ما أعظم شأنهما – بقلم : د . سمير أيوب

فن وثقافة …
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
حدثني صديق ستيني فقال : ذات ليلة من الشتاء الفائت ، كان بردها يقص المسمار كما يقولون ، ذهبت لزيارة وتفقد والدتي المسنة ، ذات الثمانين عاما ونيف ، وقد انحنى منها الظهر وضعف السمع والبصر ، واخذ منها الزمن ما اخذ .
حول موقدتها ، تحدثنا مطولا حتى تأخر الليل . وإشتد الرعد والبرق والمطر . فقررت ان أبيت ليلتي مع الحاجة التي أصرت على ان لا اخرج في مثل هذا الطقس بالغ السوء  .
نمت بقربها ملء جفني ، حتى وقت الفجر . نهضت بهدوء من مرقدي . توضأت وصليت الفجر . وإرتديت ملابسي استعدادا للعودة الى منزلي . ولم يكن قد تبقى على لباسي سوى الحذاء . بحثت عن حذائي ، فلم اجده حيث كنت قد تركته قبل النوم . بحثت كثيرا عنه . وأخيرا وجدته . وجدته بجوار المدفأة . وعلمت حين إستيقظت أمي ،  أنها كانت قبل ان تخلد الى النوم ، قد  وضعته هناك ، حتى أجده عند لبسه في الصباح دافئا .
وقفت طويلا ناظرا الى الحذاء ، وانا افكر في حنان امي ، التي ما إنفكت تعتبرني طفلا في عينها ، حتى وهو وأنا في الستين من عمري . طال بي التفكير والتدبر ،  ولم أفق إلا والدموع تساقط من عيني .
امسكت جوالي . اطلقت نصا مكتوبا ، عن ما قامت به امي وارفقت مع النص ، صورة الحذاء بجوار المدفأة .
فوجئت فيما بعد ، بان ما كتبت ونشرت قد بلغ الآفاق ، وبشكل لم أكن قد توقعته . اكتشف انني لم أبك لوحدي , بل شاركني البكاء كثيرون في الكثير من مناحي الدنيا .
كتب لي احدهم قائلا : ابكتني هذه الصورة . رب ارحم من ربياني صغيرا) .
وهاتفني آخر متهدجا : ابكيتنا يا شيخنا .
آلمني كثيرا احدهم عندما كتب : فقدت امي . إحمد الله انك لم تفقدها بعد .
عدت الى امي ، احتضنتها . و بكيت كثيرا في حضنها . وشرحت لها اثر فعلها على  الناس . فرأيت السعادة تملأ وجهها .
ختم صاحبي قوله لي : ما اعظم شأن الوالدين عند الله سبحانه . مهما بالغنا في برهما ، فلن نصل الاَّ إلى جزء بسيط ، مما أمرنا به رب كل الناس ، الذي قرن عبادتنا له ، بالإحسان للوالدين .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة