جدل الستر والأحتشام – الحجاب مثلا – بقلم : د. سمير ايوب

آراء حرة …..
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
إعْتَدْتُ فيما إعتدت ، تَجنبً الخوض في كل ما يتصل بالإيمان ، من عقائد سماوية وعبادات ومعاملات . ولكن بين الفينة والأخرى ، أسمح لنفسي ، بمقارباتٍ نقديةٍ لبعض موروث الناس في التدين ، ولبعض ما أرى من بدع ، لا تليقُ بأسْوِياءِ المؤمنين . رغمَ توقعي لشَعوذاتٍ عابثةٍ ، يقترفها بعضُ مُتَألِّهي الموروث وعبدةِ أصنامِه . لشيطنة كل محاولات المراجعة النقدية ، لبقرهم المقدس المخبأ بخبث ، في ثنايا الكثيرمن الموروث البشري في التدين .
مضامينُ الجدل المعاصر حول الحجاب ، تثير الكثير من تساؤلاتي قبل حفيظتي ، بعيدا عن غرضيات ، الإفتاء أو الدعوة إلى إرتداء الحجاب أو خلعه . فأنا ممن يؤمنون ، بأن الله أعلم بما في قلوب عِبادِه .
لا أظن أن أحدًا لم يرتطم يوما ما ، بشئ من الجدل المحتدم ، بين أنصار إرتداء الحجاب وأنصارخلعه . فقد إنقسم الناس حول تشعبات هذه القضية ، بين مؤيد مشجع للفعل مرحب به ، ومُعارضٍ يتعامل مع الأمر بسلبيةٍ كبيرةٍ جدًا . بل وصل الأمر وفق عناوين هذا الجدل وما يلفه من إستفزازٍ مُتبادلٍ ، حَدَّ الشتم واللعن والتكفيرالأهوج ، على كل من إرتدته ، وعلى كل من لم تقتنع به أو من خلَعَتْه . حتى بدا الحجابُ لدى كثيرين ، مجرد عادةٍ أو موضةٍ لها سطوةٌ . تُبْعِدها عن المقاصد الربانية ، في حواضن إجتماعية غارقة في جدلٍ يُثرْثِرُكثيرا عن تغطية الرأس ، وقليلا حول الإحتشام والستر .
خلال زيارتي الأخيرة إلى لبنان ، فجأتني الصديقة زينب ، إبنة جبل عامل ، بدعوةٍ لورشةِ عملٍ ، مع طلبتها وأطقم المعلمات والمعلمين والإداريين ، العاملين برفقتها في الثانوية ، ألتي تمتلكها وتُديرها في مدينة النبطيةِ في الجنوب اللبناني الذي أعشق .
في قاعة فسيحة أنيقة مجهزة للإجتماعات ، تربض على سطح المدرسة ، تطل بإمتياز من هناك ، على ألجليل الأعلى في شمال فلسطين المحتله ، تابَعَتْ الصديقةُ زينب ما إبتدأته من ترحيب ، تقول : رأيتها قبل أيام في أحد شوارعنا ، أربعينية ممشوقة القوام ، تمشي الهوينى بين الناس متبخترة . تستجدي بعطرها الفواح ، ولمعانِ شفتيها ، ألنظراتَ والهمساتَ المُعجبة. أخْفَتْ شعرها ، وارتدت ذاك اللباس الضيق المثير ، البعيد كل البعد ، عن المعنى الحقيقي للحجاب واللباس الساتر المحتشم . تابَعَتْها عيونُ كثرةٍ من المشدوهين ، ولسانُ حال بعضهم يصرخ : ليتَكِ كشَفْتِ شعرَكِ ، وسَتَرْتِ تفاصيلَ جسدك . لو إحْتَشمَتْ هذه السيدة ، وما إختزلَتِ الحجابَ في أقل من بعضِ مظهره ، مجرد غطاء للشعر او بعض الشعر ، لكفَت الناس ، وكفَت حالَها تَحَرُّشاً مريضاً مُؤسِفا .
قلتُ معقبا : مع التسليم بأهمية الحجاب ، وبما يرتبط به من معاني ومرامي ، أضفته عليه كل الأديان السماوية مجتمعة ، يتمايز أمامنا واقعان متغايران . يتفقان بينهما على معاني الستر والاحتشام ، المتجاوز لمظهر الحجاب . إلا أن كليهما إنتقائي ، كل على طريقته . ولكن المؤدى لهما معا ، نتيجة واحدة تسئ للكثير من قضايا الحجاب .
يتمثل الواقع الأول ، بفرضِ الحجاب على المرأة ، بالإكراه القانوني ، أو بسطوة عرف مستبد . يشرع باسم الدين ما ليس منه الا بالإسم . في ظل فوضى هذا الخلط ، باتت المرأة لقمةً سائغةً لشعارات التمرد . ليصبح عندها الحجاب القسري، مُتهماً بتقييد حريتها وإندماجها . شأنه شأن سائر العادات والأعراف الظالمة لها . خذوا من الأمثلة ما شئتم ، ستجدون أن الواقع الحقوقي للمرأة مُتَرَدٍّ . يتقافز فيه أبطالٌ وأشباهٌ وبهلواناتٌ وحواةٌ ، من دعاة تحرير المرأة وأدعياء الإصلاح . مع التسليم ، بأن كثيرا من المجتمعات ، تتطلب بالفعل جهودا مكثفة للإصلاح والتعديل والتغيير .
أما الواقع الثاني ، فنراه بكل وضوح ، في حال تلك المرأة التي أحبت حجابَها وإحتشامها ، فإذا بها تصطدم بواقعٍ قاسٍ . يفرضُ عليها في الكثير من ميادين الحياة ألا تكون محجبة . هذا إن لم يلحقها الأذى اللفظي أو حتى الجسدي في بعض الحالات بسبب حجابها .
وهنا أحبت نائبُ المدير أن تضيف لما قلت ، وهي سيدةٌ محتشمةٌ غير محجبة ، أظنها في الخمسين من عمرها ، فقالت : هناك كثيرون ممن يزعمون ، أن الحجاب والحشمة ،علامتان مميزتان للدين الإسلامي . في سياق هذا ألإدعاء ، نتعثر بأشخاص ، يقصفون جبهة المرأة بمفرداتٍ عشوائيةٍ لا تنتهي ، ليس لها من الدين شيء ، مثل : الحجابُ هويتك ، حجابك عفتك ، رأس مالك غطاء رأسك . إن خلعت الحجاب أنت كافرة .
قلت مضيفا وموضحا : لا علاقة للهوية بالحجاب والوجه وملامحه . أظن أن هوية الإنسان ، مقولة لا يمكن إختصارها في الوجه ، بل أراه محض إدعاء إفتراضي إنشائي فارغ . فهل محروق الوجه بلا هوية مثلا ؟ وعلى إفتراض صحة ربط الهوية بالوجه ؛ فهل دميم الوجه دميم الهوية ؟
وهنا ، على وقعِ إبتساماتِ الحضور ، سألُني المشرف الإجتماعي للمدرسة : أوليس الحجاب إسلامي المبتدى ؟
قلت مجيبا : هذا زعم لا دليل عليه هو الآخر . ولا هو مما تُبنى عليه أحكام . بل الحقيقة عكس ذلك تماما . لاحظوا أن الأديان كلها ، تؤكد على الجانب الأخلاقي في الإنسان كجزءٍ من كينونته . جاءت لتحفظه من التفكك والإنسحاق أمام منطق المادّة . مفهوم الحشمة وتغطية أماكن معينة من الجسد ، نشأ مع “آدم” وزوجه والشجرة المحرمة . من تلك الواقعة ، إبتدأت مسيرة البشرية في تغطية الجسد ، وستر مواقع حساسة فيه . حتى الإنسان البدائي ألذي سكن الكهوف ، كان يغطي عورته ، بجلد الحيوانات التي يصطادها .
وعند مجيء الديانات السماوية ، تطور مفهوم تغطية الجسد والحشمة . ففي الديانة اليهودية ، يذكر “سفر التكوين” في نصوص العهد القديم ، أن حجاب المرأة ، يجب أن يستر جسدها وشعرها ووجهها كاملاً .
لم تفرض الديانة المسيحية ، أنماطاً معينة من اللباس الخارجي . إلا أنها اعتبرت ألحشمة تعبيراً عن إلتزام المؤمن والمؤمنة بتعاليم الرب . ويجب أن تعكس مافي النفس من التقوى والورع . فلا يمكن أن تجد صورةً أو تمثالاً للسيدةِ مريم العذراء عليها أطيب السلام ، إلا وهي مغطاة الجسد والرأس . أضف إلى ذلك ، لباس الحجاب للراهبات في الكنيسة ، وفرضُ عددٍ من الكنائسِ المسيحية ، تغطية المرأة لشعرها أثناء حضور القداس .
وعندما جاء الإسلامُ ، مُتَمِّماً لما حملته الأديان السابقة عليه ، من دعوةٍ إلى الحشمة وستر العورات ، جاء في القرآن الكريم عددٌ من الآيات ، التي تحدثت عن تغطية المرأة لجسدها وشعرها وعن احتشامها .
وهنا ، إلتقطت الحديث طالبة محجبة في مرحلة البكالوريا ، لتقول : في وقتنا الحالي ، صار الحجاب أحد أهم نقاط الإختلاف بين المسلمين بكل مذاهبهم . يراه بعضهم فريضة عينٍ على كل امرأةٍ مسلمة بالغة عاقلة ، وبعضهم يرى فيه عادةً إجتماعية لا شأن للدين بها . هذه الحيرة والتضارب دفعت بكثيراتٍ من المتحجبات إلى خلعه . ولنكون منصفين ، لا بد من الإعتراف ، بأن الحجاب ، قد بات في العصر الحالي ، مفهوماً إختلط فيه الدين مع العرف الإجتماعي ، حتى بات أقرب إلى عادةٍ إجتماعيةٍ في كثيرٍ من الحواضن الإجتماعية والثقافية . ، مما جعله لدى البعض ، عادةً سلوكيةً مجردةً من أي قيمة دينية ، يرتديه بعضهم ، مخافة من الناس أكثر من إله الناس .
قلت : مشكلتي مع النقاشات ألتي تدور حول الحجاب ، تتمركز حول الإختزال الكبير له ، وحصره في قضية اللباس . وإختزال هذا اللباس بغطاء الرأس فقط .. القطيعة ألمفتعله بين مضمون الستر ، التي أعتقد أنها المصطلح الذي يجب أن نستبدل به كلمة حجاب ، وتحقيق قيمة الحشمة التي تنطوي تحتها الإختيارات المتعلقة بملبس الأفراد ، هي منبع الألتباس .
تقدم نحو المايكروفون بخطى وئيدة ، طالب وسيم أنيق المظهر ، أظنه لم يكمل ألعشرين من عمره ، وسأل مباشرة بصوته القوي ، دون إستعمال المايك الذي يمسك به : هل الستر والإحتشام يا سيدي ، منوطٌ بالمرأةِ وحدها ؟
قلت : يا ولدي ، هذا تغافل متعمد مشبوه . وإلا ، كيف نتغافل عن أن مطلب الإحتشام ، شامل عابر لكل بني آدم على الإطلاق ؟ الستر والإحتشام تكليف لكل بني آدم . ولم يقتصر على بنات آدم وزوجه حواء .
مدربة الرياضة في المدرسة ، سيدةٌ غير محجبة ، لم تصل الثلاثين من عمرها . سألت وهي تبتسم : هل الستر يا سيدي هو الاحتشام ؟ يتحدث كثيرون هنا وهناك ، حول الحجاب والستر ، بينما القليل منهم من يتحدث عن الحشمة .
قلت فَرِحا بسؤالها : لقد لامستِ يا سيدتي ، مفصلا أساس في دهاليز ذاك الجدل . فعندما نربط المظهر المادي للستر (الحجاب) ، بالمتطلب النفسي للإحتشام ، سيغدو الأمر ايسر للفهم . وسيغدو الستر والإحتشام ، تحريراً لأنفسنا لا تقييداً لأجسادنا . فالحد الأدنى من الإنسياب السلس مع المقاصد الربانية هو الحشمة . حشمة تجعلنا نستحي من الخيلاء ، أو أن نتجبرعلى خلق الله ، ونزاحم الله في قوته ومجال حكمه ، يمنعنا الإحتشام من أن نفسد ما سخره لنا في هذا العالم ، حشمة تلف حياتنا ، تقودنا بالنتيجة ، إلى أن نسير في الأرض ، ونحن نحني الرؤوس لخالقنا ، في كل شؤوننا وأحوالنا .
في ظل ثقافة التعري العابث ، يمثل الإحتشام ، عنوانا بارزا في المقاصد الربانية من الستر . تلك مقاصد التي ما جاءت من فراغ . جدل الستر – الإحتشام ، كرمز وفعل ، ليس مجرد ملبس . ولكنه بناء نفسي متكامل . في يبثه الإحتشام تتجسد تصرفات المؤمنين وتصبغ حياتهم ، بعيدا عن كل محاولات التمييع والإلتفاف المتخابثة . دون أن ننسى ولو للحظة واحدة ، علينا أن نعترف بلا تأتأة او تمويه مفتعل ، أن ثقافة الإحتشام ليست محصورة بالإسلام فقط . بل تتمايز بها كل الديانات ، وعابرة لكل مذاهبها وفرقها ونحلها .
وهنا وقف رجل يشوب شعره الكثير من الفضة ، ويشي مظهره بوقار مكتمل . عرَّف عن نفسه بأنه المستشار القانوني للمدرسه ليقول : طالما أن هناك ما هو أهم من مجرد اللباس وهو الحشمة والاحتشام ، ليتك يا سيدي ، توجز لنا كيف نحتشم مع الستر ؟
قلت : إن الإحتشام بناء نفسي متكامل . يُبنى بهدوء وتدرج ورفق . ليصبح ثقافة جمعية ، تعنون أي مجتمع دون إفراط ودون تفريط ، يجب أن لا يفرض بأي قوة ولا أي سلطة ، لأنه جزءٌ من بناء النفس الطبيعية ، إذا أخذ حقه في النمو عبر أطوار الزمان والحياة .
عادت زينب مديرة المدرسة ، قبل إنتهاء وقت الورشة لتقول : ليتك يا شيخنا ، تبين للحضور الكريم ، فيما إذا كان الحجاب عبادة أم لا .
قلت فَرِحاً أيضا بطلبها : العبادة في كل الاديان السماوية ، علاقة خاصة بين الإنسان وربه . وهي قناعة حرة قبل أن تكون فعلاً . فالأعمال بالنيات . والحرية التي منحها الله لعباده عندما خلقهم ، ليس من حق احد كائنا من كان ، ان يسلبهم إياها في تشريعاته وقوانينه الدنيوية . الحرية من مقاصد الله العليا ، الى جانب التوحيد والعدل والسلام والأخلاق . فَرَبُّ كل الناس ، يؤكد هذه الحرية في أكثر من مناسبة ، ومكان في القرآن الكريم : يقول سبحانه فيما يقول : “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”. ويقول أيضا : “أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”؟ ويضيف سبحانه (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) .
وهذه الحرية بطبيعة الحال لها سقفٌ لا يمكن تجاوزه ، (الأخلاق) . بمعنى آخر لا تُجْبَر الفتاة على اللباس بشروطه الشرعية عملاً بمقصد الحرية . ولا يناقض ذلك فرض الإحتشام العام ، فَتُسْتَر مواضع الفتنه , لحل الإشكال والتضارب بين مقصد الحرية ومقصد القيم والأخلاق ، لا بد من التسليم ، بأن الحجابَ ليس زِيّاً ترتديه المرأةُ على رأسِها ، لتخرُجُ به . بل أسلوبُ حياةٍ . فِلّلباس بُعدٌ أخلاقيٌ . وهذا ما يُعَقد عملية الحكم لدى المتصيدين ، من أدعياء التحرر، وأدعياء التدين . يحجرون على الحجاب في قفص الإتهام . بينما المتهم الحقيقي ، هي ثقافة المجتمع المغلوطة من حوله .
الحجاب بريء من أي تهمة يحاولون عبثاً إلحاقها به .
الاردن – 14/10/2017

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة