مصير اليمن في ظل الاحتراب الإقليمي – بقلم : د. زهير الخويلدي

آراء حرة ….
د زهير الخويلدي – تونس …
” استعمال العقل شرط للقدرة على التمتع بالسيادة.. ولا نقول عن أحد إنه سيد إلا على ما يخضع لسلطته، فإذا لم تكن له سيادة فإنه ليس في قدرته ولا في استطاعته”
فرانسيسكو دي فيتوريا ، دروس عن الهنود، 1538.
منذ سنوات غادرت السعادة أرض اليمن وحلت مكانها جميع الآفات التي صارت تتربص بمصير السكان وحياة الأبرياء ، فقد عملت القوى الامبريالية المعادية على تغذية التناقضات التاريخية والخلافات المذهبية وتشجيع الصراعات السياسية من أجل إضعاف الكيان السياسي الممسك بالدولة وتمزيق النسيج المجتمعي وتقوية منسوب الاحتقان وإدامة الأزمات وإنهاك القوى الفاعلة في الداخل بغية التعجيل بالتفكيك والتقسيم.
لم يعد الأمر يتعلق بالصراع بين دولة الشمال الرأسمالية ودولة الجنوب الاشتراكية  وبين محور صنعاء ومحور عدن ولا بين النظام الشمولي القديم والنظام الديمقراطي الحديث بعد ووقوع ثورة سبتمبر2011، بل أصبح بكل أسف يسمى بعناوين طائفية ومذهبية وقبلية وجهوية وبرز التناقض بين المليشيات المسلحة.
لقد بلغت الأزمة الإنسانية في اليمين حد الكارثة الحقيقية وخيم الصمت إزاء الواقع المتردي ووقع تعميم السكوت عن الحق وتعمدت وسائل الإعلام العالمية النسيان في حين خيرت الصحافة العربية موقع الحياد.
ما يقلق هو انتشار العوز والمرض والأمية والتخريب العمراني بطريقة ممنهجة وتعسفية وحصد الحرب الأهلية بين الأشقاء والعدوان الخارجي المزيد من الأرواح وهدر الثروات وارتكاب خسائر في المقدرات.
لقد عرف الجميع عن اليمن الطبيعة الغناء والخيرات الزراعية والشواطئ الجميلة والجبال الخضراء والمدن العامرة ولكن كل ذلك تآكل وتصحر بسبب الاقتتال وحلت محله صور خادشة ومناظر قبيحة.
لقد كانت الطفولة والمرأة والشباب والشيوخ والعمال والطلاب هم الضحايا في اليمن بسبب توقف الحياة واحتباس حرارة الجسد الاجتماعي اليمني وربما يكون المعتدي هو اليمني نفسه أو المتحالف مع الجار ولكن المتضرر الأكبر هو الشعب اليمني بعدد مكوناته وكذلك الدولة اليمنية بجميع مؤسساتها وأجهزتها.
لقد آن الأوان لكي ينتبه الكل من الغيورين الصادقين إلى المخاطر المحدقة بالأرض اليمنية والمهددة لوحدتها وثرواتها وسلامة شعبها واستقراره ويضعوا الخلافات المنفعية جانبا ويفضلوا مصلحة الوطن.
لقد عرف هذا البلد منذ القرن الماضي الاحتلال البريطاني واستطاع الانعتاق منه بفضل نضالات أبنائه وكانت أرضه مسرح حرب عربية في الحقبة الناصرية نتيجة خلافات إيديولوجية ومزايدات زعاماتية انتهت بالتقسيم بين جزء تابع للمعسكر السوفياتي وآخر تابع للمعسكر الغربي ولكن إرادة التوحيد انتصرت في النهاية وعادت الأزمة إلى إنتاج نفسها مع سقوط المنظومة الحاكمة بسبب تزايد الحراك الاحتجاجي واشتداد التناقض بين سكان صعدة المنتفضين والقبائل الموالية للدولة المساندين للحل العسكري للمشكل.
غير أن تداعيات الأزمة اليمينية على الجميع كانت مؤلمة وخطيرة حيث تم الاعتداء على سيادة الدولة وقدرتها على التحكم في مجالاتها وثرواتها من جهة البر والبحر والجو وتضرر السكان من حيث ضياع الحقوق الأساسية وتعطل الخدمات التي كانت تتكفل بها الدولة وبالخصوص تردي الوضع الاقتصادي.
يكاد يقترب الاحتراب الإقليمي في المنطقة من نهايته وذلك لوصول الجميع إلى حالة اللاّهزيمة واللاّربح وإدراك الدول المجاورة ضرورة تثبيت السلم في مضيق باب المندب للوضعية الإستراتيجية التي يمتلكها وتجعله يتحكم في حركة العبور بالنسبة للسفن التجارية والأساطيل الحربية وتأثيره في الملاحة البحرية .
يحتاج اليمن أكثر من أي وقت مضى إلى يقظة ضمير أبنائه وقواه والتفاهم على مشروع وطني وحدوي من أجل الخروج من النفق المظلم الذي تدحرجت إليه البلاد والتركيز على معالجة الجراح التي حصلت. فكم من الوقت يلزم لكي تستعيد القوى الاجتماعية والوطنية زمام المبادرة ويستعيد اليمن سعادته المفقودة؟
كاتب فلسفي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة