تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة …
بقلم : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك ….
في السادس من اكتوبر ، تعود إلى ذهني وخاطري وكل أحاسيسي وحتى أصبعي الذي أُصيب ذكريات هذا اليوم ومعركة الكرامة التي اعتلينا فيها إسطورة هذا الخط الذي سميِّ بخط بارليف والذي قيل عنه بأنه أكبر مانع عبر التاريخ والذي أيضاً قهرنا فيه اسطورة الجيش الذي لا يقهر . سبع سنوات أو أكثر قضيتها في خدمة القوات المسلحة كضابط احتياط ، عاصرت فيها حرب الاستنزاف بكل شراستها وانتهت بالعبور العظيم من العار إلى الكرامة ، نعم كان عاراً ما حدث في الخامس من يونيو عام 1967 ، وعندما وقفت على أرض سيناء بعد النصر ، أمسكت يدي قبضة من رمالها أحدثها ككائن حي ، اليوم تطهرتِ من كل النجاسات ، نجاسات هزيمة ضاع فيها ألاف الضحايا لا ذنب لهم ولا جريرة سوى سوء التخطيط لقادة لا أعلم ماذا غشى أبصارهم في ذلك الحين .  بعد مرور هذا الزمن البعيد عادت إلىَّ الذكريات قوية مخيفة ، ليست ذكريات الانتصار المفرحة ، لكن ذكريات الهزيمة التي أجبرتنا أن نخوض معركة الكرامة فانضم إلى الألاف من ضحايا عام 67 المزيد من شهداء عام 73 ، وبين الهزيمة والنصر تحطمت أشياء كثيرة في الوطن ، حتى الآن لم نستطع تعويضها ، كيف يعوض الإنسان ومعنوياته ؟! قد نغفر وننسى انهيار الماديات والاقتصاد ، لكن ما حدث للبشر لا يمكن أبداً نسيانه . حقيقة لا أعلم أي شيطان عبث بالقلم فحول دفته من انتصار اكتوبرإلى أحزان يونيو ، قد ألتمس له العذر لأن أوجاع يونيو كانت ثقيلة على نفوس أبناء هذا الجيل ، ولم تستطع أفراح أكتوبر بالرغم من أنهم اشتركوا فيها أن تخفف من سوادها ، إسوداد سيرصده التاريخ بكل خيوطه بين سطوره . في يونيو 1967 كنت في السنة النهائية من دراستي الجامعة ، أي بضعة أيام وأترك الدراسة لأخرج إلى الحياة العملية ، وأرى إشراقة الشمس تضيء المستقبل أمامي ، لم أكن أعلم أن الساعات القادمة ستطيح بكل الأضواء وتسدل الظلام الحالك على كل ما حولي ، لم أكن أعلم أنها ستفقدني إيماني بكل ما رسخ في نفوسنا من أننا عمالقة والكل أقزام بجانبنا ، أفقدني إيماني بجيش كنت أرى فيه القاهر ولا يقهر ، عندما قالوا ” هنرمي إسرائيل في البحر ” ، صدقت ولم تراودني ذرة شك ، بل شعرت بالشفقة عليها من هول ما سيجابهونه من عنترية لم يسمع عنها التاريخ من قبل . لكن بعد أن حدثت الفاجعة ابتدأت أفكر في هذا الوهم الذي عشنا وعيشونا فيه ، انقشعت اللوحة الجميلة لمصر المشرقة وحلت محلها صورة لمستقبل من الذل وإسرائيل لم تغرق في البحر بل أغرقتنا أمام العالم كله في بحر العار . عاد لي التاريخ إلى عام 1956 وقد صوروا لنا أنه انتصار باهر ، بالرغم من أنه كان يمكن أن يكون نقطة للوقوف وإعادة الحسابات بالنسبة لقادة الجيش في ذلك الوقت ، لكن للأسف نظرية أهل الثقة تغلبت على أهل الخبرة وظلت القوات المسلحة بقادتها كما هم إلى أن أرسلوا بنا إلى جحيم 67 . هل أنا أخطأت في كتابة هذه الكلمات ، إطلاقاً لأنه يجب كما نهلل لمكاسبنا نتذكر الأخطاء التي وقعنا فيها حتى لا ننجرف ثانية إلى الأسوأ . كل اكتوبر ومصرنا العزيزة بخير وسلام .
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة