عين حوض القديمة والجديدة* (0) بقلم : فؤاد عبد النور

فلسطين …
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا …
(النجمة تعني أن القرية مهجرٌ أهلها، و0 تعني أنها لم تذكر في الطبعة الثانية من كتاب ” الجليل .. الأرض والإنسان “)
تعرفت سوزان ناتان[1] على تاريخ عين حوض أول ما تعرفت من حديث     “سميرة أبو الهيجا ” (مضيفتها في طمرة) عن محاولتها الأولى والوحيدة لزيارة بيت العائلة في عين حوض،  قرية أجدادها. قالت أنها ذهبت إلى القرية برفقة فتاةٍ صديقةٍ  من السويد. بعد جهدٍ  تعرفت على بيت العائلة، ففتحت الباب الفنانة اليهودية التي تحتله. شرحت سميرة أن هذا هو بيت أهلها، وأنها ترغب في رؤيته من الداخل مع صديقتها السويدية المرافقة. لم يعجب الطلب الساكنة المتكبـّرة، وطلبت منهما بغضبٍ أن يتركن المكان، دون تفسير أو مجاملة. ولما حاولت إغلاق الباب في وجههن، تدخلت السويدية وترجّت بلطفٍ أن تسمح لهما، فقد قدمتا من مسافة بعيدة. ” دعينا ندخل ولو لدقيقة “، ترجـّت. خجلت المرأة من نفسها وسمحت لهما بالدخول. كانت هذه  تجربةٍ وحيدةٍ لسميرة أبو الهيجا.  لم تُعدها.
عندما ذكرت المؤلفة سوزان  هذه الحادثة لصديقٍ  لها عائشٌ  في لندن، وهو خاخام الكنيس التحرري هناك، ذكر لها تجربته الخاصة في زيارة بيت أهله في برلين سنوات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة النازية. عندما كان صبياً رُحِّل مع آلاف من الأولاد والبنات من ألمانيا إلى النجاة في قوارب  وقطارات عرفت باسم ” ترحيل  الأحداث “، بينما بقي والداه في برلين، وانتهت حياتهما في معسكر الاعتقال ” أوشويتس”. عندما كبر ورزق  ببنتٍ رغب أن يأخذها لزيارة بيت عائلته في برلين.
رحب بهما  سكان البيت الجدد،  وتركوهما يتجولان  في البيت كما يشاءان، ثم دعيا لشرب فنجان من القهوة في الحديقة، واستمتع سكان البيت الحالي بسرده لذكريات حياته في هذا المكان. وفي الوداع أكدوا له أنه مرحبٌ به في أي وقتٍ  يرغب في تكرار الزيارة. [2]
عين حوض القديمة مسكونة الآن بالفنانين فقط،  إذ بادر ” مارسيل جانكو ” وهو فنانٌ مهاجرٌ من رومانيا، بادر بالطلب من السلطات عدم تنفيذ المخطط لهدم بيوت قرية عين حوض،  وتخصيصها قريةً للفنانين، وذلك في السنة 1954،  ورُفع اعتبارها منطقةً عسكريةً مغلقةً  في وجه سكانها العرب السابقين. وعلى مر السنين غيّر الفنانون كثيراً في المعالم الخارجية للأبنية، ولكنهم حافظوا على الأبنية الحجرية القديمة. فمثلاً أُخرجت حجارة هرس الزيتون من  معصرة القرية  إلى الخارج،  ومسجد القرية حُول إلى مطعمٍ  وحانةٍ  للسياح،  الذين تكثر زيارتهم للموقع  لمشاهده أعمال الفنانين  والتماثيل الكثيرة التي تزين شوارعها الضيقة. لا تذكر النشرات السياحية شيئاً عن تاريخها العربي الفلسطيني، ولكنها تذكر العصور السابقة من بيزنطية وعثمانية.
وكتب ” إيلان بابيه” عن أعمال جنكو الفنية  وقال إنها تمثل العنصرية التي يعبر عنها اليسار الإسرائيلي نحو الثقافة العربية بشكل عام،  ونحو الفلسطينيين بشكل خاص. توجد في لوحاته الكثير من الشخصيات العربية،  ولكنها شخصيات متلاشية  في المنظر العام للقرية.
وقد كتبت ” سوزان سليموفيك ” عن التبريرات التي يسوقها الصهيونيون لاستيلائهم على البلاد  في مثال عين حوض، القرية المُهجّر أهلها. يتبجحون أن البلاد كانت خاليةً من السكان،  أو مهجورةً  من سكانها الأصليين عندما وصل الصهاينة إليها للاستيطان، وأنهم  – أي الصهاينة – ليسوا سوى أحفاد اليهود التاريخيين التوراتيين، وأن البلاد كانت تنتظرهم  الصهاينة ليعمّروها، بينما الفلسطينيون حديثون،  قدموا في غالبيتهم للاستيطان في فلسطين من البلاد العربية!
رأت أن سكان عين حوض الحاليين يعيدون ” كتابة التاريخ ”  ليصلوا إلى الاستنتاج أن العرب في فلسطين ما هم إلا قادمين متأخرين،  مثلهم مثل اليهود الإسرائيليين الحاليين،  ولا حق لهم في البلاد أكثر من اليهود. ويزيدون على ذلك بالقول أن عرب عين حوض ليسوا  في الحقيقة سوى أحفاد اليهود التوراتيين،  أسلموا،  أو أحفاد الصليبيين، أو مهاجرين من الدول العربية  أعجبتهم البلاد، فاستوطنوها.
—–
عين حوض الجديدة
تبعد عين حوض الجديدة عشرات الأمتار عن القديمة. كانت في الماضي حظائر غنمٍ للقرية. يرجع الفضل في إقامتها لِ  “محمد أبو الهيجا “، أبو حلمي، الذي رفض أن يهاجر مع من هاجر، وسكن مع عائلتيه في حظائر الغنم,،  وعندما هدأت الأحوال بعد قيام الدولة، وعقدت  معاهدات الهدنة الدائمة، رفض الجيش رجوعه وطرده ثانية منها. وكلك حاول أخٌ له الرجوع ،  فطرد هو الآخر، وأتبع الجيش ذلك بأن أحاط القرية بالأسلاك الشائكة.
ولم تفُــت سكناه في حظائر الغنم المسؤولين،  فراجعوه أكثر من المرة،  محاولين طرده. أخبروه أن الحكومة لم تصادر القرية القديمة فقط، بل أراضيها كذلك،  ومن ضمنها  منطقة سكناه هذه. اعتبرت المنطقة كلها أراضي دولة. وكان أبو حلمي قد نجح  ببناء بعض الغرف المغطاة بالإسمنت، وبنى كذلك غرفتين لمدرسة ابتدائية، وغطّي السقف بألواح  الزينكو حتى لا تلتقطها طائرات التصوير في طيرانها المنتظم على التجمعات العربية, بشكل خاص،  لمراقبة الأبنية التي تقام دون ترخيصٍ رسمي.
لفرض الرحيل على هذه القرية الجديدة،  أحاطها الجيش بالأسلاك الشائكة، تماما حول البيوت،  مما خنقها كلياً. فأمر أبو حلمي أولاده وأحفاده أن  يخلعوا القضبان التي تحمل الأسلاك الشائكة، حتى لا يـُتهم الرجال الكبار بذلك. أغلقت الأسلاك الشائكة القرية ثلاث مرات، وُـنزعت  ثلاث مرات!
وأصبح الوضع أكثر خطورةٍ على القرية في السنة 1965، عندما صدر قانونٌ جديدٌ حول التجمعات السكنية العربية في البلاد،  واعتُرف بِ 123 تجمعٍ  سكنيٍّ بين  قريةٍ ومدينةٍ،  والقرى البدوية والتجمعات الفلاّحية  الصغيرة اعتُبرت غير موجودة. أحاط خطٌ أزرق بهذه التجمعات العربية،  يمتد تماماً حول حدود البيوت القائمة، لا يُسمح بالبناء خارجه، بينما الخط الأزرق المحيط بالتجمعات اليهودية مرنٌ،  يسمح بالتوسّع في المستقبل.
فإذا عرفنا أن عدد السكان العرب قد تضاعف سبع مرات منذ قيام الدولة، فإننا نستطيع تخيـّل الوضع.  لم يُسمح ببناء أية مدينةٍ أو قريةٍ جديدةٍ للعرب، أو أي توسعٍ خارج الخط الأزرق. وتُــقدم المؤلفة ” سوزان ناتان ” في تغطيتها لعين حوض الجديدة،  تقدم مثال سخنين. عدد سكان المدينة وقت تأليف كتابها  كان 25 ألف نسمة،  يحتلون 2500 دونماً من الأرض. بقية أراضيها صودرت. أما سكان المستوطنات المحيطة بها,، أو تلك المبنية على أراضيها، وأراضي غيرها من البلدات العربية، فعدد سكان كل مستوطنات المجلس الإقليمي ” مسجاف ” 18 ألف نسمة،  ويسيطر هذا  المجلس  على 20 ضعفٍ من الأراضي.
وتتابعت المخططات لخنق هذه القرية الصغيرة على سفح الكرمل، واعتبرت شوكةً  في جانب استيطان الكرمل وتطهيره من العرب. فصدر قانون ” حديقة الكرمل الوطنية “، وأدخل المخطط هذه  القرية الصغيرة داخله،  فصار من الواجب إخراجها، بينما تجنب المخطط المستوطنات اليهودية.  وقــُـــُلع الشجر المثمر من الخروب  والزيتون، وزُرع بدلاً من ذلك شتل السرو غير المثمر، حتى لا يجد العرب شيئاً يتـغـذّون عليه. واشتدت الحملات في بلاد العالم للتبرع  بالمال،  لتشجير جبال فلسطين، وابتـُـكر الطلب : ” إدفع 15 عشر دولاراً وازرع  شجرةً باسمك في إسرائيل.” [3]
ولما لم ينفع هذا كله في إقناع عائلة أبو الهيجا بالانتقال من قريتهم، أُعلنت المنطقة منطقة تدريبات عسكرية،  فيدب الذعر خوفاً على أولادهم  وبناتهم. لم ينفع.
أعلنت المنطقة منطقة آثار،  ممنوع البناء فيها، أو إجراء  أية حفريات.
أُصدر قانون  ” العنزة السمراء “، الذي يمنع الأغنام من الرعي في الحدائق الوطنية.
كلها قوانين وتدابير لقلع العائلة من المنطقة،  وهي إجراءات اتبعت في الكثير من التجمعات الفلسطينية الصغيرة، حتى تتمكن الحكومة من  تجميعها في مناطق مُحدّدة  تشبه الغيتوات مما يُسهل السيطرة عليها.
في عام 1981 صدر قانونٌ يحدد الخدمات التي تقدم  للتجمعات السكانية،  ويمنع حسب هذا القانون تقديم أية خدمات للقرى غير المعترف بها، مثل خدمات الكهرباء، المياه، المجاري، الهواتف، جمع القمامة، إيصال البريد، وأخيراً مواصلات الطلاب. فكان طلاب قرية عين حوض الجديدة  يضطرون للذهاب إلى الدراسة في حيفا،  فيخرج الطالب من بيته في الساعة الخامسة صباحاً،  ليتوجه إلى موقف الباصات في موشاف المتدينين المجاور ” نير إتسيون “. إن فاته الباص،  يـُكمل سيره إلى شارع حيفا- تل أبيب لالتقاط مركبةٍ أخرى.  فتستغرق هذه الرحلة اليومية ثلاث ساعات ذهاباً، وثلاث ساعات إياباً.
وأخيرا ً حُلت مشكلة تزويد المياه،  بموافقة الموشاف على مد خط ماءٍ إلى القرية مقابل دعم مرشّح الموشاف فى الانتخابات. وتغير الوضع باستلام الحفيد المهندس محمد أبو الهيجا قيادة القرية خلفاً لجده، الذي توسم فيه مواهب قياديةٍ في السنة 1978،  وكان محقـقاً فعلاً  لآمال الجد، إذ بدأ أعماله بإشهار قضية القرية بكل الأساليب الممكنة، مثل مظاهرةٍ على جبل الكرمل،  أيدها الموشاف، وإثنين من قرية الفنانين، وبعض المتعاطفين من اليسار الإسرائيلي. أقول  “بعض اليساريين “، إذ عموماً لم ينالوا التعاطف الذي يستحقونه من اليسار عموماً.
لم يتأخر رد الحكومة على هذه  “الوقاحة !”. إذ وصلهم أمرٌ بهدم كل بيتٍ من بيوت القرية. وقيل لهم: ” تريدون خدمات ؟ إنسوا ذلك.. أنتم غير قانونيين! ”
وهكذا بدأ النضال في المحاكم. وُبدء في تجميع القرى مع القرى الأخرى غير المعترف بها، وتألفت ” لجنة الأربعين ”  في السنة 1988،  تخليداً لمرور أربعين سنة على احتلال الجليل.
وحصلوا على تأييد منظمات غير حكوميةٍ  إنسانيةٍ في الخارج، عممت قضايا القرى غير المعترف بها، ومنظمات محليةٍ كذلك، وتُـوج ذلك كله باعتراف حكومة رابين ببعضٍ من هذه القرى في الجليل. ولكن الاعتراف شيءٌ، وتقديم الخدمات شيءٌ آخر، إذ يجب تقديم خرائط هيكليةٍ توافق عليها الدولة.
في السنة 2000 حصلت الخريطة المقدمة من قرية عين حوض على اعتراف من المجلس الإقليمي ” هوف ها كرمل “, وأصبح محمد أبو الهيجا هو العضو المنتخب من القرية وممثلها في هذا المجلس، الممثل العربي الوحيد بين 50 يهوديا. ولكنه ممثلٌ عنيدٌ و قويّ الشكيمة.
________________________________________
[1]  راجع موضوع طمرة للتعرف على الكاتبة وتجربتها وكتابها.
[2]  ذكر الكثيرون تجاربهم الخاصة في زيارة بيت العائلة, بعد سنوات من النكبة. لا تختلف عن تجربة سميرة في عين حوض.
[3]  أنظر موضوع لوبية, ورفض سفير جنوب أفريقيا أن تسمى 15 عشرة شجرة باسمه, في غابة ” جنوب أفريقيا ” التي زرعت قوق أطلال لوبية. أجاب السفير على اقتراح التسمية ذلك أنه من بلد ضد التفرقة

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة