وَحْدُنْ بِيِبْقوا ، مِتِلْ زَهْرِ البَيْلَسان – بقلم : د. سمير ايوب

ابداعات عربية …
بقلم : د . سمير محمد أيوب – الاردن …
تُفيدُ الحكايةُ بأن الشاعر اللبناني الكبير طلال حيدر ، كان قد إعتاد تناول قهوته ، في شرفة منزله ، المُطِلِّ على غابةٍ جميلةٍ ، في الجنوب الأبعد للبنان . لفتَ إنتباه الشاعر لفترة ، حضورُ ثلاثة شبّانٍ صباحَ كلّ يوم ، بِتَواقتٍ مع قهوته إلى الغابة ، وخروجهم مساءً منها . بعد أيامٍ إنتبه الشبانُ إلى نظراتِه . فراحوا يُحَيُّونَه كل صباحٍ . وإنْ رأوه مساءً ، ودّعوه بتحيةٍ لطيفة . بادَلَهم إياها مُتسائِلاً بصمتٍ ، عما يفعلونَه هناك .
كبُرَ التساؤل في نفس الشاعر . فقرّر أن يكسِرَ صمتَه ويُكلِّمَهُم . علّه يعلمُ سرّ العلاقةِ مع غابةٍ لصيقةٍ بشمالِ فلسطين المحتلة .  في صباحٍ لطيفِ النسمات ، ألقى الشبان التحيةَ على طلال ، الذي تردّد في أن يُفاتِحَهم بتساؤله . فأرجأه إلى المساء . مترقباً مراقباً ، ومهيّئاً نفسه لما قد يفاجئه ،  ومحيطاً نفسه بشيء من الفرح ، ظنّه سيشبع فضوله .
غابت أجسادُ الشبان بين أشجار الغابة . وسافر طلال بخياله وتصوراته ، عما سيصل إليه عند الغروب ، بعد تحدّثه معهم وهم عائدون .  ترقَّبَ طلال غروب الشمس وأفول الضوء ، بشوقٍ لقهوةٍ مختلفةٍ ، حَملَها بيديهِ إلى الشرفة . وراح يُنقب بناظريه عتمةً تتزايد . ومع ظهورِ بوادر الخوفِ المشوبِ بالحذر ، والمُلَوَّنِ بالمزيدِ من الفضول ، ما السرّ في هذا الأمر؟!! عتّمتِ الغابةُ . وغابت جميعُ الأصوات ، ما عدا بعض الصَّرير  ، و حفيف أوراق الشجر . ودخل طلال غرفةَ نومه حائراً ، إلا أنه ما استطاع النوم تلك الليلة .
إستمر قلقُ طلال عدّة ايام . لم يُصارح أحداً بالموضوع ، إلى أن قرأ خبراً في صحيفة السفير اللبنانية . يفيد بأن ثلاثة شبّانٍ فلسطينيين ، إقتحموا الحدود . وقاموا بعملية فدائية وسط العدو الصهيوني ، إستشهد ثلاثتهم فيها . وكانت صور الشبان معروضة . تمكن طلال من التحقق من وجوههم التي حفظها عن ظهر قلب ، خلال أيام التحضير للعملية ، ومرورهم تحت شرفة بيته .
في حينها ، عُرِفَت تلك العملية بعملية الخالصة . نُفِّذَتْ في شمال فلسطين المحتلة ، صباح 11 نيسان 1974. كان أبطالها العربي الفلسطيني منير المغربي (أبو خالد)، والعربي السوري أحمد الشيخ محمود، والعربي العراقي ياسين موسى الحوزاني (أبو هادي).
تأثّر الشاعر الكبير بالحدث . فكتب للشبان قصيدته الرائعه ، التي غنّتها السيدة فيروز ، فأحببناها :
وَحْدُنْ ، بِيِبْقوا متل زهرِ البَيْلَسان .
وحدهُن ، بِيِقطفوا  وْراق الزمان . بِيسَكْروا الغابي .
بِيضَلْهُن متل الشِّتي ، يِدُقوا على بْوابي .
يا زمان ، يا عشب داشِر فَوْق هالحيطان ،
من قَبِلْ ما صار الشجر عالي ،
ضَوِّي قْناديل وأنْطُر صحابي ، ضَوَّيْت وردِ الليل عكتابي .
برجِ الحَمام مْسَوَّر وعالي ، هَجْ الحمام ، بْقيتْ لَحالي .
فلّوا . مَرَقوا . بْقيتْ عَبابي لَحالي .
يا ناطرينِ التلج  ، ما عادْ بِدْكُنْ تِرْجَعوا ؟
صَرّخْ عَلَيهن بالشتي يا دِيبْ ،
بَلْكِي بْيِسْمَعو ……….

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة