فلسطين المحتلة : بلدة أبو سنان – بقلم : فؤاد عبد النور

دراسات …
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا …
ما كتبناه عن جولس ينطبق على أبو سنان وكفر ياسيف، من حيث النظافة، والترتيب. أبو سنان بلدة حضارية،  لم تُرهق بالتهجير والتدمير، ولكنها استمرت في التقدم والنمو، ومقاومة الأوضاع الصعبة من التعسف الصهيوني ضد كل ما هو ليس يهوديٌّ  في البلاد!
كان عدد سكانها عندما قامت الدولة ألف نسمة، ارتفع  بسرعة إلى ألفٍ وستمئة، وكان من الممكن أن يرتفع أكثر كثيراً لو أن السلطات العسكرية لم ترحّل اللاجئين من القرية.
عدد السكان الآن يقارب 12,500 نسمة، يزيد المسلمون قليلاً بسبب التهجير الداخلي لقرى الجوار، ثم يأتي الدروز، والمسيحيون أقل الجميع.
في عدة مقالات عن ” رواية النساء حول النكبة ” تحرير د. فيحاء عبد الهادي، وردت مقابلة للدكتورة عبد الهادي عن أبو سنان لفتت نظري. قالت المتحدثة ” يسرا سنونو ” أن مشايخ  قرية  أبو سنان تآمروا مع الحاكم العسكري الإسرائيلي للتخلص من اللاجئين بعيداً عن القرية. وتحججوا بأن قريتهم قريةٌ صغيرةٌ  لا تستطيع تحمل هذا العدد الكبير من لاجئي أهل عمقا،  وكويكات، والسميرية. فتساءل الحاكم العسكري عن الطريقة التي بإمكانه أن يتصرف فيها، فاقــتُرح عليه ترحيلهم في الفجر إلى الضفة الغربية. وهكذا حصل. وردت الشاحنات من الفجر، واقتحمت البيوت  “والخشش ” التي يسكنها اللاجئين، وحمّلتهم بالقوة في السيارات. ” أخذوهم على مفرق جنين. هناك كبوهم بين جنين وإسرائيل. هناك كبّوا الناس. اللي ضل بالأردن ضل، واللي ضل في سوريا ضل، واللي إله حدا هون رجع.  لليوم أبو سنان بِطَلعوا علينا إنا لاجئين. والله أنا كان بدّي أندمج  بالبلد، لأنه شعور الغربة صعب كثير، بس أهل البلد ما بدهم.  بالبداية استقبلونا ورحبوا فينا وساعدونا، بس لما طوّلت المسألة كثير صرنا عبء كبير .”
وجدت ما يؤيد هذا الرأي في دراستين للدكتور ” ماجد الحاج ”  أن ” اللاجئين لا يزالون في معظمهم يشعرون بالغربة، وبأنهم لاجئون في الأماكن التي لجأوا إليها.”
————
أبو سنان قريةٌ تاريخيةٌ وجدت فيها حجارة ٌ أثريةٌ، ومعاصر عنبٍ  وزيتون. والزيتون الرومي يُجمِّل حقولها، وآبارٌ محفورة في الصخر.  موقعها على طريق الملك ( طريق القوافل)  أعطاها أهميةً زائدةً، خاصةً لوجود بئرٍ قديمة عميقة فيها ( بئرٍ كفرية ) في خربة ميماس، وكانت مركزاً رئيساً للدعوة التوحيدية,،وحولها توجد قبورٌ هامةٌ  لمؤسسي دعوتهم.
توجد فيها كنيسةٌ تحت الأرض مثلها مثل المكر، وتدعى كذلك كنيسة الخضر،  ولكنها هنا في مقبرة المسيحيين.  يؤمها أفرادٌ  من مختلف الطوائف, وتقدم النذور فيها. أعطتني أرملة القيم “نخلة سمعان” مفتاح الكنيسة،  وعند فتح الباب وجدت كيسين كبيرين بعلب الشمع الفارغة، والكبريت. وسقف الكنيسة المنخفض مغطّى بالسخام الاسود من احتراق الشمع،  لعدم  تمديد خط كهرباء إليها للإنارة.
أصرت أرملة نخلة سمعان على استضافـتـنا، واستمعنا إلى ذكرياتها وذكريات أبنائها عن الكنيسة، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم على الأيام التي يضاء فيها الشمع. أكدوا أن الشمع يضاء بالتأكيد يوم الأحد. واختلفوا على يوم الجمعة أو السبت.
وأكدوا أن مار جريس يظهر أحياناً في الليل. وكثيرا ما تعبق المقبرة برائحة البخور. ويشاهد دخانٌ صاعدٌ من الكنيسة المغلقة، مما يشير إلى أنه يقام في الليل قداسٌ للأرواح!
————–
انتقلنا من عندهم إلى مقام النبي زكريا الحديث. تغطي المقام قبةٌ  حديثةٌ على طراز قباب المقامات العثمانية في البلاد. والمقام عبارةٌ عن شبه مغارةٍ،  يقال أن النبي كان يتعبـّد فيها.  ويجري حول المقام نشاطاً معمارياً أسوةً بغيره من مقامات الدروز. لكن القيم على المقام، ” يوسف ملحم خير”  لم يستطع،  أو لم يرغب، أن يفيدني بشيءٍ عن صاحب المقام. إنه للنبي زكريا وكفى.
ولكنه لم يبخل علي بقصةٍ  تُروى عن المقام.  وهي أنه كان هناك شخصٌ لا يحترم المقام ولا صاحبه.  وكان يقف على الصخرات مقابله،  ويقذف أحجاراً على قبته. واستمر على هذا العمل أربعة عشر يوماً. ويصرخ بعد كل انتهاك: هو إنت لسه بعدك قاعد هون يا زكريا ؟ وُلد للمتعدي ولدٌ بعد مدة، وكان على رأسه أربعة عشر كدمةٍ ظاهرة!
( تكفي هذه القصة. القصص عن هذا المقام وغيره في أبو سنان كثيرة).
———-
والآن إلى بعض أخبار كاهن القرية عساف خوري. رفض أن يُرسم كاهناً للطائفة إلا بعد تأمين إمضاءات كل الراشدين في القرية –  المسيحيين بالطبع.  ولديه هو الآخر بعض القصص عن كنيسة الخضر في المقبرة:
” كان  ديب حزان   يعمل في ترميم الكنيسة القديمة هذه،  فلدغت حشرةٌ رجله، وتسممت الرجل. ولم تنفع معها العلاجات التقليدية، فـنُـقــل إلى المستشفى في عكا، وقرر الأطباء قطع رجله في اليوم التالي. فكانت كارثةً لم يستطع ديب تصورها أن تحل به،  خاصةً وأنه كان يعمل في ترميم كنيسة الخضر نفسه، ويعتبر ذلك الترميم عملاً مقدساً. فلم ينم تلك الليلة، شاكياً همه للقديس الذي يؤمن به. ويكرر القول: ما أنا كنت أصلح في كنيستك يا مار جريس!
” ولما غفا عند وجه الصبح سمع صوتاً في المنام يأمره أن يقوم ويمشي على رجله المصابة. وبعد أن تكرر النداء قام وسار فعلاً. لم يُصدق الأطباء ما وجدوه في صباح اليوم التالي، ولكنهم صرفوه إلى بيته ماشيا على رجليه الاثنتين! ”
يكفي هذا. القصص كثيرة.
—————-
ولكن لا أستطيع إلا ذكر هذه الحادثة التي حصلت معي أثناء عملي الميداني لمقام آخر درزي.
كنت آنذاك أتقدم إلى كل مجلسٍ محليٍّ أو بلديٍّ باستبيانٍ  رسميٍّ من مؤسستي، طالباً معلومات من المجلس، ليست كثيرة  عن القرية- السكان، ما يوجد فيها، المدارس إلخ.
دخلت على رئيس المجلس آنذاك د. حمد صعب. كان مكتبه مليئاً بالرسائل الواردة أو الصادرة. فصبرنا عليه وهو يفتح مغلفاً، أو يتناول مغلفاً آخر. تنحنحنا. وأعدنا الكرة. فرفع رأسه الكريم، وتطلّع فينا غير مبتسمٍ. شرحنا الهدف من زيارتنا. وقدمنا له الطلب. ورجونا تعبئته. فوعد خيراً، ولكنه يرغب في فحص الأمر. رجعنا له بعد شهرين، ذكّرناه بالوعد، ورجونا أن يكون قد فرغ من الفحص، فقال إن الأمر يحتاج إلى المزيد من الفحص. فلم نرجع  له، وبحثنا عن المعلومات التي نريد بقوانا الخاصة.
وكنت قد تعرفت في كويكات المجاورة، على خربة ميماس, وبئرها ” الكفري “،  وعلى مقامٍ  درزيٍّ  للشيخ جمعة بين كروم الزيتون. ساعدني  تاجرٌ درزيٌّ كبيرٌ ( صلاح هزيمة ) يتمتع بوكالة  لتوزيع الغاز في شمال الجليل،  ساعدني  على الاهتداء إلى المقام، ودعاني  للغذاء في بيته, بكرمٍ  معهودٍ  في الدروز.
أراني مجلداً سميكا ملآن برسائل شكرٍ  من مؤسسات وأفرادٍ  دروزٍ مختلفين، يشكرونه على تبرعه السخي لترميم المقامات، أو مساعدة المحتاجين، وغير ذلك. قصصه عن المقامات كثيرة. وضعت بعضها في موضوع  كويكات. ولكن ما يهمني هنا هو تساؤله إن كنت أعرف لماذا هم يُدعون ” آل هزيمة ” ؟ وكيف لي أن أعرف،  أجبت. فقال:
” إحنا يا سيدي ساكنين المنطقة من زمان.  لا بد إنك شفت البير الكفري في خربة ميماس ( أومأت أني قد شاهدته ).  كانت القوافل اللي جاي لعكا، أو رايحة لسوريا ترتاح عند البير يوم أو يومين،  فيريحوا الجمال، ويحطوا الأكياس على الأرض. كان جدودنا يتسللوا  و يثقبوا الأكياس، ويحملوا الحبوب منها. لما يشعروا فيهم رجال القافلة، كانوا يهربوا. عشان هيك سمّونا ” آل هزيمة “.
قصةٌ طريفةٌ تستحق التسجيل. وهذا ما فعلته، خاصةً أنها قيلت على لسان وجيهٍ  من العائلة. ملف الشكر المقدم الذي جمعه  من الممكن له  أن  يعبئ مجلداً  كبيراً.
كتبت  ما قال  مختصراً.
عندما وزعت الطبعة الأولى في الجليل، على ما يظهر وصلت نسخةٌ إلى رئيس المجلس المحلي الجديد بعد الانتخابات،  وكان من عائلة هزيمة، أظنه “علي هزيمة “. وإذا به يتصل عدة مرات ببيتي على الهاتف، ويزعج زوجتي بطلبه الآمر بأن أتكلم معه، وترك رقم هاتفه للاتصال. عندما رجعت للبيت، وجدتها منزعجةً، وأعطتني رقم الهاتف. اتصلت،  فبدأ بالصراخ:
” إنت  فؤاد عبد النور؟  إنت كيف تكتب عنا اللي كتبت إنه جدودنا حرامية؟ ! ”
احتاج  مني الأمر بضع لحظات لأستوعب قوله، وأتذكر العلاقة باسمه. لم ينتظر ردي، بل استمر:
” ما بتعرف إحنا أصل البلد. عندنا آـثار بتشهد علينا. أعمدة. قصور. إلخ.”
المهم أنه طلب سحب النسخ من السوق، مع  تهديدٍ مبطنٍ أكثر منه صريح. ( شعرت أنه يهدد بقوة غيره) . أقنعته بصعوبة ذلك،  ولكني وعدت بحذف العبارة هذه إن كانت هناك إمكانيةٌ  لطبعةٍ ثانيةٍ.  حصل ذلك، وحذفتها. أنا الآن غير ملزمٍ، لكنها بقيت تحز في نفسي. فكتبت في مقدمة الطبعة الثانية:
”  …  يقع الباحث المتحرر من الروح  الحمائلية –  مثلي – في أكثر من  (مطبٍ) ومأزقٍ،  بعضه خطيٌر إلى درجة التهديد والوعيد مثل: من سمح لك أن تذكر أننا كنا في الماضي يهوداً، مسيحيين، مسلمين، أو دروزاً؛  أو من قال، أو يستطيع الإثبات،  أن أجدادنا الكرام كانوا – قبل قرون كثيرة – سارقين أو قطاع طرقٍ أو رعاة غنمٍ أو جمال؛ أو أن حسبهم يـقلّ عن حسب غيرهم،   ولا يتمتعون بشجرة عائلةٍ كريمةٍ ومزدهرة؛  أوَ، ألسنا أصل البلد وحماته وتاجه؛ ألا ترى أننا – الآن – نُرجّح كفة هذا أو ذاك، ونسعد هذا أو ذاك؛ أو على الأقل نجلس هذا في صدر المجلس، وذاك عند قدميه. ”
———                انتخب السكان قبل تأسيس المجلس المحلي لجنةً لإدارة أمور القرية، فعبدت شوارعها، ووسعت مدرستها، وأُنشئت جمعية ” الحياة ” لتأمين مياه الشرب للبيوت.
المقام الدرزي البارز فيها هو مقام زكريا، الذي وُسعت ساحته من التل، وغير معروف أصله بالضبط: هل هو منسوب إلى  يحيى ( يوحنا المعمدان ) أم نبيٌّ عبرانيٌّ  آخر، أم أحد الدعاة الدروز. ومن المعروف أن يوحنا المعمدان قُبر في قرية سبسطية في الضفة الغربية، وبني فوق القبر كنيسةٌ،  وحُــوّلت  الكنيسة إلى جامع القرية.
في القرية  خلوتان، واحدةٌ  قديمةٌ  قِدم الدعوة،  وأخرى حديثةٌ بنيت سنة 1926.
كنيستان ؟ واحدةٌ حديثةٌ،  والأخرى أثريةٌ تحت الأرض في مقبرة القرية، من مخلفات الاضطهاد الديني. في المكر توجد كنيسةٌ أخرى  تحت الأرض.
مسجدٌ واحد.
6 مدارس، 3 ابتدائية، 2 اعدادية، 1 ثانوية، ومدرسةٌ للتعليم الخاص. روضات. مركزٌ للصم والبكم. مكتبةٌ عامة. مركزٌ جماهيري. قاعةٌ رياضية. بركةٌ سباحة. ملاعب رياضية. مستوصفات صحية. عيادات للأمومة والطفولة. عيادات طب أسنان. نادٍ للمسنين. وكليةٌ تعليميةٌ خاصة.
————–
سُكنت القرية بالدروز دون انقطاعٍ  منذ بداية الدعوة للآن. وهي قريةٌ  تمتاز بالتعايش السلمي بين طوائفها المختلفة. وإن كان هذا التعايش السلمي, يتوقف مؤقتاً، خلال الانتخابات للمجلس المحلي!
يرجع اسمها إلى قلعة صليبية باسم ” بسنين “. وقد بنى فيها الأمير معن فخر الدين قصراً لابنه علي فخر الدين. وكان لِ أبو سنان دورٌ مهمٌ  في حرب المعن مع الأمير الحارثي من آل طرباي، أحمد.
كان لدروز أبو سنان وغيرهم من القرى الدرزية علاقات طيبة مع جيرانهم البهائيين في عكا وحيفا، وعلى رأسهم عباس أفندي. وكان الدروز يعتبرون بهاء الله، وابنه ( عباس) من الشخصيات المعتبرة والمقربة من الله.  و” مقام الباب ” في حيفا مقصودٌ من الدروز، يقدمون له التقدمات، ويجلبون له حالات مرضيةٍ أملاً في الشفاء.
وبما أن الشيخ صالح يوسف خير كان قنصل العجم في بلاد فلسطين أيام الحكم العثماني، فقد دعا مع بعض مشايخ أبو سنان،  عباس وحاشيته المنفية في عكا إلى المجيء والسكن في أبو سنان  عندما ثارت الحرب العالمية الأولى. وأخذ الجيش العثماني يصادر الأموال، والمقتنيات، والطعام للجهد الحربي. ولما كانت تتردد أقوالٌ عن قرب غزو الموانئ الفلسطينية من قبل الحلفاء، شعرت الجالية البهائية بالخطر المتزايد عليها. خاصة وأن قسما كبيراً من عائلة عباس أفندي الخاصة انشقوا عليه، ورفضوا زعامته بعد أن توفي والده  ” بهاء الله “، وأخذوا يُحرضون ضباط ” الاتحاد والترقي ” عليه، خاصة جمال باشا,، ويغرونه بالسجاد العجمي وغير ذلك من الهدايا. ويقال أن جمال باشا قد تعهد بصلب عباس أفندي علانيةً في حيفا.
لبّى عباس أفندي الدعوة، ونزل في البيت الخاص للشيخ صالح خير،  أما بقية الحاشية التي بلغت 130 فرداً، ومثل ذلك العدد من الأطفال، فقد استأجروا بيوتاً في أبو سنان، ورمموها لسكناهم. وأفتتح البهائيون مدرسةً  لأطفالهم، وأطفال النخبة من الدروز.
—————–
شخصيات :  بروفسور أشرف إبريق،  تعدّى الأربعين من العمر، مهجّر من البروة، سكن أبو سنان، وأصبحت موطنه الثاني. له إنجازات رائدة في أبحاث الكيمياء المتعلقة بالبروتينات، وحائز على جائزة التميّز.
كتب :
من ذاكرة معلّم . نديم ابريق.
أبو سنان.. نجمة صبح الجليل. الشيخ  عفيف عزام.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة