شاحنة الموت .. قصة : مهند النابلسي

القصة ….
بقلم : مهند النابلسي – الاردن …
نام مرهقا ، تخيل الجنين المتكون في احشاء زوجته ، فكر بعملية الاغتيال التي  تتم في  وضح النهار ، وبالحشود العسكرية المتكالبة ، وتذكر صورة الكلب  الرئاسي الأسود الذي تساوي قيمته قيمة الف انسان ، ثم انتقل بتفكيره للوظيفة الروتينية ولنكد الحياة اليومي … فكر بايقاع الزمن ، وبالصوت الميكانيكي لدقات الساعة ، وكأنها جرس انذار بخطر الشيخوخة والموت القادم لا محالة … فكر بسيارته القديمة ، وسرح بخياله فتخيل نفسه مستثمرا كبيرا في أسواق المال العالمية … حتى عندئذ لن يكون سعيدا ن لأنه سيقضي ليله أرقا يفكر في  العقارات والرصدة والاستثمارات ، وماذا لو انهارت البورصات العالمية وفقد عندئذ ثرواته الخيالية ؟!
قرر أخيرا ان ينام مطمئنا ويلوذ بايمانه ، فقد تصالح أخيرا مع الله ، تذكر انه حقق اعظم انتصار له في  الحياة منذ حوالي عشرين عاما ، عندما تفاوض  مع الموت ، وقد نجح باقناعه في ان يتركه بحال سبيله  ولو مؤقتا على الأقل ، فقد استدرك مرعوبا انه كان يجب ان يكون ميتا وعظاما رميمة ، فقد تجاوزته حينئذ شاحنة هائلة كادت ان تسحق  سيارته المازدا الرياضية على أطراف  الربع الخالي  ، فقد أخطا التقدير عند الغروب وضلله بصره المرهق ، فتخيل الأضواء الباهتة للشاحنة القادمة باتجاهه  وكأنها تسير على نفس  المسرب امامه ، فتخطى بثقة الشاحنة التي تسبقه ، وفوجىء متاخرا عندئذ  بقدوم “شاحنة الموت ” ، فتفاداها برباطة جأش  نادرة لا يعرف من اين أتته ! وداس بعنف على المكابح منحرفا باتجاه كتف الطريق الترابي ، متفاديا بانشات اصداما مروعا مرعبا ، وقد نتج عن انحرافه المفاجىء السريع  ودوسه العنيف على المكابح اهتراء كبير  في  الاطارات وفقدان لافت لاتزان السيارة … فأكمل الرحلة لمكان عمله في  بلدة صحراوية منسية  بالطرف الشرقي ، وكان جسمه  كله مع يديه يرتجف مع ارتجاج مقود السيارة ! اذن فقد نجا من موت محقق ، فلابد ان يكون هناك مغزى من ذلك ، فهل يحمل يا ترى رسالة انقاذ ؟!
دخل المطبخ لتجهز الشاي ، فشاهد على “شبك” النافذة المعدني المغبر سحلية رمادية ضخمة تلتهم فراشة كبيرة ملونة ، ثم شعر  بوجود صرصار أشقر كبير بدا وكانه يراقب بحذر مشهد الافتراس ، فأصابه اشمئزاز ، وعندما غلي  الماء ، اقترب   خلسة من الصرصار ، وسكب الماء الساخن فوقه بهدؤ  ، فسمع حشرجة الم قاتل … ثم جلس يرتشف الشاي ، ويداه ما زالتا ترتجفان بايقاع بطيء ، وفكر بفلسفة وتحذلق :
ما نفع السحلية والفراشة والصرصار ؟ ولماذا خلقها الله ؟!
وهل سيأتي  يوم تنتقم فيه الفراشة من السحلية  والصرصار من الانسان ؟!
ومتى سيتم تبادل الأدوار  بين الضحية والجلاد ؟ ثم فكر بواقعية : بما ان الموت حق ويمكن وقوعه في أية لحظة  وأي  مكان ” ولا تدري نفس بأي أرض تموت ” ، اذن لأكتب  وصيتي ، تناول ورقة وقلما وكتب عدة مسودات ومزقها ، وعاد لكتابة العبارة التالية : اني ابتدأت ثرى وعدت هباء منثورا ! ، اذن اكتبوا هذه العبارة على شاهد قبري  بعد أن تكتبوا : انا لله وانا اليه راجعون ! ووضع الورقة في  غلاف وكتب  ” وصيتي … لا تفتح الا بعد موتي ” !
مهند النابلسي
كاتب  فلسطيني مقيم في  الاردن
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة