الهروب إلى الذات – قراءة في رواية كافكا على الشاطئ لهاروكي موراكامي – بقلم : عواطف محجوب

اصدارات ونقد …
بقلم : عواطف محجوب – تونس ….
“لقد غدوت جزءا من عالم جديد تماما” هكذا تنتهي  حكاية كافكا. نهاية مفتوحة تجعل القرّاء يخمنون  شتّى الإحتمالات و الطرق التى سيواجه بها الفتى كرو الحياة أو العالم، إنه العالم الجديد الذي عاد إليه بعد سفر بل بعد هروب إلى عمقه.
كافكا على الشاطئ لهاروكي موراكامي، رواية يابانية دارت أحداثها في مدن يابانية بشخصيات ملامحها يابانية، نظامها ياباني بتأثيرات خارجية جمعت بين رؤى كافكا الحقيقي و إنسيابية الموسيقى الكلاسيكية و تأويلات دان براون و تفسيرات رموزه و سحر الشرق بحكايا ألف ليلة و ليلة. أبطالها شخصيات عجيبة مدهشة رغم مساوئها و جميلة بالرّغم من بعض النتوءات التى تحملها لكنها لا تشوهها. فقد نجح هاروكي موراكامي في نحتها خاصة من الناحية النفسية و الجسدية. الفتى كرو غادر منزله هربا من الجمود الذّي يلف علاقاته بمحيطه، و من اللعنة التى توعده بها والده. فرّ حاملا كمّا من الهواجس و الأفكار في خضمّها يبحث عن نفسه بل عن ذاته متسائلا من أنا؟ في كل فكرة يمرّ بها. إبن الخامسة عشر سنة يغادر نحو المجهول يمرّ بأحداث ضاعفت من تفكيره و هدوئه و تأمله و من ثمة بدأ يعي بذاته و بالآخر فيغوص في أعماقه لدرجة تقبله مغادرة هذا العالم نحو حياة يكون فيها هو بذاته الحقيقة و الأخر الذي لا يتغير. خرج مجرد فتى و عاد كافكا الذي يحمل من الحكمة ما يمكنه مواجه العالم الجديد بأسره إنه “عالم المجاز”. بالتوازي هناك الشيخ ناكاتا ذلك الشيخ الذي تبدأ حكايته إبان الحرب العالمية الثانية و الغزو الأمريكي لليابان و تستمر لزمن. ناكاتا عجوز لطيف يمتلك موهبة خارقة و هي التحدث مع القطط، تفكيره بطئ و فهمه أيضا رغم ذلك فهو يعي جيّدا أنه يفتقد لذاته الأصلية التى خسرها في حادثة غامضة و أنه مجرد نصف ظل، فغادر هربا أيضا من أجل إستعادة ذاته الضائعة. هروب أكثر منه رحلة بحث تختلف فيها أسقف إحتمالات العودة من اللاعودة لكل واحد منهما، هروب عميق إلى الذات.
بطلان يدخل كل منهما مغامرة على حدة بأحداث متوازية و رغم الإنفصال الجليّ بينهما لكن هناك خيط رفيع يجمعهما. فتحركاتهما ليست محض صدف بل مقدّرة و مدبّرة فلا يصير حدث مع أحدهما إلا و قد كان الأخر قد تبعه أو سبقه. كأنهما وجهان لعملة واحدة إسمها الحياة، جسد و ذات لإنسان واحد. فيحدث ذلك التوازي و التكامل الذي أضفى على الحبكة الروائية جمالية الغموض و التشويق بما تحملها طياتها من أحاجي لا تتبعها حلول بل تترك القارئ يفعل ذلك كأن ناكاتا وُجد من أجل أن يصل كافكا للحقيقة و يعود لمواجهة العالم بذات كاملة. دون أن ننسى دور تلك الشخصيات المساعدة التى كانت فعالة في اجتياز الابطال إختباراتهم بل أقدارهم كهوشينو و أوشيما و ساكورا و ساييكي. كلهم كانوا مسخّرين لخدمة الأبطال بطريقة ما. بإختصار رواية أبطالها خاضت معارك شخصية مصيرية و نالت شرف الشجاعة و المحاولة و المواجهة دون ملل أو خوف من الفشل. شخوص تعيش أدوارها بمهارة في حين يبدو الكاتب منقاد لها عاجز عن التنبؤ بأفعالها وأقوالها. فكان الكاتب المشاهد و المتأمل لما يحدث على مسرح روايته و كل ما فعله أنه ترك الأقدار تتدخل كل مرة و تضع بصمتها لتتركنا نترقب الحدث التالي و نحن نفكر في فك أحجية ما حدث.
في جو غرائبي فلسفي ميتافيزيقي دارت أحداث الرواية عابرة عدة جسور فكرية. سريالية عجيبة  إختلط فيها الواقع و الخيال، المنطق و اللا منطق، الموجود و المنشود، إحتفظ فيها عامل التشويق بنسقه المتصاعد مع تواتر الأحداث. تقاطع حكايات البحث عن نصف الظل و الهرب من لعنة أوديب و فيما بينهما من رموز و أشباح و تهيؤات و تأملات جعلت الكاتب يشرك  القارئ فيها لتبدأ رحلة البحث داخل و خارج الرواية من أجل إيجاد الذات و الاجابة عن سؤال من أنا؟ في تواتر بين الواقع و الخيال، بين الحياة و الموت، بين الفكر و العبثية مما أخرج الرواية في شكل مزيج من التاريخ و الفلسفة و الحضارة و علم النفس و الفلسفة و الاساطير و شعبيات يابانية مع الحفاظ على اللمسة السردية اليابانية كإنعكاس لشساعة ثقافة الكاتب و نضجه الروحي و حسن إطلاعه. غدت محاضرة مفتوحة للدرس و التعلم دافعة للتفكير و التأمل بفضل حرفية الكاتب و قدرته على تناول المواضيع بمداخل فكرية دون إضاعة النفس السردي.
رفض كافكا المواجهة فهرب من مدينته و من والده و مدرسته و من كل ما يمثل له الأخر، إعتبر الآخر جحيمه المطلق الذي لاينتهي. وحين هرب لم يخطر بباله أنه سيواجه ذاته عاريا من كل تبريرات بمساعدة الأخر. كذلك ناكاتا الذي لم يرضى بنصف حل فهرب متتبعا حجر المحور ليصحح الحقائق بمساعدة من الآخر ايضا الذي لم يكن عائقا كما في بداية الرواية.
هذا المسار الفلسفي بقدر ماهو مستعص كأفكار إستطاع الكاتب إيصالها من خلال أحداث مبسطة تضمنت إعتراف بمحدودية قدرة الإنسان و عجزه عن الوصول لحقيقة ثابتة و لا حتمية مستقرة دوما. بل كل ما يحرك الإنسان هو قطبان من الثنائيات كالوعي و اللاوعي، الحتمية و النسبية، الحرية و العبودية، الفهم و السطحية. ثنائيات تجسدت في  في احداث صغيرة متسلسلة مقدرة و محسومة وجهت مصير الشخصيات الى أقدارها المكتوبة. فكان أن أصابت كافكا لعنة أوديب، فهرب إلى العبثية و اللامعنى، إلى الصمت و البعد عن تعقيدات العالم مستسلما للموت لولا والدته التى ضخت دماء الحياة في عروقه. و أنهى ناكاتا مهمة نصف ظلة و مات بعدما أوكل بباقي المهمة لشخص بعده.
أن تعرف من أنت لا يعني أبدا أن تستسلم لأنك مختلف عن باقي الناس بل يجب أن تعود لمواجهة كل الظروف و ممارسة الحياة في عالم مجازي دون أن تضيع ذاتك بل تقوم بتوكيدها بكل دقة و هكذا يولد العظماء. بطريقة تصويرية إكتملت الأحداث و تقبل الكل الأقدار فلا خوف و لاضياع بل مزيد من السرد و الانسياب بنهايات مفتوحة تشجع على التأمل و الإقبال على البحث دون خوف أو وجل من أوجه الحقيقة الكثيرة.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة