لامِسِ الجنونَ ولا تَقْتَرِفْهُ – بقلم : د. سمير ايوب

فن وثقافة …
بقلم : د . سمير محمد أيوب …
ذاتَ أمسيةٍ على ضفافِ بردى – دمشق ، كان فرحُها ضيفاً خفيفَ الظل ، كنتُ فيها الشاهد والشهيد ، أجالِس صمتي بينَ ضجرٍ رمادي ، ونسائم غربيةٍ حَيِيَّةٍ ، ومعزوفةٍ يشتركُ بتقديمها ، خريرُ المياه ، ونقيقُ ضفادعَ يافعةٍ ، وحفيفُ موجٍ من الياسمين .
ما كاد الليلُ أن يُطِلَّ ، حتى قلَّبْتُ وجهي في كبدِ سماءٍ صافيةٍ تعلو المكان . تغشاها ثُلَّةٌ من نجومٍ ، تُراقصُ بقايا غيمٍ منْسَحِبٍ إلى البعيد . كنتُ أتَمْتِم ذاكراً ، أكثر مما أنا بِسائل . مُصغِيا لصمتٍ مُتَفلِّتٍ بكل الألوان ، تارةً من القلب ، وطورا من العقل ، وبين لحظةٍ وأخرى كانت تُسعِفُني ونَّاتٌ من الروح . أطاردُ بها هواجسي ، وألَمْلِمُ احزاني .
تاهَ الصمتُ  مني . ضِعتُ بين أوجاعِه . فَعَلَوْتُ وعَلَوْتُ في الضياء ، بعيداً عن النّورِ ، وبعيداً عن معابِر الهابطين ، حتى ما عُدْتُ أدري ، إن كنتُ مُمْسِكا بحلمي ، أو محتفظا بتلابيب نفسي .
أوشكت أن أغفو ، حين أبصرتُها تُقْرٍئني السلامَ بحياءِ العذارى . تَعمُّدا أطلتُ النظر بإتجاهِها . فعاجَلَتْني بابتسامةٍ بطعمِ الخجل . حتى بانَتْ خطوطٌ  ناعمةٌ حولَ عينيها . عَينانٍ لم تُخلقا للنسيان . تغشاهُما كلُّ ألوانِ السماءِ وأطيافها السبعة . إقتربَتْ تتهادى ، كرقص الفراش . ليسـتْ مُراهِقــة ، وُ ﻟـم تعد صغيرة ولا كبِيــرةٌ . إنها فقط ، فـي أجمـل مراحِـل العمر . تجمّـعُ بــراءةَ اﻟطُفُولـةِ  مع طيـشِ اﻟمُراهقــةِ ورزانـــة اﻟكِبـــار .
كان حيائي ، أعلمُ بما لَبِثْتُ مُبتسما ومُندهشا ، قبلَ أنْ أستجمعَ قِوايَ ،  ثم أمشي قليلا إليها . تَعَثَّرتُ . فَتَبَدَّدَتْ . وتاهَ مِني الرجوعْ . أعدتُ ترتيبَ صمتي . ومضيتُ إماماً في محرابٍ آخر . إستَوْقَفَتْني أضغاثُه وبرودةُ تأويله .
بادرتني سائِلةً : أيْنك ؟ ما بِكَ صامتاً كالحقِّ في وطن العرب ؟
مُتنهدا قلت مُكْمِلاَ حديثا سبق : ولكني يا سيدتي ، مِمَّن يخافُ حياءَ العمرِ ، ووقارَ السنين . وأخشى خيبةَ الصَّدِ والرفض . ووجعُ مُرْتفعاتِ التورط وقيعانِ الإدمان ، وجنونِ الرحيل ، ورعونةِ الفراق . فألحب في بلادنا كما أظنك تعلمين ، بأبوابه السبعة جريمة ، والطواف العلني في مدنه محرم بكل المذاهب . ولا يُرْزَقُ به ، إلا في السر .
قالت مُستعينة بيديها : الأنثى وحْدَها لا تَقْدِرُ يا شيخي ، على أيٍّ من فصولِ الحُب . لتكتمل بها وتتزين بك ، لامِسْ الجنونَ من أجلها ، ولا تقترفه . النساء لا يَغُرُّهُنَّ حُبُّ العقلاء . ولا يَستهويهُنَّ المُتاح . إزرَع في طريقها وردا ينبض ، وخُطَّ في قلبها ألفَ حكايةٍ ولا تنتظر . غازِلْها أيها المُتَعَقِّلِ ولا تُعاند . ففي خجَلِ كل أنثى أعذارٌ تلدُ أعذارا . حاصِرْ قلقَها وتَوَجُّسَها . ببريقِ عينيك ، وخطوطِ كفيك . وابق خوفها مرتويا مبتمسا ،وكل أصابعها خاشعة بين يديك . دون أن تنسى ولو للحظةٍ  ،أن الخيول المُدَرَّبَةُ بالصمتِ وحده ،  لا تصهل أبدا يا صديقي .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة