زمن الطفولة الضائعة – قصة : محمد علي طه – اختارها : فؤاد عبد النور – المانيا

ابداعات عربية …
محمد علي طه – فلسطين المحتلة ….
وجدت هذه الذكريات الجميلة للكاتب محمد على طه,  من الدامون, نُشرت في مجلة الكرمل عام 1998,  وأعاد د. عراف نشرها في ” لمسات وفاء ”  في موضوع  الدامون ص561.  قرأتها عدة مرات, رغبت في  أن اختصرها, ولكنها قطعةٌ جميلةٌ, مليئةٌ بلمحات  إنسانيةٍ غير حاقدةٍ, وأسلوبٍ سلسٍ,  وتحليلٍ واقعيٍّ, دون خطابية.  فقررت أن أُدخلها كما هي. أخشى أن أُسيء إلى القصة  بالاختصار:
كان الحرس مجموعةٌ من الشباب  لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ويقل عن أصابع اليدين.
كانوا يحملون البنادق , وكانوا من جميع عائلات البلدة. أذكر منهم عمي عبد الغني, وعبد القادر, وقاسم, وشاباً قوياً كان يلقب ” بالنتشة “. كان قاسم أبرزهم,  يرتدي بزةً عسكريةً, ويضع على رأسه خوذةً  فولاذيةً. وكان جسمه طويلاً, مما أعطاه هيبةً ما.
كانوا يتمترسون كل مساءٍ, وطيلة الليل بين الصخور , وعلى مقربةٍ من الخندق.
ما كان يحيرني كان قلة البنادق في القرية. كان يعمل في الشرطة البريطانية أكثر من عشرين شاباً من قريتنا. والغريب أنهم أعادوا بنادقهم  للإنكليز..لماذا لم يهربوا بها؟
والأغرب من هذا ما حدث لقريبنا خضر. كان شاباً وسيما,ً وحيد والديه. كان متزوجاً, وله ابنان وابنة واحدة. عمل في الشرطة لسنوات,  وعاد إلى البلدة  يرتدي بزته العسكرية, ويحمل بندقيته اللامعة. ويبدو أنه قد اقتنع بأن الإنكليز سيرحلون عن البلاد فقرر أن يعود إلى حيفا ليسلمهم البندقية وبزته العسكرية. كان أميناً حتى على أموال الإنكليز. ذهب إلى حيفا, ولم يعد. بحثوا عنه طويلاً, وتحمل أولاد عمومته المخاطر وهم يبحثون عنه. لم يجدوه. سألوا الغريب والقريب,  الأصدقاء والمعارف, واستعانوا برفاقه من رجال الشرطة, بالمنجمين, والشيوخ, وقارئي الفنجان, وضاربات الودع..
ما زالت زوجنه تنتظره حتى اليوم..وما زال أقاربي يرفضون اعتبارها أرملة.
في عصر ذلك اليوم من شهر تموز تجمهر الرجال والنساء. كانوا يحدقون في الغرب حيث قرى الدامون والرويس وطمرة وكابول. هاجم اليهود قرية الدامون. ملأت سحب الدخان سماء البلدة. سقطت الدامون.
وتقدمت القوات اليهودية في الشارع الرئيس متجهة إلى بلدتنا مع الغروب.
اقترح نعيم عبد الحليم التسليم. هاتوا عصا وحطة  بيضا ! رفض رجال الحرس الاقتراح. جدي, أحمد الحسين, انهال عليه بالصراخ واتهمه بالجبن والخيانة. أحمد الحسين, عم والدي كان قائد فصيلٍ في ثورة 1936. كان معروفاً بشجاعته. وكان فلاحاً وجزاراً, يذبح البقر والأغنام والماعز.  رحل في ذلك المساء إلى لبنان. سكن مع ولديه وعائتليهما في مخيم البص. فتح ملحمةً هناك. علمت أن نعيم كان يأتي إليه يومياً . يقف على بعد عدة أمتارٍ من الملحمة, ويحدق فيه صامتاً,  ثم يتفوه بجملةٍ واحدةٍ ( عاجبك تبيع اللحمة في صور ؟ ! ) وينصرف. بقي يفعل ذلك  يومياً طيلة سنوات, حتى مات أحمد الحسين في الخمسينات. وأما نعيم فقد استشهد مع أخيه الشاويش محمد, والد صديقي صالح, في شهر حزيران 1982, حينما اجتاحت جيوش إسرائيل لبنان, وقصفت الطائرات الإسرائيلية بيتهما.
خرج الناس من البلدة يحملون حاجات قليلة. كانت العائلة تحمل لحافاً أو لحافين, ومخدةً  وقليلاً من الطحين, وإبريقاً من الزيت, وطنجرةً  وبعض الصحون.
كان أبي يحمل لحافاً وفرشةً على كتفه, ويحمل أخي محمود على ذراعه. وكانت أمي تحمل على رأسها كيساً من الطحين مملوءاً حتى نصفه, وتحمل أختي الصغرى عليا, إبريقاً من الزيت, وأنا أركض وراءهم.
وصلنا إلى كروم الزيتون في ” خلة بلان ” من الجهة الشرقية لبلدتنا.. وانتشرت عائلات البلدة هناك, وفي رأس البير.
وصلت القوات اليهودية إلى البلدة بعيد الغروب. ترك الحرس مواقعهم. لم يطلقوا رصاصةً واحدة. جاؤوا إلى  كروم الزيتون,  واقترحوا على الناس الابتعاد. . دب الرعب في القلوب. علا الصراخ. ارتفع بكاء النساء والأطفال. بدأ الناس يحمّلون الحاجات على الحمير والبغال والخيول. العائلة المحظوظة هي التي تملك دابةً.
دخل اليهود القرية. لعلع الرصاص. تطايرت قبة المسجد. دويٌ قوي. حجارةٌ تتطاير, ودخانٌ  كثيف.
وبدأ الناس يرحلون.
جاءنا عوض الزامل. كان يسوق حماره  الذكر الذي وضع على ظهره كيساً من الطحين, وفرشةً ولحافاً وأغرضاً أخرى. نهقت أتانٌ مستغيثةً, كانت قد بقيت في البلدة. أجابها حمار عوض بنهيقٍ طويلٍ غريب. أعادت الأتان الاستغاثة. نهق الحمار الذكر ثانية.. وركض عائداً نحو البلدة.
ذُهل عوض. ترك زوجته وأولاده وعدا وراء حماره. ناداه. انتهره. لم يسمع. لم يقف. كان الحمار يركض عائداً نحو البلدة. سقطت الحاجات عن ظهره. تناثرت. تبعثرت. اللحاف والفرشة والطحين.
وصل الحمار إلى البلدة..
وقف الزامل مذهولاً وهو يقول” ما كنت أعرف إنك عميل !!”
كان عوض رجلاً فقيراً , ولكنه كان قوياُ. كان يعمل سقاءً  علي ” بير الصفا ” في أشهر الصيف, وأما في الشتاء فكان لصاً محترفاً. ما زال الناس يروون قصصاً عن لصوصيته وسرقاته. وعندما يذكرون اسمه, يهزون رؤوسهم ويقولون” عوض رجل قوي وابن حرام. الله يسهل عليه “.
ما زلت أذكره عندما كان سقاءً, يجلس على مقعدٍ حجريٍّ  قرب خزرة البئر, بئر الصفا, ويدير الدولاب بقدميه, فتخرج الدلاء مملوءةً بالماء الزلال, ويفرغها في حوضٍ حجر ينساب منه في قناةٍ صغيرةٍ إلى خزان الماء ذي الفتحات العديدة التي كان الناس
يملأون منها جرارهم وأباريقهم, أو يملأون منها الرانات أو الأحواض لمواشيهم.
كانت فرحةٌ كبيرة ٌ أن نزور بير الصفا في ساعات النهار أيام الصيف. قطعان البقر والأغنام والماعز والخيول والحمير تملأ الساحة الواسعة. الفلاحون والرعاة يشربون ويسقون مواشيهم, ويقيـّــلون في ظلال الصخور.
كان أبي معجباً بهذه البئر, خاصةً باسمها. كان يعتقد أن الصفا يعني ” صفو البال والهناء” مع أن الصفا هو صخر الصوان القاسي, ونبع الصفا معناه أنقى الماء وأعذبه. وبئر الصفا بئرٌ مشهورة , وقد تكون من الآبار الشهيرة في فلسطين, لا لقوة ينبوعها, بل لأن الشاعر الشعبي قد خلدها في بيت من العتابا طار صيته في فلسطين:
ع  بير الصفا وردت حليمة
جدايل سود  أرختهم حليمة
مسعد ياللي توخده حليمة
غني لو كان يشحد على الابواب !
لا أحد يعرف اسم الشاعر, ولا أحد يعرف من هي حليمة. ولكن الناس ما زالوا يتغنون ببيت العتابا هذا.
في خريف 1982, وبعد أن احتلت إسرائيل مدينة بيروت, وبعد أن خرج المقاتلون الفلسطينيون منها, وبعد مجزرة صيرا وشاتيلا , سمحت إسرائيل لسكان الجليل أن يقابلوا أقاربهم في الجنوب اللبناني , على نقاطٍ حدودية أسمتها كذباً وزوراً  ” الجدار الطيب “.
طلب مني أبي أن نذهب إلى هناك ليطمئن على زوجة أخيه عبد الغني وابنتها الوحيدة آمنة.
وصلنا إلى  “الجدار ” . طلبنا من سائق لبناني أن يذهب إلى مخيم البص ويحضرهما.
عاد السائق بعد ساعتين  ومعه عدة سيارات, جاءت ابنة عمي وزوجها. وجاءت عائلات عديدةٍ من أقاربنا وأهل بلدتنا.
كان اللقاء مؤثراً.
وكانت الدموع أكثر من الكلام.
ولاحظت بين الناس رجلاً أسمر نحيفاً في العقد الثامن من عمره, ينظر إلي طوال الوقت مبتسماً, كأن لا شيء حدث في الدنيا. ناداه أبي وجلس إلى جواره. تحدثا في أمورٍ كثيرة. سألت عن اسمه, قالوا: ولو.. هذا عوض !
سلمت عليه. فاجأني عنمدما قال لي: أكتب.. أكتب. إحسمهم بمقالاتك !
ذكرته بحكاية الحمار العميل. ضحك وقال: يبدو أنه كان يفهم أكثر مني. لقد عاد للقرية. ضحكنا.. ولكنه قال متنهداً ” الحقيقة .. كنت أنا الحمار “!
—————

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة