اتفاق أوسلو في عيون فلسطينية – بقلم : تميم منصور

فلسطين ….
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة ….
في الثالث عشر من الشهر الحالي مرت الذكرى ال 24 لتوقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين إسرائيل ، وحقيقة بأن هذا هو أول اتفاق سياسي بين الطرفين اليهودي والفلسطيني ، فجميع الاتفاقيات السابقة كانت دائماً تتم بتأثير خارجي ، عربي أو أجنبي وهذا هو أول اتفاق تقرره قيادة فلسطينية دون تدخل جامعة الدول العربية ، مع أن غالبية دول الجامعة في حينه وافقت على هذا الاتفاق ، باستثناء سوريا والعراق.
مرت هذه الذكرى بهدوء وصمت خجول ، كالغيمة البيضاء التي لم تطرح شيئاً ،وهذه ليست المرة الأولى التي تمر فيها ذكرى هذا الاتفاق دون طبل وزمر في وسائل الاعلام الإسرائيلية والعربية  وحتى العالمية .
وسائل الاعلام في إسرائيل تناولت هذا الحدث بأسلوب الهارب من المواجهة التاريخية وتناقلته داخل ممرات ضيقة تكاد لا تُسمع ، وهذا يؤكد بأن حكومة اليمين الفاشي فيها غير معنية بتناول هذا الموضوع ، وانها ترفضه وتحاربه ، أكثر من ذلك غالبية الإسرائيليين يعتبرون اتفاق أوسلو تنازلاً ومنة من طرفهم ، وانهم تنازلوا عن حقوق يمتلكونها وحدهم ، وان ما حصل عليه الفلسطينيون لا يستحقونه .
هذا كان أيضاً حال غالبية الفلسطينيين  ، فقد تعمدت وسائل اعلامهم عدم تخصيص حلقات الحوار والبرامج لتناول هذه المناسبة ، الا في حالات هامشية للغاية ، هذا الموقف مؤشر الى حدوث تراجع كبير في نسبة الذين دعموا هذا الاتفاق ، وصفقوا له ، حتى داخل السلطة نفسها . لكن هذا التجاهل لا يخفي حقيقة هامة وهي :
ان هذا الاتفاق قد سبب شرخاً عميقاً داخل المجتمع الفلسطيني ، خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، بسبب الاتفاق انقسمت القيادات الفلسطينية الى معسكرين كبيرين ، معسكر لا زال يؤمن بحق الكفاح المسلح ويشمل حركة حماس والجهاد الإسلامي ، ومعسكر بقيادة فتح يؤمن بالحوار والحلول السلمية .
الملفت للنظر عند التوقيع على هذا الاتفاق ان الوفد الفلسطيني المفاوض والموقع لم يرجع الى الشعب لأخذ رأيه ، فقد فرض هذا الاتفاق فرضاً على الشعب الفلسطيني ، كما ان هذا الوفد تستر على الكثير من قواعد وبنود هذا الاتفاق ، هذا ما فعله السادات عندما وقع مع إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد .
الاعلام الإسرائيلي من كشف غالبية بنود اتفاق أوسلو ، كما كشف هذا الاعلام من قبل اتفاقية كامب ديفيد وكشف أيضاً اتفاق وادي عربة مع الأردن .
يجب أن نعترف بأن هذا الشرخ تحول الى جرح نازف من الخلافات الفلسطينية الفلسطينية لا زال قائماً ، وان المردود العكسي الأول لاتفاق أوسلو بدأ بإطفاء نيران الانتفاضة الأولى ، وكان من المفروض أن تستمر هذه الانتفاضة حتى يحقق الشعب الفلسطيني جميع أمانيه ، بالاستقلال  الكامل ، لقد خسر الشعب هذه الثورة الشعبية التي قل ما حدث مثلها في التاريخ ، لقد فاقت في تأثيرها واسلوبها وايقاعها النضالي ثورة الشعب الهندي بقيادة غاندي ، انها أي الانتفاضة الأولى تختلف ومغايرة لكل الثورات التي قام بها الشعب الفلسطيني في الماضي ، قيادتها كانت في الميدان من أبناء الكادحين ومن الريف الفلسطيني ومن المسحوقين في المخيمات ، سلاحها الإرادة والاصرار على كنس الاحتلال والمواجهات الجماهيرية مع قوات الاحتلال ، كشفت هذه الثورة صلف إسرائيل وسياستها القمعية ، وقد نالت موافقة الكثير من الدول في العالم ، مما زاد من الضغط على حكومة الاحتلال للتفاوض مع الفلسطينيين .
هناك من يعتبر اتفاق أوسلو نقطة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني ، لأنه أوقف أولاً عجلة الثورة ، وفي نفس الوقت تنفست إسرائيل الصعداء من حالة الحرج والارتباك التي سببتها الانتفاضة ، مع ذلك هناك من يحاول أن يضع  العوامل التي دفعت قيادة منظمة التحرير التوقيع على هذا الاتفاق ، في مقدمتها خروج مصر من المعركة ، بعد اتفاق كامب ديفيد ، هذا الى جانب الخلافات العربية العربية ، وغياب مشروع قومي عربي وخطة مشتركة لحل القضية الفلسطينية ، إضافة الى الضغط والملاحقات التي  تعرض لها الشعب الفلسطيني وقيادته من قبل الانظمة العربية ، ناهيك عن الدعم الأمريكي الامبريالي غير المحدود للصهيونية وإسرائيل .
في مقدمة هذه الملاحقات محاولة الأنظمة العربية الاستمرار بمصادرة القرار الفلسطيني ، ونتائج معارك أيلول الأسود والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ، وآخرها طلب السلطات التونسية من منظمة التحرير الفلسطينية اخلاء مكاتبها في تونس ولا ننس الخلافات الدامية بين الفصائل الفلسطينية المسلحة والانقسامات داخلها .
استغلت إسرائيل هذه الظروف، وفرضت على منظمة التحرير أثناء مفاوضات أوسلو شروطاً قاسية و مذلة ، كان يجب عليها رفضها ، من بين المآخذ التي سجلها الكثيرون على هذا الاتفاق : التجاهل كلياً لفلسطيني الداخل ، بل على العكس فقد أقرت منظمة التحرير اسرلتهم ، ووافقت مع الطلب الإسرائيلي بعدم تحرير اسراهم الامنيون الذين لا زالوا حتى اليوم في السجون .
أقر الاتفاق بحدود إسرائيل من رأس الناقورة شمالاً الى ايلات جنوباً وأكتفى الفلسطينيون بما تبقى من فلسطين ، الاعتراف الشرعي بإسرائيل جغرافياً وسياسياً تحول الى إقرار والتزام دولي فرض على السلطة الفلسطينية عدم التراجع عنه ، كما ان هذا الاتفاق يعني بالمفهوم الدولي السياسي وغير السياسي وقف الاعمال الحربية من قبل الفلسطينيين ، واعتبار كل مقاومة ارهابياً حتى لو لم تلتزم إسرائيل بقراراته.
الاتفاق لم يوضح وضع القدس والموقف من المستوطنات التي كانت قائمة ، كما أنه لم يضمن تشكيل دولة فلسطينية ، ولم يحدد موعده لقيام دولة فلسطينية ، لم يسمح الاتفاق بإقامة جيش وطني فلسطيني دون اذن من الاحتلال ، وأجبر السلطة الفلسطينية على التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال للمحافظة على استقرار والهدوء ومنع أي عمل من أعمال المقاومة لمنع توسيع الاستيطان .
سّبب الاتفاق تقسيم الأراضي الفلسطينية الى دوائر وكنتونات بأسماء والوان مختلفة  يسمح للقوات الإسرائيلية اقتحامها واباحتها متى شاءت .
مع ذلك هناك من يرى بعض النقاط الإيجابية في هذا الاتفاق ، نورد بعضها :
أعطى حكم ذاتي للشعب الفلسطيني على جزء من أرض فلسطين ، لكن هذا الحكم بقي دون سيادة ، بفضل هذا الاتفاق جرت لأول مرة انتخابات رئاسية برلمانية تشريعية ، كما تم بفضل الاتفاق اطلاق سراح عدد كبير من اسرى الحرية من سجون الاحتلال ، كما عاد عشرات الاف من الفلسطينيين الى الأراضي المحتلة ، وسُمح لأول مرة بنشر الهوية الفلسطينية  وجواز السفر الفلسطيني والعلم الفلسطيني داخل الوطن ، وهذه تعتبر من رموز السيادة وتثبيت الهوية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة