نهاية الانقسام الفلسطيني وبوادر العمل الوطني المشترك – بقلم :د. زهير الخويلدي

فلسطيــــن ….
د زهير الخويلدي – تونس …
” تهديد الفرد بالاضطهاد إلا إذا رضخ لحياة لا حق له فيها في اختيار أهدافه، وليس فيها إلا منفذ واحد… ومهما كان الهدف نبيلا … هو خطيئة بحق إنسانيته وحقه في حياة يعيشها بالأسلوب الذي يرغب”[1]
كما كان متوقعا وبعد اشتداد الحصار على غزة الأبية وتزايد التهديدات بالحرب الشاملة ولما ضاقت السبل وانقطعت الإمدادات والأدوية وغلقت المعابر لفترة طويلة قدمت القيادة السياسية لحركة حماس تنازلات كبيرة لفتح بعد إعادة التنسيق مع الأجهزة الأمنية والسياسية للدولة المصرية المجاورة وإزالة كل أشكال سوء التفاهم مع مؤسسات السلطة في الضفة الغربية والسماح لرئيس الحكومة بزيارة القطاع على أمل رفع التجميد عن الأجور والمعاشات وعن الطاقة الكهربائية والمواد التموينية التي استعملت للضغط سابقا.
مهما كان اتجاه ريح الانفراج من قطاع غزة نحو الضفة الغربية تحت قيادة حماس أو من رام الله مقر القيادة السياسية لفتح نحو غزة فإن النتيجة المفيدة كانت واحدة وهي تحقيق الانفراج وإنهاء الانقسام الفلسطيني الذي خلف الكثير من الخسائر في الأرواح وفي العتاد وجعل الفصائل الفلسطينية تدور في دوامة من الخلافات والمزايدات التي أضرت كثيرا بسمعة القضية الفلسطينية وبأداء المقاومة الباسلة.
لقد رحب العالم بأسره بهذه المصالحة الفلسطينية واعتبرها العرب لبنة أولى نحو تحقيق المزيد من التفاهمات بين الأشقاء وطالب أصدقاء القضية أصحاب القرار بتغليب لغة الحوار والتوافق والمشاركة على لغة الإقصاء والتنابذ والتحارب والانتصار إلى المصلحة الوطنية المشتركة على المصلحة الحزبية الفئوية وإنهاء كل أشكال التباعد والقضاء على كل أسباب الفرقة بين القوى المدنية والفصائل الوطنية.
لقد فند هذا الاتفاق بين السلطة السياسية واللجنة الإدارية كل المزاعم والمكائد التي راهنت على نجاح خيار التفرقة بين مكونات الشعب الفلسطيني وقطعت الطريق أمام إمكانية تشكل إمارة في قطاع غزة تكون خارج سيطرة الدولة وتتمتع بالحكم الذاتي وتستمد السيادة  عن التأييد الشعبي من سكان القطاع.
بيد أن التوافق الفلسطيني على الشراكة في التسيير والتعاون في التدبير والتفاهم على المضي نحو تنظيم الانتخابات وتركيز مؤسسات السلطة السياسية على كامل الأرض المحررة وبسط نفوذ أجهزة الدولة الإدارية والأمنية على كل المدن والقرى الفلسطينية يفترض تعبيد المسار السياسي بالاعتماد على رؤية واضحة واستراتيجية نضالية متكاملة تبدأ بإعادة بناء منظمة التحرير وتتشبث بالثوابت الفلسطينية وتدافع على الحقوق الأساسية والمطالب الحيوية والمحاور الدائمة وهو ما يضمن لخيار المقاومة مساحة للتواجد ضمن الوسائل المتبعة في الكفاح ضد زحف الاستيطان والتهجير القسري والتهويد البطيء وداء التطبيع.
يأمل المتابعون ألا يؤثر الاستقطاب الثنائي بين فتح وحماس على قدرة الفصائل الوطنية والقوى اليسارية والإسلامية والشعبية على التعبئة والتحشيد والاستعداد للتصدي للمشاريع المنكرة للوجود السيادي العربي. لأن ” ما تطالب به الطبقات أو الشعوب المسحوقة عادة ليست حرية العمل والنشاط الفردي لأعضائها ولا المساواة في الفرص الاجتماعية والاقتصادية ولا تحديد مكان لهؤلاء الأفراد في دويلة منسجمة خالية من المشاحنات بل إن ما ترغب فيه هذه الطبقات والشعوب ببساطة هو الاعتراف كمصدر مستقل للنشاط البشري أو كوجود له إرادة خاصة به وعزيمة للعمل تتلاءم مع طبيعته ورغباته وأن لا تقع تحت سلطة حكم أو توجيه ثقافي أو تربوي مهما كانت هذه السلطة متساهلة ليّنة… وبهذا لا يكونون أحرار”[2]. فمتى يستطيع أفراد الأسر الفلسطينية أن تسافر بين الضفة الغربية والقطاع دون حواجز مانعة وأسوار عازلة؟ وما الطريق الملكي نحو دولة فلسطينية عاصمتها القدس ينعم فيها الشعب بكامل الاستقلال ويحس بالكرامة والاعتراف؟
الإحالات والهوامش:
[1]  برلين (أيزيا)، حدود الحرية، ترجمة جمانا طالب، دار الساقي، بيروت، طبعة 1996، ص18.
[2]  برلين (أيزيا)، حدود الحرية، مرجع مذكور، ص57.
المرجع:
برلين (أيزيا)، حدود الحرية، ترجمة جمانا طالب، دار الساقي، بيروت، طبعة 1996،
كاتب فلسفي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة