العدالة والمساواة في الرواتب والاجور – بقلم : خالد واكد

دراسات ….
بقلم : خالد واكد  – مصر …
من أكبر المظالم الحاصلة والتي تلغي مفهوم العدالة الاجتماعية والمساواة في الأجر والرواتب عندما يكون الشخص لديه نفس المستوى والمؤهل العلمي وحامل نفس الشهادة الجامعية ويكون هنالك اختلاف كبير في الأجر لدى بعض الجهات الحكومية وعلى سبيل المثال (أربعة مهندسين نفس التخصص تخرجوا في نفس العام الأول تحصل على عمل في وزارة (س) براتب يصل ما يقارب 500 دولار،  والثاني تحصل على  وظيفة في مرفق حكومي (ص) براتب وأجر يصل إلى 300 دولار، والثالث لم يجد بدًا من العمل لدى جهة حكومية أخرى (ع) براتب لا يزيد عن 100 دولار وهو الراتب الأساسي فقط، والرابع تحصل فرصة للعمل في إحدى الشركات الكبيرة (ف) بأجر شهري يفوق 6 آلاف دولار.
«إذا أردت الإخلال بنظام دولة وتدميره على المدى فما عليك إلا الإخلال بعدالة المرتبات والأجور والمعاشات بين موظفيها وسكانها».
وهذا الذي يحصل اليوم أناس مواطنون من بني جلدتنا يتحصلون على رواتب تفوق الخمسة والعشرة الف دولار … إلخ وأناس من نفس الطينة ومن نفس جلدتنا لا يتحصلون سوى على بعض الفتات ورواتب لا تتعدى  المائة دولار فقط  في أحسن الأحوال، إنه عنوان الإخلال في عدالة الرواتب بين مواطني الشعب الواحد والبلد الواحد.
فالسؤال يبقى هل توجد مساواة وعدالة بين توزيع الرواتب؟ فالفرق شاسع بين متوسطات الرواتب لموظفي الدولة؟ وما الذي يجب أن تعمله الحكومة عند قيام موظفي الدولة بالمطالبة بمساواتهم بموظفي القطاع النفطي مثلًا ؟ لابد من تطبيق العدالة والمساواة بين جميع المواطنين في الحكومة والخاص لمواجهة متطلبات الحياة في ظل ظروف لمتغيرات متفاوتة، مواطن يملك كل مؤهلات الرخاء والرفاهية من مسكن خاص وسيارة وتعليم الأولاد في أحسن المدارس والجامعات ومواطنون في أدنى متطلبات سبل العيش الكريم. هذا في ظل عدم الحديث عن مشكلات البطالة فذلك الذي يتحصل راتب المليون بإمكاننا استيعاب عشرة عاطلين براتبه. هذا نموذج فقط لما هو عليه الوضع من تفاوت وظلم.
الاختلال واضح وكبير أحيانًا
إن الابتعاد عن تحقيق العدالة والمساواة في الأجر يحدث الفوضى وسبب لإشاعة الفساد وبالتأكيد سينشر الظلم وسينعكس ذلك كله على ضعف الأداء وتراجع العطاء وقلة الإنتاج.
فالعدالة ضرورة لصلاح المجتمع ومتى تحققت قلت المشكلات وزادت المنافسة في العطاء والولاء والانتماء. وها نحن نرى تمثل ذلك في صور حقيقية واقعية مرتبطة بفوضى إدارية أدت لتهالك النظام العام للدولة. إننا على يقين بأن تقسيم الرواتب والكوادر لم يخضع لدراسات علمية وفنية ومهنية حسب طبيعة العمل ومتطلباته والمؤهل العلمي والخبرات الوظيفية والحياتية، وما أكثر المسميات الوظيفية وقد تخطى خطوط الإصلاح والدخول بالفوضى والعبث بالمال العام للدولة. إن المؤسف أن بلادنا بتاريخها وكيانها وخبراتها ودستورها تفتقر إلى تطبيق عدالة الرواتب بين موظفي الدولة، وتفتفر لرؤية واستراتيجية وبعد اقتصادي وعدم مراعاة المال العام لميزانيات الدولة وتوزيعها.
العدالة لابد منها
يبقى السؤال الأهم أين مبدأ العدالة والمساواة في الأجور لدى تساوي نفس المؤهل ونفس قيمة العمل؟ أين مبدأ العدالة الاجتماعیة الذي يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع، والتي تتمثل في النفعية الاقتصادية، وإعادة توزيع الدخل القومي، وتكافؤ الفرص وغيرها.
إنّ العدالة الاجتماعية هي رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات، والتوزيع العادل للثروات بين الناس، والمساواة في الفرص، وتوفير الحاجات الرئيسية بشكل عادل، واحترام حقوق الإنسان المعنوية والمادية.
وقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من الآيات التي تحث على أهمية تطبيق العدالة في الأجر لدى تساوي المؤهل والخدمة.
الإسلام ينشد العدالة والمساواة بين الجميع
لقد كان الإسلام أول من ساوى بين البشر بغض النظر عن أية فروق فلا تمييز بين البشر في هذه الأمور. فالناس سواسية كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله. (وضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على العدل والمساواة في الإسلام عندما قال: «أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». (أخرجه مسلم) ولقد جاء الإسلام ليعلي من قيمة الإنسان بغض النظر عن أي شيء «كلكم لآدم وآدم من تراب».
فلا عدالة اجتماعية من دون توزيع عادل للثروات على أفراد المجتمع، ومن دون إعطاء كل شخص ما يستحقه من مال تجاه ما يقوم به من أعمال والمساواة في توزيع الثروات مع تساوي الحقوق والاستحقاقات، فلا يفضل في الوظيفة نفسها وبالمؤهلات نفسها موظف على آخر، لأي سبب كان، ولا تسود العدالة الاجتماعية إلّا باحترام حقوق الإنسان فإن احترام الإنسان باعتباره إنسانًا وتكريمه هو من أجلى مصاديق تطبيق العدالة.
العدالة في الإسلام أمر إلهي، قبل أن يكون مطلبًا إنسانيًا، فرديًا واجتماعيًا، وقد ورد ذلك في كتاب الله بقوله «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى».
كما أن المنظور الاقتصادي الإسلامي للعدالة في توزيع الثروة يتضمن عدالة الأجور، فقد روي أن أبا عبيدة تحدث يومًا مع عمر «رضي الله عنه» في استخدام الصحابة في العمل فقال «أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة».
عدم المساواة في الأجر تقضي على روح الإبداع
ومن أسباب هذا الظلم الواقع اليوم هو عدم وجود سلم للرواتب أساسًا وفي حال وجد سلم للرواتب فإنه يفتقر للعدالة وربما عدم اتباع الأساليب العلمية الحديثة في الإدارة أدى إلى جعل عمليات تقييم الموظف عشوائية وكيفية ومزاجية أحيانًا ولا تخضع لأية معايير عادلة كما أن الرواتب غالبًا تبنى على المحسوبيات وصلة القرابة بين الموظف والإدارة أو أحد موظفيها ذوي النفوذ كما أن خلط الإدارات بين الراتب المستحق وفق الكفاءة والمساعدة الإنسانية التي تمنحها للموظف الذي لديه ظروف استثنائية قاسية.
ولم تعد روح التنافس والتطوير الذاتي عنوان معظم المؤسسات الحكومية في البلد لأن سلم الرواتب لم يعتمد على أسس عادلة والتي منها التطوير الذاتي والمهني، إنما الواسطة أصبحت العنوان الرئيس للحصول على الوظيفة وعلى الراتب المتميز والمكافآت والحوافز والعلاوات لم يعد هنالك أي وجود وتقييم لروح التنافس والتطوير الذاتي للموظف ومهما عمل هذا الموظف الضعيف الغلبان فلن يستطيع أن يصعد للأعلى ولا يحصل على زيادة في الراتب نظير سنين الخدمة إلا إن كان لديه فيتامين «واو» (الواسطة) حينها سيتنقل هذا الموظف خلال فترة وجيزة ليصبح مديرًا أو حتى وزيرًا طالما لديه النفوذ القوي وحينها لن ينظر للراتب أبدًا.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة