المقاومة الثقافية في فلسطين – بقلم : د . زهير الخويلدي

فلسطين …
د زهير الخويلدي – تونس …
” في القدس أبنية حجارتها اقتباسات من الانجيل والقرآن …في القدس تعريف الجمال مثمن الأضلاع أزرق”  – تميم البرغوثي، كلمات-
منذ دخول الفصائل الفلسطينية في هدنة مؤقتة مع العدو الصهيوني في قطاع غزة وتراجع عمليات الكفاح المسلح في الضفة الغربية واختفاء العمل العسكري العربي المشترك ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في لبنان وسورية والأردن ومصر وفلسطين احتاج العقل الممانع إلى ابتكار آليات صمود وتصدي مغايرة بغية تفادي آفة الوقوع في الإرهاب والتشدد، ولقد ساهمت معاهدة كامب ديفيد للسلام التي أبرمها أنور السادات في ارتفاع منسوب التطبيع مع الكيان الغاصب وكادت الدولة العبرية أن تحصل على اعتراف كامل بحق الوجود من طرف العرب والمسلمين وتحصل بالتالي على مقعد مراقب في الجامعة العربية وعلى عضوية شرفية في منظمة المؤتمر الإسلامي وأن تنضم بشكل فعلي إلى كتلة عدم الانحياز.
غير أن ملحمة تموز التي سطرتها المقاومة الوطنية اللبنانية وشككت فيها دول الاعتدال العربي قد أجبرت العدو على الفرار وجر أذيال الخيبة من جنوب لبنان وينسحب أيضا من منطقة سينا مع البقاء في الجولان.
بعد ذلك دخل الشعب الفلسطيني معركة جديدة مع الاحتلال معولا على قواه الذاتية ومفجرا انتفاضات متتالية شاركت فيها قطاعات واسعة من الجماهير وتميزت بالطابع المدني والسلمي في البداية وتحولت إلى مواجهة فيزيائية بالمعنى المادي بين الطرفين في شكل أفراد ومجموعات فلسطينية منفردة واتصفت بعدم تكافؤ في القوى وفي الموازين وفي العتاد والدعم اللوجستي والانتشار الميداني على الأرض.
في ظل التراجع العربي عن دعم القضية الفلسطينية وفي ظل تقاعس العالم عن إجبار إسرائيل على منح الحقوق الشرعية للفلسطينيين وخاصة حق العودة وحق تقرير المصير وإقامة الدولة ذات السيادة على الأرض اضطر بعض الفلسطينيين إلى ابتكار أشكال جديدة من المقاومة من أجل تحيين المطالب الشرعية وإظهار بشاعة الاحتلال والتشهير بالممارسات غير الإنسانية التي يتعرض لها السكان العزل في الداخل والظروف القاسية التي يمر بها المهجرين في المخيمات في الشتات والضفة والقطاع والمدن المزدحمة.
تمثلت هذه الأشكال الجديدة التي عوضت البندقية إلى حين في استخدام الصورة والملصقات والمطبوعات والمنشورات من أجل الدعاية والإشهار ووقع استخدام الوسائط الحديثة والحواسيب الذكية وأجهزة الأنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي للتحشيد وكسب التأييد والضغط على الدوائر الماسكة بالقرار.
لقد شملت المقاومة في البداية الفضاءات الثقافية ولعب الشعراء بالقصائد الملتزمة والنصوص النثرية التحريضية وانتقلت بعد ذلك إلى المسارح والمهرجانات والتلفزات بإنتاج أغاني وطنية وأشرطة تلفزية وسينمائية تعالج القضية الفلسطينية وفق مقاربة توثيقية وتاريخية وتقوم بفتح آفاق استراتيجية للمقاومة.
لقد برز ناجي العلي بصوره الكاريكاتورية الساحرة وشدت توقيع حنظلة الانتباه وزادت رمزيته باستشهاد موقعه واشتهرت جداريات محمود درويش وعدد من الشعراء الآخرين مثل سميح القاسم ومعين بسيسو وتميم البرغوثي وبرزت أقلام صحفية على غرار عبر الباري عطوان وجهاد الخازن وخالد الرحوب .
لقد كانت أرض فلسطين ولادة وأنجبت العديد من الطاقات المبدعة والكفاءات العالية والقامات الفكرية في جميع المجالات ومن جميع الطوائف والاتجاهات الايديولوجية ولقد ساهموا في الدفاع عن فلسطين من موقع عملهم ومن زاوية تخصصهم ونذكر هشام شرابي وادوارد سعيد وكلوفيس مقصود وناجي علوش.
لكن ما المقصود بالمقاومة الثقافية؟ وما الداعي إلى الاستنجاد بها الآن؟ لماذا وقع الاعتماد على خيار المقاومة السلمية الآن وهنا؟ وكيف يمكن تفعيلها بصورة اجتماعية واستثمارها على الصعيد السياسي؟ هل هي تعبير عن الضعف العربي أم ممارسة للتكتيك والانحناء للعاصفة؟ وماهي الآليات التي تعتمدها؟ وهل بمقدورها أن تعوض على أحسن وجه المقاومة الشاملة؟ والى أي مدى تكون قادرة على الصمود والثبات على المبادئ والمقدسات؟ وبأي معنى يكون الفن والكتابة والرسم والشعر والصحافة قادرا على فرض الحقوق التي عجزت السياسة عن افتكاكها بالقوة العسكرية والكفاح المسلح والضغط الدولي والمفاوضات الديبلوماسية الماراطونية؟ هل المقاومة الثقافية تفويت للحقوق وتنازل عن المطالب أم تعزيز واستثبات؟
والحق أن القضية الفلسطينية تحتاج إلى كل الأشكال النضالية وكل المقاومات الممكنة بما في ذلك الثقافية والإعلامية والمدنية وذلك من أجل فك الحصار عن قطاع غزة وإنهاء الانقسام الفلسطيني بين الفصائل والقوى الوطنية وترتيب البيت الداخلي واستعادة منظمة التحرير زمام المبادرة وإعطاء القدس الأولوية. فهل تكون المقاومة الثقافية خيارا استراتيجيا مدنيا من أجل انتشال القدس وفلسطين من براثن المجهول؟
كاتب فلسفي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة