صناعة الموت العربية – بقلم : وليد رباح

دراسات ….
بقلم : وليد رباح ..
هذه كلمة عن ( صناعة الموت العربية) ولا تأخذ البعض منكم الظنون بان تلك الصناعة يخلو منها بلد عربي معين .. فطالما كان الانسان يموت من بعد ولادة وحياة .. فان تلك الصناعة تزدهر الى حدود الاستنزاف .. ويدفع الاحياء فيها ( دماء قلوبهم) لتكريم الاموات في وقت تدفع مبالغ ضخمة لا لزوم لها ( لاكرام) الميت على طريقة اهله وحسب عاداتهم وتقاليدهم وامكاناتهم المادية .
واذا كانت المغالات في كل امر تعتبر اسفافا . فان المغالاة في دفن الميت والاسراف في تبذير النقود يعتبر جريمة لا يجب ان نغض الطرف عنها في وقت نكون فيه بحاجة الى دريهمات قليلة بعد موت العائل لكي يتبلغ بها اولاده او عائلته بعد ان فقدوا معيلهم .
وحتى ان كان الميت موسرا .. فان تبذير النقود في جنازة ضخمة .. واقامة السرادقات والقراءات لايام واسابيع احيانا تعود بالضرر على الاسرة بكاملها سواء كان هذا الضرر ماديا او جسديا او نفسيا .. فبالاضافة الى المصاريف الباهظة التي تدفع فان اللطم والبكاء والصراخ عادة لم تزل تلازم انساننا العربي خاصة النساء .. ولا ينفع في كل ذلك ما يقوله المتدينون  والدين بان البكاء واللطم على الميت حرام ولا يجوز .. ففي مثل تلك الاوقات تختزل كل المعلومات الدينية فتدمع العين ثم ينسكب الدمع ثم تأتي احداهن من آخر الحي لاطمة باكية مولولة لتتبعها جموع النسوة في حفل جنائزي مجنون .. في بعض البلاد يحثى التراب على رؤوسهن ويمزقن ملابسهن وكأن الميت لم يكن متوقعا موته .. او كأنه كتب صكا بينه وبين اهله انهم لا يفارقوه او يفقدهم ابدا .. ثم قام الميت باختراق هذا الصك وتركهم في لحظة ذاهبا الى الموت دون مقدمات او سابق انذار.
ونتيجة للمغالات في البكاء واطالة مدة الحزن يترك النحيب واللطم آثارا نفسية وربما جسدية عميقة عوضا عن افراغ الجيوب .
ونتيجة لهذه العادات السخيفة نشأت في الوطن العربي صناعة تسمى صناعة الموت .. جل قوادها من المتعطلين والمنتفعين والراغبين في الاثراء السريع على اعتبار انها صناعة دائمة لا تنقطع .. فطالما ان الموت لا ينقطع .. فان تلك الصناعة تظل على ازدهارها وحيويتها وكلما مر الوقت تزداد البدع  ويزداد الغلو فيها الى ما لا نهايه .
فالسرادقات الفخمة والمصاريف الباهظة التي تدفع لاقامتها عادة ذميمة .. ومن الممكن ان يستبدلها الناس بزيارات في بيت المتوفى او احد اقاربه او المسجد  او مكان عام قليل التكاليف لا تنوء به جيوب اهل الميت .. والقبور الفخمة التي تبنى من حجارة منحوته يذكر فيها اسم الميت وتاريخ موته وعائلته هي امور ليست من الدين في شىء عوضا عن ان العقل السليم لا يجيزها .. فذكرى الميت ليست بنصب يقام او تمثال ينحت او جنازة فخمة تسير في الشوارع والطرقات .. ان ذكراه تظل تعبق طالما ترك آثارا ينتفع بها اهله والناس جميعا .. وكم من ميت ذهب الى قدره واقيمت له الزينات والرايات عند موته ولكن الجيل الذي تلا نسيه ونسي موته وعامل قبره كما تعامل قبور النكرة من الناس .
اما ما يقوم به البعض .. فان النعوش التي تطلى بماء الذهب وترسل مع الميت الى مثواه الاخير ويهال عليها التراب لا يمكن الا ان تكون وبالا على اهل الميت وعائلته .. ولا يظنن الانسان ان غني اليوم لا يمكن ان يصبح فقيرا في الغد .. فربما استفاد اقارب الميت او اهله مما ترك .. والمغالاة في هذا الامر تعتبر ضربا من الجنون لا يجب ان نعتد به .
اما موسيقى النحاسيات او القرب التي ترافق الميت الى قبره في بعض البلاد في احتفالية مميزه .. هي من الزوائد التي يمجها الذوق السليم .. وربما قبلناها ان كانت الميت عسكريا وترك آثارا بطولية حميدة في حياته .. ولكننا لا نستسيغها ابدا ان كانت للفت الانظار واعلام من في الشوارع والطرقات ان (فلانا) قد مات ويجب ان يحزنوا لحزن اهله .
أما الامر الاكثر اثارة وتبذيرا هو النظر الى صفحات الوفيات في الصحف العربية حيث تمتلىء بالتعازي لبلوغ الميت ذكرى الاسبوع او الاربعين او السنة او السنتين .. بل وحتى ان مر على موته سنوات فان بعض اهالي الاموات لا يتذكرونهم الا مرة واحدة في السنة عندما يشاهدون صورته في الصحيفة التي تنعيه وكأنه قد مات البارحة .
ولا يعني عدم رضانا عن هذا الامر ان لا ينشر اهل الميت خبرا او اعلانا عن وفاته . بل على العكس .. ان نشر ذلك يمكن ان يجلب انتباه اقاربه او اصدقائه البعيدين الذين لا يعرفون شيئا عن موته .. ولكن اعتراضنا ينبع من عدم تكرار التعزية في الصحف التي عادة ما تتقاضى مبالغ ضخمة عن تلك التعازي .
والخلاصة ان مراسيم الدفن بدءا من الاعلانات باهظة التكاليف في الصحف الى سرادقات العزاء الى موسيقى النحاسيات الى استئجار بدلات خاصة لمن يعملون في المقابر الى استئجار شيوخ القراءات الى غير ذلك .. كله يندرج تحت بند التبذير ويمكن الاستغناء عنه باقامة مراسيم بسيطة يدعو فيها الناس للميت بالرحمه .
ان نعمة النسيان التي منحها الله للبشر .. تنبىء ان الميت سوف ينسى بعد فترة من الزمن .. وهي نعمة نشكر الله عليها .. فلو اننا تذكرنا كل موتانا فيجب علينا ان نواصل البكاء على الجد الخامس عشر من جدودنا .. وبذا لا ينقطع البكاء الى يوم القيامة .. ويقينا ان المثل العربي يقول .. ان الحي ابقى من الميت .. هو مثل صحيح .. ولا يجوز المغالات في هذا الامر مطلقا .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة