999 . اعتقل في الخليل على يد الجيش المصري لأنه من عصبة التحرر الوطني، ونُــقل إلى سجن أبو عقيلة في سيناء.
المعلومة أدناه  منقولة من كتاب” أسرى بلا حراب”,  د. مصطفى  كبها ووديع عواودة. نشر مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت:
” عندما احتل الجيش الإسرائيلي سيناء، ومعتقلنا في أبو عقيلة،  أُخذنا مع الأسرى المصريين إلى بئر السبع ، حيث بقينا  فيها  مدة أسبوعين. حشرنا جميعا في داخل مسجد بئر السبع،  بعد إلقاء جندي إسرائيلي علينا  قنبلةً يدويةً  قتلت عدداً كبيراً من الأسرى.
” منعنا من الخروج من المسجد، وكنا  نقضي  حاجتنا  في جرادل، كانت تفيض، وتملأ الأرض قاذورات. الأسلحة الرشاشة موجهة لأبواب المسجد.”
نقلوا بعد ذلك إلى معسكر ” جْليل ” قرب هرتسليا، حيث وجدوا 1500 خيمةٍ في انتظارهم،  في معسكر اعتقال يبدو كخلية النحل. تعامل السجانون مع  الأسرى المصريين  بشكلٍ أفضل قليلاً من بقية الأسرى الفلسطينيين، ولما كان شيوعياً من قطاع غزة،  وكان مع بعض الرفاق الآخرين، وجميعهم أعضاء في اللجنة التنفيذية لمؤتمر العمال العرب، وضعوا مع الأسرى المصريين، والشخصيات المهمة.
لاحظ عودة أن الكثير من أسرى يافا كانوا يخرجون للعمل خارج المعتقل، ولا يعودون،  وقدّر أن قتلهم  قد تم لدورهم في مقاومة يافا للقوات الصهيونية في تل أبيب. وكذلك كانت الحال مع أسرى الطنطورة، لعدم رغبة الجيش أن يبقى أحدٌ من القرية يتحدث عن المجزرة التي ارتكبت فيها.
نقلوا بعد ذلك إلى معتقل صرفند لمدة ثلاثة شهور، لاحظوا هناك أن المسؤولين عن التموين كانوا يسرقون من التموين، بالتعاون مع الحراس من الجيش.  فقاموا بانقلاب استلموا فيه إدارة التموين، وأصبح الأسرى يشبعون.
عندما اتفق على التبادل  مع الأردن بالأسرى، نقل مع من نقل إلى بوابة ” مندلبوم ” في القدس، ولكن الأردن رفض قبوله، لأنه شيوعي.
نمت حركة المطالبة بإطلاق سراح الأسرى، محلياً وعالمياً. وبعثت الحكومة اليوغسلافية برقيةً إلى رئيس الحكومة بن غوريون،  وحركة الشبيبة الشيوعية، مطالبةً بإطلاق سراح الأسرى، ونشر نص البرقيتين  في الصحف المحلية.
يعزو عودة في حديثه أنه قد جرى تجاوزه لينتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي، يعزوه لاتهامه بصداقة تيتو، ضد ستالين!
عندما أُطلق سراحه، نقل مع رفيقين آخرين من القطاع- علي عاشور، ومحمد الخال – إلى الناصرة، إلى الحي النمساوي، وكُلف الحزب بإعالتهم.  كان ” صليبا خميس” سكرتير الحزب في الناصرة  ، ومسؤول عن إعطاء تصاريح العمل من قبل الحكم العسكري. أضافه حنا أبو حنا، الكاتب والشاعر ، أسبوعين في بيته، وأمضى أسبوعين آخرين عند رفاقٍ أصدقاءٍ  في عيلبون،  ثم عاد الجميع لحيفا واستقروا فيها.
استأجر توفيق طوبي مطبعةً من حارس أملاك الغائبين، وعمل فيها عودة  كخبيرٍ في صف الأحرف حسب نظام الطباعة آنذاك.
من ضمن ما نشرته جامعة بيرزيت من  ذكريات عودة الأشهب،  جاء ذكرٌ لتجربته في العمل لمدة طويلة في طباعة صحيفة الاتحاد في حيفا، وكانت  ذكرياته مليئة بالمرارة.
قال أن الصحيفة أكلت حقوقه، حيث أنها طوال مدة العمل لم تسجله كموظفٍ رسمي. عند التقاعد  اكتشف أن لا يستحق تعويضاً حسب القانون، ولا رغبة عند الصحيفة في تعويضه!!
وختم قوله, ببيت الشعر:
وظلم ذوي القربى أشد  مضاضةً على النفس من وقع  الحسام  المهند

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة