“مهاجرون في أشداق البحر” قصص قصيرة بقلم : بكر السباتين

القصة …
بقلم : بكر السباتين …
(١)
“مهاجرون في أشداق البحر”
مهاجرون قذفهم البحرُ اللجي بعيداً عن اليابسة، حتى ابتلعهم في غياهب القهر.. إلا ذلك الطفل الرضيع الذي أفزع بصراخه الموج وهو يطفو فوق صدر أمه الناضب من الحليب، وضرعها كفم سمكة أطلت به من سطح الماء، لا شيء من حوله إلا ظلام الخيبة يحيط بأحلامه البريئة.. فتح فمه حتى بدت أسنانه اللبنية، صارخاً “ماما.. ماما” فلا رجعٌ للصدى يبوح بخبر عنهم  في متاهات لا يسكنها بشر… قال الراوي ذلك وهو في المقهى يحتسي رواية العرافة التي تنبأت بفينيق سينعش الأمكنة المهجورة بالحكايات..
(٢)
حدث بالأمس القريب
إذا عجز التافه (عموماً) عن محاججة من يتفوق عليه في مجال ما، سوف لن يتوانى عن رميه بحجر أعمى، أذا لم يصب هدفه سيزعج الجيران..  فدرويش في نظره مثلاً منتحل نصوص وفاسق، أما العلامة ناصر الدين الأسد فهو لص وماسوني في ثوب عالم جليل والشهيد غسان كنفاني زير نساء.. وغادة السمان مجرد عاهرة، وفلان زنديق وآخر حرامي.. و”الحبل على الجرار”!! تجد أمثال هؤلاء حتى في نطاق العمل فلكي يتسبب بطرد من يتهدد مكانته في الوظيفة مهما كان شأنها؛ فمن السهل عليه في عالم الرياء أن يخرجه من نطاق الوظيفة بتهمة مشينة ومفبركة، لا بل سيطارده اجتماعياً بحرق شخصيته دون أن يعلم الضحية بذلك ” فعلاً أوغاد”..والأنكى أن أمثال هؤلاء ( دون تحديد) يجدون بعض التشجيع المعنوي من المرائين المنافقين المتنطعين بالدين دون بينة أو علم.
قبل أيام دعاني أحدهم إلى مقهى ركوة عرب، وفي سياق حديثه عن همومه الثقافية بقلب يعتصره الألم! أخذ يجلد المشهد الثقافي بيد جزار يتعامل مع المبدعين كأن واحدهم شاة علقت من عرقوبها، هكذا بدا لي الأمر وهو يتحدث عنهم بحنق شديد؛ وذلك تبريراً لعدم قبوله في عضوية رابطة الكتاب الأردنيين العام الماضي حيث عكف أثناء الحوار على محاولة إقناعي بأن السبب الخفي لذلك يعود إلى أن القائمين على لجنة العضوية هم أدنى مستوًى من عبقريته الفذة ( يا الله)، وراح يتطرق في سياق حديثه المتشنج إلى ما ذكرت آنفاَ.. ليفاجأ مني بعبارة لم تعجبه فافترقنا على إثرها:” يا صديقي كل إناء بما فيه ينضح. نقطة وأول السطر”. ثم طلبت منه أن لا يتحسس من تعليقي حول الأمر الذي عزمت على كتابته لاحقاً على صفحتي.. فقال بكل ثقة واعتداد ” على أن لا ترمي نخلتي بالحجارة” فعقبت ” ولن أنبح خلف قطارك الماضي إلى الهاوية كالكلاب.. “عجبي”
(٣)
“وأدُ الفكرةِ الجميلةِ كوأدِ البناتِ في الجاهلية”.
قالها الكاتب ومضى يجمع قصصه النازفة التي قطع الناقد أوصالها، بقلم الحبر الفاخر من نوع وترمان، الذي يشبه السيجار الذي بيده.. ذات الأنامل المزينة بخواتم الفضة المفصصة بالياقوت.
انسحب الكاتب من المشهد يجر أذيال الخيبة دون أن تغشى طفولة قلبه الحالم بوادر يأس.. وكان بوسعه أن يحتسي بقايا قهوته ويمضي..
(٤)
“دموع الندم”
يا سيدي طلبت نصيحتي وأنا مجرد خادم عندك، فلا أمضى من أنياب الليثِ غير نداء ثائرٍ في وجه الريح.. وجائع يقتفي أثرَ اللقيمةِ في أشداق اللئام.
نظر السيد إلى عيني خادمه بارتياب وقد أعاد السيف إلى غمده، متوجساً خيفة مما سمع، ثم نادى على كبير الحرس آمراً:
خذ هذا الخائن إلى السجن! إذن هذا هو الخادم الذي حاول تسميمي بالأمس.
وخلف القضبان كان الخادم ينهار وهو عاجز عن فعل شيء إزاء مشهد اغتيال سيده على يد رئيس الحرس، والذي جعل يتلوى ألماً من مرارة الغدر، فارتطم وجهه بالأرض وعيناه ترمقان الخادم وقد طفحتا بدموع الندم

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة