تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة …
بقلم : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك …
كان رجلاً مسناً ، وكنت أقف على محطة المترو أنتظر القطار ، تقدم مني قائلاً لقد أخطأت واستقليت القطارالمخالف لطريقي ، ولم يبق معي ما يكفي لشراء تذكرة جديدة ، فهل تكرمت واعطيتني ثمن التذكرة ، من المؤكد أننا لن نلتقي ثانية لكي أرد ما اقترضته منك ، وأنا لست متسولاً ، لكن يمكنني أن أبيعك شيئاً مقابل ثمن التذكرة فهل تشتريه أم أعرضه على غيرك ، قلت ضاحكاً وهل تريد أن أشتريه منك قبل أن أعرف ما هو ، قال إنها حكمة ، قلت وهل ستعيد لي ما دفعته لك إذا لم تعجبني الحكمة ؟  قال : لا .. فالكلام بعد أن تسمعه لا أستطيع استرجاعه ، أعطيته ثمن التذكرة وأنا أتأمل تضاريس وجهه التي تحكي الكثير من التجارب . قال أنا الآن متقاعد وكنت مدرساً للفلسفة ، وجئت من المدينة لأرافق أحد الأصدقاء إلى المطار وأنفقت ما معي ولم أتوقع أن أقابل هذا الموقف المحرج ، أشكرك على كرمك معي وقد يكون الموضوع ليس مادياً قدر شهامتك في قبول مساعدتي ، قاطعته مبتسماً : أتوقع أن تحكي لي قصة حياتك ، لكن أين البضاعة التي اشتريتها منك ؟ أين الحكمة ؟ قال : بس دقيقة ,  قلت له : سأنتظر الدقيقة ، قال ” بس دقيقة ” هي الحكمة ! ، قلت لم افهم شيئاً ! ، قال : لعلك تعتقد أنك تعرضت لعملية احتيال ، قلت : ربما !!  ، قال : سأشرح لك الحكمة . ” بس دقيقة ” ، لا تنس هذه الكلمة أبداً ، في كل مرة تريد أن تتخذ فيها قراراً ، عند التفكير في أي مسألة في الحياة ، عندما تصل إلى لحظة اتخاذ القرار، أعط نفسك بس دقيقة ، دقيقة واحدة إضافية ، ستون ثانية . هل تعلم كم من المعلومات يستطيع عقللك أن يعالج خلال هذه الدقيقة التي ستمنحها لنفسك قبل اتخاذ قرارك ، قد تتغير أمور كثيرة لكن بشرط أن تتجرد عن نوازع نفسك ، وتودع داخل عقلك وفي صميم قلبك جميع القيم الإنسانية والمُثل والأخلاق دفعة واحدة وتعالجها معالجة موضوعية دون تحيز ، فمثلاً إن كنت قررت أنك صاحب حق وأن الآخر قد ظلمك ، خلال هذه الدقيقة ربما تكتشف بأن الطرف الآخر على حق أيضاً ، وعندها قد تغير قرارك تجاهه . إن كنت نويت أن  تعاقب شخصاً ما ، فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجد له عذراً فتخفف عنه العقوبة أو تسامحه نهائياً ، دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدل عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما اعتقدت أنها هي الخطوة السليمة ، في حين أنها يمكن أن تكون كارثية . دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك وأكثر بعداً عن الأهواء والغرور، دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك ، وإن كنت من المسئولين فإنها قد تغير حياة مجموعة كاملة من البشر !! ، هل تعلم أن كل ما شرحته لك عن الدقيقة الواحدة لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة . قلت له مبتسماً ، صحيح ، لقد قبلت صفقتك وحلال عليك ثمن التذكرة . ” بس دقيقة ” أُهديها لكم ، في زمن تُهدر فيه  الساعات دون فائدة ؟!
[email protected]
·

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة