كــرة الــقــدم .. الــحــاجــة إلــي الــبــطــولــة – بقلم : د . احمد الخميسي

آراء حرة ….
بقلم : د. أحمد الخميسي – مصر …
أصارح القارئ، وأنا أتصدى للكتابة عن كرة القدم، أنني لا أفقه أي شيء في كرة القدم. في شبابنا كانت هذه اللعبة أيام جمال عبد الناصر وعاء ضخما يصب فيه حماس شعب بلا أحزاب للتواجد والمشاركة في شأن عام. وكان الشباب المثقف منا إزاء موقف من اثنين: إما الانغماس مع الملايين في الانفعال باللعبة، أو مقاطعتها والانغماس في اعلان المقاطعة طوال الوقت! في الحالتين كنت تجد أنك مشغول بما أرادوا لك الانشغال به. لذلك صرح توفيق الحكيم ذات مرة بقوله:”انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم”! لكن حدث ذات يوم أن كنا جالسين وكان معنا الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، لا أذكر عما كان يدور الحديث، أذكر فقط أنه نهض فجأة وأخرج من جيبه جاكتته راديو ترانزيستور، وكان ذلك الجهاز الصغير عجبة تكنولوجية أيامها، وجلس بعيدا عنا ووضع أذنه على الجهاز وراح يتابع باهتمام بث مباشر لمباراة بين الأهلي والزمالك! أذهلتني هذه الصورة في حينه. فقد كان الشرقاوي بالنسبة لي كاتبا يساريا مؤلف إحدى أروع الروايات” الأرض” وعدد من المسرحيات الشعرية التي أثارت ضجة ومنها جميلة بوحريد، والفتى مهران، وغيرهما. ذهلت من اهتمامه بكرة القدم إلي هذا الحد وأنا الذي كنت أعد اللعبة إلهاء للجماهير عن قضاياها! على مدى نصف القرن ظلت محفورة في ذاكرتي صورة الكاتب الذي أهمل الجميع وجلس بعيدا على طرف كرسي يتابع مباراة، ومحفور معها سؤالي: ما سر كرة القدم؟. تجدد السؤال مع مباراة مصر وأوغندا، فقد راحت الملايين تتابع المباراة في المقاهي والبيوت والشوارع، ووقف في الملعب ستون ألف مشجع يرددون النشيد المصري بأمل، وينتقلون من زئير الحماسة في الشوط الأول إلي الابتهالات الدينية في الشوط الثاني. قلت لنفسي لابد أن في كرة القدم شيئا لا أفهمه، سرا لا أعرفه، أبعد من تفريغ  طاقة الجماهير السياسية في لعبة. اكتشفت أولا أن اللعبة قديمة جدا، فقد كتب هيرودوت أبو التاريخ عام 448 قبل الميلاد يقول: “عندما زرت مصر وجدت هناك لعبة تسمى لعبة الكرة، يصنعها المصريون من جلد الماعز، ويحشونها بالقطن أو القش، ويركلها اللاعبون بالأقدام بين فريقين يتنافسان حتى تصل الكرة إلى نقطة نهاية لتحتسب بعد ذلك هدفا”. وتم العثور على نقوش فرعونية تصور نسوة يلعبن بكرات مستديرة، ثم وقع بين يدي كتاب جميل بعنوان” الرسائل المتبادلة بين كوتزي، وبول أوستر” ترجمة المترجم القدير أحمد شافعي. ومعروف أن كوتزي حائز على جائزة نوبل في الأدب، أما بول أوستر الكاتب الأمريكي فلا يقل شهرة، وتغطي الرسائل المتبادلة بين الاثنين قضايا عديدة منها موضوع الولع العام بالرياضة! يتساءل بول أوستر في خطاب لكوتزي:” ما السبب الذي يجعلنا– نحن الرجال الراشدين– نختار أن نهدر أصيل يوم أحد كاملا في متابعة أنشطة – خالية جوهريا من المعنى – يقوم بها رياضيون في ملاعب كرة نائية؟” ويجيب بول أوستر عن سؤاله قائلا: ” لاشك أن في الرياضة مكونا سرديا قويا. نحن نتابع انحناءات الصراع ومنعطفاته لنعرف النتيجة النهائية.. ذلك قد يكون على علاقة وثيقة ببعض أنواع الأدب مثل روايات الإثارة والرواية البوليسية.. نعم الجانب السردي هو الذي يبقينا حتى اللعبة الأخيرة ، حتى دقة الساعة الأخيرة”. يعتبر أوستر أن في الرياضة جانبا مشوقا كما في الحكاية التي تتابعها لتعرف النتيجة. ويرد كوتزي بقوله : ” هناك احتياج إلي الأبطال تشبعه الرياضة.. ولو أنني نظرت إلي قلبي وسألت نفسي لماذا ما أزال مستعدا لقضاء الساعات في مشاهدة مباراة فسأقول إنني لا أزال أبحث عن لحظات البطولة، لحظات النبل، الشيء العبثي في أن غالبية الرياضة الاحترافية الحديثة تستجيب لتوقنا إلي البطولة بمنظر البطولة لا أكثر”.  ويفسر كوتزي ما يقصده بالبطولة في الرياضة قائلا : “حينما أرى لاعب تنس يضرب الكرة ضربة مذهلة عابرة للملعب، فإنني أفكر في أنني قد شاهدت في هذه الضربة عملا بشريا من ناحية ومن ناحية أخرى عملا يتجاوز القدرات الاعتيادية للبشر. أرى الضربة المذهلة فأبدأ أحسد هذا اللاعب، ثم أنتقل من الحسد إلي الإعجاب به، ثم أنتهى لا حاسدا ولا معجبا، بل فخورا بإدراك ما يمكن لانسان– بشر مثلي ومثلك – أن يفعله! إذ أرى أننا نحن أيضا قادرون على تحقيق المعجزات في التنس وفي الموسيقى وفي الشعر وفي العلم”! صحيح ما يقوله عن كرة القدم الكاتب الشهير إدوارد جاليانو : ” إنها احتفال للعيون التي تنظر بسعادة إلي الجسد الذي يلعب”، لكن خلف احتفال العيون يبقى في كرة القدم التشويق الذي تتسم به الحكاية: كيف بدأت المباراة؟ كيف تطور الصراع؟  وبم انتهى؟، ويبقى تفسير كوتزي الأعمق لسر اللعبة : الحاجة إلي الشعور بقدرة البشر الخارقة على المحاورة والمداورة وتخطي الصعاب والوصول إلي المرمى! الحاجة إلي البطولة! لهذا يقف ستون ألف مصري يرددون بأمل النشيد المصري ويتابع الملايين المباراة في البيوت وفي المقاهي وفي الشوارع.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة