المنشية ( منشية عكا )* 0 بقلم : فؤاد عبد النور

دراسات ….
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا ….
)” النجمة ”  تعني أن القرية مدمرة. ” 0 ” تعني أنها لم تُـغطّ  في الطبعة الثانية. مسودة الجليل 3 تحتوي على أكثر من 265 موضوع لبلدة أو قرية، أو حتي تجمع سكاني أو مضارب للبدو، و35 موضاعاً ذا صلة بالأحداث المأساوية التي ألمت بنا. بذلت قصارى جهدي لتكون المواضيع منوعة ومختلفة، وليست على نمط واحد، تقية من الملل، وتوسيعاً للفائدة بحيث تعكس وضع الجليل في بعض السنوات قبل النكبة وبعدها).

خليل محمود حمدو، من مواليد 1918, لاجئٌ من المنشية,  يسكن في المكر، تحدث إلى ” رنين جريس ومحمد كيال”، من جمعية ” تذكرت”، ورد الحديث في موقع “حق العودة ” العدد 48، أنقل هنا بعضاً منه:
” أرض قرية المنشية كانت حوالي 16 ألف دونم، معظمها أراضٍ زراعية، صادرت من أرضها حكومة الانتداب عام 1923\ 2500 دونم،  وأقامت عليها مطاراً عسكرياً، ومحطة تجارب زراعية في بناية ” الدبويا ” العثمانية، وكانت مقر الجيش العثماني ومخزن أسلحته.
” عمل 20 من شباب القرية في المحطة الزراعية بمعاش 3 -4 جنيه إسترليني في الشهر، في الوقت اللي كان الدونم من شجر الزيتون يسوى 2 جنيه استرليني. وكانت الفلاحة على الثيران، والمحراث العربي،  وكان والدي الحاج خليل حمدو أول من جلب تراكتوراً  للقرية، وتبعه أولاد عمي.”
ومن موقع مؤسسة الأسوار في عكا جاء شرحٌ لنضال خليل حمدو، لاسترجاع  أرضه من دائرة أراضي إسرائيل،  تحقيق محمود أبو شنب، الذي ذكر أن خليل حمدو  بقي يعمل دون كللٍ لاسترجاع أراضي العائلة،  بالرغم أنه غدا مقعداً، يتنقل على كرسي عجلات.
وقال حمدو: ” كانت لدينا قطعة أرض تسمى” العوينة “،  مساحتها 115 دونم،  وأذكر أني قد تغنيت بهذه الأبيات بعد استرجاعها:

ألا يا ” عوينة ” والدمعات هاموا       وأهلي في فيافي البر هاموا
بتحريرك  رفع  محمود  هامــــــــو        وركع   للرب  وقبّــل التراب
إلى العوينـــــة   قلبي   يهواهـــــــا         صورة من السما  الله  هواها
ما أحلى عيشها وما أطيب هواها       خشب زيتونها بِصدر اللهب

كان والد خليل مختار القرية زمن الثورة. وسافر إلى لبنان، ورجع إلى البلاد محملاً بالذخيرة والسلاح،  فأُلقي القبض عليه،  وسجن سنةً  وتسعة أشهر. وبعد أن صدر الحكم ضده،  صدر قانونٌ آخر يشدد العقوبات على كل من يساعد الثورة على الانتداب البريطاني، أو يحمل أي نوعٍ  من السلاح. وأُقر قانونٌ آخر  بإمكانية فرض نظام منع التجول، ومصادرة أملاك،  وغير ذلك من عقوبات جماعيةٍ على قرىً يشارك أبناؤها في الثورة.
ويتذكر خليل أنه كان في قرية المنشية  تنظيمٌ اسمه ” فصيل الانتقام ” قام بعدة عمليات ضد الجيش البريطاني، واغتال قادةً في الجيش، وعرباً متعاونين معه. وقد هرّب هذا الفصيل الحاج أمين الحسيني إلى لبنان على ظهر زورق.
ويؤكد أن هذا الفصيل قد نفـّــذ عملية زرع اللغم على طريق البروة،  واللغم الآخر في ” عين ميماس”، واغتال مدير شرطة بيسان.
اشتهرت المنشية بأكل ” الكبّة “، فكانت الكبة تُوزع على سكان القرية في الأعراس، وتُغني نسائها:
طلعنا عال المنشية نوكل كبة         لقينا الجرن مكسور والمْــدقـّــة منفيـّة
————–
احتل الجيش الإسرائيلي المنشية في 14 \ 5 \ 48،  وهدم بيوت القرية سنة 1952. وقد بدّل الكثير من الأهالي أراضيهم في المنشية بقطع أراضٍ في القرى التي لجأوا إليها. ولكن خليل أصر على استرجاع أرضه، وبقي ساكنا بالأجرة في ” المكر”.
توجد في المنشية الآن الحديقة الجميلة للبهائيين ” البهجة ” ومقام مؤسس البهائية ” بهاء الله”.
ضُمت المنشية  كضاحية من ضواحي عكا الحديثة، وأقيمت فيها أحياءٌ يهودية، واستولى  كيبوتس “عين إفراتس” على أراضيها الباقية، وأقيمت فيها كليةً  أكاديميةً إسرائيلية باسم ” كلية الجليل الغربي “،  ومتنزه على اسم ” ليلي شارون”، زوجة شارون.
—————-
اقتطف د. عراف نصاً مطولاً من كتاب محمود أبو  شنب ( لم يُنشر على ما يظهر ) نتصرف ببعضه أدناه :
لجأت العائلة إلى حيث كان الشقيق الأكبر في كفر ياسيف، وبقي الأب في المنشية، في وظيفته كعاملٍ في  بستان الحكومة. ثم انتقلوا جميعهم إلى يركا طلباً للأمان،  ووجدوا غرفةً  كبيرةً  غير مقصورةٍ،  كانت تستخدم كمخزنٍ، وسكنوا فيها. ثم انضمت اليهم أختهم، وزوجتي  الأخّين، والكاتب الصغير محمود.
كانت يركا مزدحمةٌ فوق الإمكانية باللاجئين المشردين، والفوضى كبيرةٌ، والماء شحيحٌ، لا يكادون يحصلون عليه بالمال. وحاول أخوه الأكبر منه، العمل كصانعٍ  وبائعٍ ” للهريسة “،, ولكنه توقف عندما شحّ السكر، وضعفت القدرة الشرائية عند اللاجئين. فلم يكن مفرٌ من الالتجاء للوالد في المنشية، فتسلل الصغير مع صديقٍ في سنه إلى عكا، رغم المخاطر، إذ كانت عكا قد احتلت، ووجدوا الوالد جالساً على الأرض، يسقي الشجر. أخذ في النشيج  لما رأى ابنه،  وبعد أن تمالك نفسه، حدثهما عما حصل  لبيتهم المكون من غرفة عقدٍ واحدةٍ  كبيرةٍ. وكان الأب يتفقد البيت من بعيد كل بضعة أيام،  وإذا به يرى  ذات يومٍ تراكتوراً  كبيراً يلف جنزيراً ضخماً حول قاعدة البيت، ويسحبه، وإذا به ينهار. وفعل هكذا ببقية البيوت، ورافقت عملية الهدم ضحكات الجنود الجذلين.
عندما عاد الفتيان إلى العائلة،  ولم يُصدق قولهما أنهما قد قابلا الوالد، إلا عندما أبرز الابن 50 جنيهاً فلسطيناً، أنقذت العائلة من ضائقةٍ ماديةٍ شديدة.
من ذكريات الكاتب الأخرى أن جيش الإنقاذ كان معسكراً في ترشيحا، ويرأس القوة ضابط اسمه ” مهدي. ولقبه لا يقل عن باشا”.  باشا جاهل في الأمور الحربية، ولكنه كان مهتماً بفرض القانون والنظام،  فوضع حراساً على الطرق، يمنعون خروج الناس من ترشيحا إلا بتصريحٍ  من الباشا، ومختوماً بختمه.
وأمسك جنوده ببائعٍ للصحف من عكا، لجأ لترشيحا، وكان أُمياً، يستعين بالناس ليقرأوا له عناوين الصحف لينادي عليها. فأُمسك به، واتِّهم بالتجسس لليهود، وشُنق داخل غرفةٍ مهجورةٍ  في ترشيحا.
ولم يمض وقت طويل، وإذا بالجليل يُحتل كله، ويعلن جيش الإنقاذ منع التجول في الليلة التي انسحب فيها إلى لبنان، ويصبح الأهالي فيجدون الجنود الصهاينة بدلاً منه.
اتصلت العائلة بالأب، فأخبرهم أنهم يستطيعون القدوم إلى عكا، ونجحوا بإيجاد بيتٍ فارغ  لمهاجرين، مكونٍ من طابقين، ومليئاً بالأثاث والأغراض المختلفة. ولم تمض فترةٌ طويلةٌ، وإذا بضابطٍ إسرائيليٍّ يطرق الباب ومعه عمالٌ،  يفحص البيوت المتروكة أثاثها فيها، وسأل الأب:
إنت يا شيخ رجل مؤمن و بِتخاف الله. بِتصلي وبتصوم، ولن تكذب إذا سألتك. هل عفش الدار ملكك؟
فأجاب الأب فوراً:
– لا والله.. ما إلي إلا كم فرشة والحصر والغطاء والمونة.
فنادى الضابط العمال وطلب منهم نقل الأثاث إلى مخازن الحكومة الجديدة. أما السرير الحديدي القديم فقال:
إتركوه  للختيار لأنه قال الصدق.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة