رقص الحروف – بقلم : عواطف محجوب

القصة …
قصة : عواطف محجوب_ تونس …
سامي تلميذ ذكي لكنه خامل وكسول، لا يحب الدرس ويهوى اللعب ومشاهدة التلفاز. يواظب على الذهاب إلى المدرسة دون أن يجهد نفسه في حل الفروض المدرسية، ما يغضب غالبا معلماته في سائر الفصول. لهذا فكثيرا ما كان يتعرض للعقاب بالتنبيه، ثم باللوم والتتقريع، وأحيانا أخرى يشفع له ذكاؤه فلا يُهانُ ولا يتعرض إلاّ لملاحظة بسيطة بلا توبيخ.
في الصف السادس الابتدائي، كان مطلوبا من سامي أن يجتهد ويدرس بجهد أكبر، حتى يستطيع اجتياز الامتحان الوطني؛ لكنه لم يكن ليفعل..! ومع اقتراب موعد الامتحان؛ أحس بالخطر يتهدده بالرسوب، ودهمه إحساس بالخوف و العجز معا، فقرر أن يبذل جهدا أكبر، لينقذ نفسه من عار الرسوب.
لذلك فقد أحضر كتبه وأقلامه ودفاتره، وجلس ليراجع دروسه. كان كلما حاولَ حِفْظَ دَرْسٍ أو أراد مراجعته، أبت الحروف أن تترسخ في ذهنه أو ينجح في تدوينها على الدفتر، وسرعان ما يغلبه النعاس على أمره فيغفو وينام على المكتب.
واذا به ذات مرة وهو على هذه الحال؛ يرى في حلمه نحو ثلاثين آدميَّاً قصار القامة يتقدمون نحوه. كانت رؤوسهم غريبة، ليست كرؤوس سائر البشر. تأملهم بخوف وتبادر إلى ذهنه بعد التدقيق أنها حروف اللغة العربية. ثم رأى نفسه ينزوي مُرْبَكا من هيئتهم الغريبة، ينظر إليهم بحذر وهم يتقدمون نحوه؛ حينما سألهم خائفا: من أنتم وماذا تريدون مني بحق الله..؟
تقدم منه حرف الضاد مبتسما وهو يقول: لا تخف يا سامي..! ألم تتعرف إلينا..!؟ ثم اقترب منه حرف الألف مصافحا متوجها بالقول له: رأيناك في ورطة فجئنا للمساعدة، تشجيعا لك بالعودة إلينا، ورد عليهم  سامي بدهشة: ورطة؟ مساعدة؟ لكن من أنتم؟ سألهم سامي بحذر.
وهكذا أيضا تقدم منه حرف الياء، فاحتضن سامي حتى يزول عنه الخوف ثم قال له: نحن حروف اللغة العربية، وهذا حرف الضاد قائدنا. كنا  نمرُّ من هنا منذ بعض الوقت. وشاهدناك منزويا لمراجعة دروسك فجئنا نعرض عليك المساعدة.
وحينما تسللنا إلى عقلك وجدنا مستوى ذكاءك كبيرا، فتشاورنا فيما بيننا وقررنا أن نساعدك..؟ فصاحت باقي الحروف والنشوة تستبد بها: مرحى.. مرحى أهلا وسهلا بالنجاح. ذهل سامي مما رأى وسمع، فتقدم مصافحا الكل بفرح بعد أن زال عنه الخوف والحذر وهو يتساءل: لكن كيف ستساعدونني..!؟ فربَّت حرف الضاد على كتفه وقال له: دع ذهنك متحفزا وتابعنا.
بتركيز تام؛ بدأ سامي يواكب بعقله قبل عينيه حركات جوقة الحروف، فإذا هي تتمايل وترقص بحركات متناسقة وحلقات جميلة، لتتشكل ورودا نضرة وخطوطا منحنية، تتلاطم كموج البحر أو كأجنحة الطيور.. وفي نهاية كل رقصة؛ كانت تستلقي مرتاحة على ورقة ناصعة بيضاء.
والورقة تزخر بالمفردات والجمل والفقرات والألوان المدهشة، يترأسها حرف الضاد وتستوجب قراءتها منه مرتين، وحينما ينتهي من القراءة..؟ كانت تقترب منه الحروف فتنزلق إلى رأسه وتستوطن في خلايا مخه، ثم تعود مجددا للرقص والظهور، وفي كل مرة يتجدد إيقاع أجمل من السابق.. وهكذا أكملت الحروف مساعدة سامي في مراجعة المواد الأساسية المطلوبة.
فجأة سمعت الحروف صوت أم سامي تناديه من المطبخ لتناول العشاء، حينما اقترب منه حرف الضاد مسلما ومودعا على أمل اللقاء.. ثم تلاشت كل الحروف واختفت داخل رأسه، وأمه تناديه: لماذا أنت نائم هكذا والعرق يتصبب منك؛ ما بك يا بني؟ ويرد سامي بقوله: الله يا أمي ما أجمل الحروف و ما أروع رقص الكلمات، كم أعشقها فلن أتركها أبدا بعد اليوم..!
وتجيبه أمه: لم أفهم ما تقول، وعمّا تتحدث!؟ لم يجب سامي؛ لكنه قفز نحو المطبخ وهو يبتسم هادىء البال مطمئن الخاطر، فالتهم طعامه بسرعة، وعاد (يلتهم) دروسه إلى جانب الطعام. وهكذا اجتاز سامي امتحانه بنجاح منقطع النظير.  وفي العطلة الصيفية تفرغ سامي للقراءة والكتابة والمطالعة، فمسح الغبار عن القصص والكتب، ووضع لنفسه جدولا منظما للعطلة. وكان كلما أنهى قراءة قصة أو رواية صاغ ملخصها في دفتر خصصه لذلك، وهو يقول لنفسه:
هكذا أحافظ عليك أيتها الحروف لكي لا تغادريني أبدا، سأراقصك دوما في القراءة و الكتابة فمنك تعلمت كيف أكون مميزا فعلا. شكرا لك يا حروف لغة الضاد. ثم يغمض عينيه كأنه لا يريد لأحد أن يقتحم أغوار نفسه، أو يكتشف سره في التميز والنجاح.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة