هل ستنقلب الطبقة الدينيّة السعوديّة على محمد بن سلمان ؟ بقلم : د . كاظم ناصر

آراء حرة ….
بقلم : د . كاظم ناصر – كاتب فلسطيني ..
حرص النظام السعودي منذ قيام المملكة العربية السعودية على إبقاء العائلة الحاكمة موحّدة ومتماسكة، وعلى تقوية التحالف مع الطبقة الدينيّة الوهابيّة واستخدامها في أسلمة النظام ودعم وجوده وإظهاره كحام للمقدسات ومدافع عن الإسلام والمسلمين . لكن النطام السياسي السعودي شهد تغييرات جوهريّة مثيرة للجدل منذ أن تولى الملك سلمان الحكم كان آخرها إبعاد محمد بن نايف عن ولاية العهد ووزارة الدفاع، وتسليمهما لنجله الشاب الأمير محمد بن سلمان على الرغم من معارضة بعض كبار الأمراء .
هيمنة الملك سلمان وأبناؤه على مفاصل الدولة الرئيسية، وإبعاد الأمير محمد بن نايف، وتحجيم نفوذ أبناء الملكين الراحلين  فهد وعبدالله، وأبناء الأميرين الراحلين سلطان ونايف، وإبعاد بعض الأحفاد الآخرين وأبناء الأحفاد عن مراكزهم الهامة في الدولة، ورفض بعض الأمراء مبايعة محمد بن سلمان يشير إلى أن العائلة المالكة تواجه أزمة ثقة، وتخوض صراعا خطيرا على السلطة ظهر إلى العلن بعد تغريدة الأمير عبد العزيز بن فهد التي توقّع فيها أن يتمّ قتله وطلب من عائلته الأخذ بثأره في إشارة إلى محمد بن سلمان ولي العهد الحالي.
لقد نقلت صحيفة ” الإنديبندنت ” البريطانية عن الأميرة بسمة بنت سعود بن عبد العزيز قولها ” إن عدد أفراد الأسرة الحاكمة 15 ألفا منهم 13 ألفا لا يتمتّعون بثروات هائلة بينما الألفان الباقيان هم أصحاب مئات الملايين، ويحتكرون السلطة والثروة .” إن هيمنة  كبار الأمراء على المال العام والسلطة، والخلافات بينهم على المراكز القيادية، والبطالة بين الشباب، والفقر الذي يعاني منه 25 % من السعوديين، وانتهاك حقوق الإنسان، والتشدّد الديني، والفساد والرشوة توحي بأن الوضع الحالي لن يستمر طويلا وإن التغيير قادم ، وإن صراع الأمراء على السلطة بدأ فعلا ولا أحد يعلم متى سينفجر وإلى أين سيقود.
التهديد الئاني الخطير للنظام قد يأتي من الطبقة الدينيّة. فمنذ تاسيس المملكة ورجال الدين يقومون بدور الحارس الأمين لهويّة النظام الإسلاميّة الوهابيّة المتشدّدة الرافضة للتغيير، ويحصلون مقابل خدماتهم هذه على امتيازات هامّة جدّا منها مكانتهم الإجتماعيّة والإعتباريّة المميّزة، واستلامهم مراكز قياديّة في الدولة، وحصولهم على مكافآت ماليّة مجزية ورواتب شهريّة عالية، وهيمنتهم على نظام القضاء والشؤون الدينية من خلال مراكزهم في الدولة ونشاطات هيئة كبار العلماء وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد منحت الدولة المشايخ كل هذه الإمتيازات لضمان ولائهم واستمرار دعمهم للنظام وتزويده بما يلزمه من فتاوي شرعيّة تبرّر تصرّفاته وتجاوزاته واستبداده وتظهره كنظام اسلامي دستوره شرع الله وليس قوانين البشر، وتساعده في محاربة كل من يحتجّ على الفقر والتشدّد الديني وهدر المال العام والفساد، أو يدعم إعطاء المرأة السعودية بعض حقوقها، أو يطالب  بإصلاح سياسي يمكّن الشعب من المشاركة في الحكم .
محمد بن سلمان في رؤيته للمستقبل ربما يفكّر في خلق جوّ إنفتاحي مشابه لذلك الموجود في الدول الخليجيّة، وقد يدخل بعض الإصلاحات السياسية التي تطالب بها شريحة كبيرة من أبناء الشعب السعودي كبرلمان منتخب، ومشاركة شعبية في الحكم، وتخفيف القيود الدينية، وإعطاء المرأة بعض حقوقها، وإقامة أماكن ترفيهيّة وسياحية كالتي أقيمت في دول مجلس التعاون الأخرى إلخ. فهل ستقبل طبقة المشايخ تجريدها من إمتيازاتها ؟ وهل ستوافق على إصلاحات وتغييرات تعتبرها مخالفة للقرآن الكريم والسنة ؟ وماذا ستكون ردّة فعلها ؟ هل ستصطدم مع النظام بوسائلها المتاحة ؟ وهل ستتحالف مع الأمراء الرافضين لهيمنة أبناء الملك سلمان على الحكم وتشترك معهم في محاولة تغييره ؟
الطبقة الدينية الآن تشعر أن تجريد ” هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” من معظم صلاحياتها وتقليص دورها وامتيازاتها خلال السنوات القليلة الماضية، والإصلاحات التي قام بها الملك الراحل عبالله بن عبد العزيز، وتلك التي ينوي الأمير محمد بن سلمان القيام بها تشكل خطرا على نفوذها السياسي والإجتماعي والديني. ولهذا فإنه من المتوقع أن تعارض محاولات التحديث والإنفتاح، وقد تستغل نفوذها الديني في المجتمع السعودي المحافظ لإثارة أتباعها من المتزمتين وحثهم على رفض هذه المحاولات، وتضع نفسها هي واتباعها في مواجهة مباشرة مع السلطة التي صنعتها.
السعودية تعاني من عدد من التحديات المثيرة للقلق منها الخلافات بين الأمراء وصراعهم على السلطة، والهجمات المسلّحة في الداخل وعلى حدودها الجنوبية مع اليمن، وتورّطها في حروب اليمن وسوريا، وخلافاتها هي وبعض دول مجلس التعاون مع قطر واحتمال إنسحاب قطر منه، وانهيار اسعار البترول وتعرضها لمشاكل اقتصادية، وانتقاد العالم لممارساتها القمعية للحريات، وتحالفها مع الولايات المتحدة ضدّ إيران، وعلاقاتها السريّة مع إسرائيل.هذه التحديات وغيرها من المشاكل القائمة قد تزيد حدّة الخلافات بين الأمراء، وبين الدولة والطبقة الدينية، وتخلق حالة من عدم الإستقرار والصراع على السلطة يقود إلى انشقاقات وربما إلى حروب داخليّة ستكون نتائجها كارثية على وحدة البلد ومستقبلها.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة