جبّارٌ يذوبُ رِقَّةً – بقلم : د. سمير أيوب

منوعات ….
بقلم : د . سمير محمد ايوب – الاردن …
منذ أيامٍ ، لِخذلانٍ مُفاجِئٍ ، كَبا قلبُه . أُدْخِلَ طوارئَ المَشفى في غيبوبةٍ إستطالتْ . لم يَفِقْ مِنها إلا حينَ إحتضنَ باطنُ كَفِّها لخَدَّه هامسا ومداعبا . تَململَ رأسُه . تَنهدَ بِبطئٍ وَوَهَنْ . ثم لهثَ ساحبا روحَهُ مِن قِيعانِ الغيبوبة . أفاقت عَيناه . رآها . فتسللت إبتسامَتُه حَيِيَّة . تَحَسَّسَ ظهرَ كفِّها بِيدهِ. إتَّسَعت إبتسامتُه . بادلناهُ متمتمين لله حمدا وشكرا .
نَقَّلَتْ وميضَ عَينيها ، حيثُ عَينيهِ مراتٍ ، ومَرَّةً حيثُ عَيني . كنتُ أقفُ في البعيدِ قُبالتها ، متأملا تضاريسَ المَشهد . أدركتُ فرحتَها . فهززتُ رأسيَ لها مُؤكِّداً صِحَّةَ ما قالتْ بصمتٍ ، لَمْ يَسْمعه من الحاضرين أحدٌ سِوايْ .
إنه طويلُ القامةِ ، عريضُ المنكبين كالوطنِ الأكبر . ممتلئ ثقةٌ كَفِتيةِ الكهف . يُساوِرُ شعرَهُ شيبٌ مارقٌ أنيق . تَنُمُّ طَلَّتُه البهية ومشيته الواثقة ، عن قوةٍ وشدةٍ ، بل عن جبروت .
إستطاع في ظلِّ العلاقات النفعية الموجِعَة ، أن يُراكِمَ في نفسه ، أطواقَ نجاةٍ جميلةٍ نافعة . حرَّرَت مِحْرابَه ، وأبْقَتْه معبده في صدره ، وفي أن ينجوَ بِنَفسِه من التشيُّؤ. غيرَ مُتَطَلِّبٍ يأخذُ نَفْسَهُ ، في جميع إنحيازاتِه ومُمارساته بصرامةٍ وقورة . مُتَمرّدٌ عنيدْ ، لا تَحُدَّ حُريته حدودٌ ولا تُكَبِّلَه قيود . عِنوانُه كبرياءٌ إيجابيٌّ غيرَ مُحايد ، يَعْتَدُّ بهِ ولا يُداريه .
شُموليُّ الثقافة . مُتأنٍ مُتَبصر . تَتَّكِئُ فكاهتُه وسخريتُه اللاذعة ، على كثيرٍ مما نال من علمٍ ومعرفةٍ وخبرة . رغمَ قسوةِ الإعاقاتِ ومحدوديةِ الإمكاناتِ المُتاحة ، حَرِصَت أمُّهُ على جَذبهِ إلى مَظانِّها الجادة .
وهي إمرأةٌ غيرَ عادية . تهفو كلَُّ نفسٍ سويةٍ لها . باقةُ ألطافٍ مُجَسَّدَةٌ ، في كثيرٍ من الجمال والخِصال . عقلٌ مُبْهِرٌ ، وفرحٌ يغمرُ وجهَها كلما تَبَسَّمَتْ .
ذات شتاءٍ مضى من سنين ، تزاملنا هي وهو وأنا ، لأسبوعٍ  في ورشةٍ نِقاشيةٍ ، على حَوافِّ السدِّ العالي ، في أسوان مصر. سألتني اثناءها مِرارا ، مُباشرة ومُداورة عن الكثيرِ من خُصوصياته  .
أذكر أنني قلتُ لها فيما قلته عنه : مظهرُه كَوْنٌ يا سيدتي . وبَينَ أضلُعِه كَونٌ آخر . وما أبعد هذا عن ذاك . فهو مِمَّنْ يُتْقِنُ التنقل من كَوْنٍ إلى كَوْن . في أعماقِه نسائمٌ ، فراشاتٌ ، عِطرٌ ، وقلبٌ أخضر .لا تشير إلى أيٍّ مما في أعماقه راداراتُ مَظْهره . قادِرٌعلى أن يُنهيَ عبوسَه بإبتسامةٍ وديعةٍ ، بِمرونةٍ لا تَتنبأ بها أرصادُ ملامحه .
قبل أن نحزمَ حقائبَنا عائدين ، كنتُ قد أتقنتُ قراءتَه وقراءتَها  . في الليلةِ ما قبل الأخيرة للملتقى  ، كنتُ وإياهُ ، نتمشى بإسترخاءٍ على حواف بحيرة ناصر ، مستمتعين بتشكيلاتِ الغروبِ على صفحاتها ، عرّجْنا عَرَضاً على ذِكْرِها ، فوجدتُ نفسي تِلقائيا أقولُ له ناصحاً : يا صديقي لا تَحمِلْ نفسَك على غيرِ ما يُطاق أو تُطيقْ . مهما قَسوتَ عليها ، فلن تنجوَ مِن مِحنةِ القيلِ والقال . قُمْ لِقَلْبِكَ يا رجل ، والتمس من تَغَلْغَلَتْ فيه حتى تَجِدْها . حَيِّها بِوردةٍ ، بإبتسامةٍ ، وقُل لها ما تَنتظِرهُ  منك . ولاتسأل مُطَوَّلا عما يُريبُك . فالحب صدقةٌ جاريةٌ كالولدِ الصالحِ والعلمِ الذي يُنْتَفَعُ بِه . لا تعتقل هواكَ ، فُكَّ قُيودَه . وحَرِّرْ كوداتَ حياءِها ، ففي داخل كل إمراة نساءٌ مُثرثراتٍ ، يمتلكن أسبابهن للصمتِ القوَّالْ .
وتذكر يا صديقي ، أن الحب طريقةُ تفكيرٍ وقِيَمٍ ، أكبرُ مِنْ شَكلانياتِ الزواجِ وأرصفته . مُتسعٌ كالوطنِ ، منه تستمدُّ كاملَ حقوقكَ عندما يكونُ مُعافى . وما أصعب أنْ تكونَ مارِقاً فيه .
عميقاً تَنهدَ وهو يلتفت إليَّ ، وفي عينيه سيلٌ من أسئلةٍ يتلاشى إصرارُها . فقلتُ : إرفع قبعتك ، ولا تقِفْ مُطَوَّلاً عندَ حدود الأشراك الخُلَّبِيَّةِ ، التي ينصبُها لك عَدَّادُ السنين . فَفيهِ وقارٌ أشدُّ ظُلْماً من جُلِّ حُكامِ العرب . ولا تُصغي مُطَوَّلا للإتزانِ المُجْتَمَعي فشائِعاتُه مُرْجِفَةٌ .
طَلَعا عليَّ قبلَ قليلٍ مُترافِقين ، بقميصهِ الأحمر وسرواله الأسودِ القصير ، وفُستانها الأسودِ الثري بباقة ألطافها . إني أبْصِرهما على المدى ، بين ما تبقى من ماء نهر الأردن المنهوب ، وسماءِ البحر الميت ، المُشاطِئ للعدوِّ المُحتل لفلسطين . وقد تحوَّلَ الجبارُ الوقورُ ، عاشقاً ، وإن أسْتَمْسَكَ بِكِبْريائه مُعْتَداً بِه .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة