قرية المجيدل وملك السويد ! * بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا

دراسات ….
بقلم : فؤاد عبد النور – فلسطين – المانيا ….
( النجمة تعني أن القرية  قد ذكرت في الطبعة الثانية من كتاب ”  الجليل .. الأرض والإنسان ” الصادر سنة 1991. الموضوع الحالي موسع  بشكل كبير، وأرسله لصوت العروبة  الآن لأن  فيه شبها لما نشر قبل أسبوع في هذا الموقع عن خداع  الدول  والأفراد من قبل  الصندوق القومي الإسرائيلي بأنهم عندما يتبرعون للصندوق فإنهم يساهمون في تشجير وتجميل البيئة في إسرائيل، ولا يذكر بالطبع أن الحراج التي تُزرع غايتها إخفاء القرى العربية المدمرة،  والمُهجرّ أصحابها إلى بلاد الله الواسعة.)
———
كان عدد سكان المجيدل سنة 1945, 1650 نسمة.  260 مسيحيون, والبقية مسلمون.
اشتهرت أراضيها بشجر الزيتون المعمّر.
نظمت فعاليات فيها بمناسبة مرور 60 سنة على النكبة, وأقيم معسكر عملٍ تطوعيٍّ لتنظيف مقبرة القرية.
موقع جمعية ” صوفيا  يقدم الكثير من المعلومات عن القرية, وعن قصة ترميم الكنيسة, وعن رد فعل البطريركية على ذلك الترميم. Sophia_ ngo: ru . يقول ” إيلان بابيه” أن الكنيسة قد تبرع ببنائها أخ القيصر الروسي سيرجي ألكسندروف, الذي زار المجيدل في السنة 1882.
—————-
تعزيزاً لموضوع نشاط جمعية ” صوفيا ” وجدت هذا المقال في صحيفة ” العربي الجديد ” الصادرة في لندن:

ثيوفيلوس غير مستحق”: انتفاضة في بطريركية الأرثوذكس الفلسطينية
رام الله ــ نائلة خليل
28 ديسمبر \ 2011
بدأت اللجنة التنفيذية لـِ  “المجلس المركزي الأرثوذكسي” في فلسطين المحتلة حملة، اليوم السبت، ضد بطريرك المدينة المقدسة كيريوس ثيوفيلوس الثالث، ضد ما وصفته بإجراءاته العنصرية. وطالب أعضاء اللجنة بمقاطعته في احتفالات عيد الميلاد، نظراً لما يقوم به من تأجير شركات إسرائيلية لأملاك الكنيسة بهدف التطهير العرقي بحق العرب وتهويد مدينة القدس.
ودعوا في اجتماع لهم اليوم السبت، إلى إلغاء صفقة “مار الياس” في موعدها وهو نهاية الشهر الجاري، وذلك بعد الاستماع الى شرحٍ مفصل ومدعم بالوثائق حول آخر تطورات قضية “مار الياس” وقيام البطريرك ومحاميه بمنح الشركة الإسرائيلية صلاحية وحقوق منها رهن الأرض لهذه الشركة أو لأي شركة تراها مما يعني سلخ هذه الأرض من ملكية البطريركية ومما يعني إنهاء أي تواصل بين القدس وبيت لحم وما تمثله هذه الأرض من نقطة استراتيجية لمخططات التنظيم الإسرائيلية ضمن مخطط تهويد القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، وإعادة تكــثيـف الوجود الاستيطاني فيها وإقامة الفنادق عليها مما يعنى ضرب قطاع السياحة الفلسطيني وتحديداً ضرب اقتصاد مدينة بيت لحم.
واستمع المجلس المركزي إلى موقف المطران عطا لله حنا والأرشمندريت مليتوس بصل، اللذان أكدا في كلمتيهما رفضهما القاطع لتصرفات البطريرك ومجمّعه من عمليات البيع وإقصاء للأكليروس العربي وما يمثله هذا الإقصاء من عنصرية مكشوفة بحق أبناء الكنيسة العرب من علمانيين ورجال دين.
وأطلق المجتمعون حملةً عبر التواصل الاجتماعي تحت عنوان “ثيوفيلوس غير مستحق”، كجزء من الانتفاضة ضد البطريرك وسياسته العنصرية، وتعميم نشرات التوعية بين أبناء الطائفة في الأردن وفلسطين، ضد ما يقوم به من إجراءات “تفريطية” على الأرض بحق المقدسات المسيحية وأملاك البطريركية.
وطالب المجتمعون ثيوفيلوس ومجمعه بالعدول الفوري عن اقالة الارشمندريت خريستوفورس (عطا لله حنا)، والأرشمندريت  مليتيوس بصل، وإقالة  “كاهن التجنيد” ( في إسرائيل ) جبرائيل نداف.
وشددوا على “ضرورة مقاطعة ثيوفيلوس، في احتفالات عيد الميلاد والتوصية لجمعية بيت لحم بالوقوف جنباً إلى جنب مع هذا المطلب، فالمقاطعة لا تعني محاربة العيد وبهجته وإنما هي موجهةٌ ضد البطريرك ونهجه العنصري”. وفي هذا السياق، طالب المجتمعون المجموعات الكشفية بعدم إضفاء أي شكل احتفالي بالبطريرك والإبقاء على الوضع القائم فيما يقومون به لغاية إسعاد أبناء هذا الشعب بهذا العيد.
وأعلنوا عن وقفةً احتجاجية يوم السادس من يناير/ كانون الثاني المقبل، ورفع اليافطات والشعارات المنددة بسياسة البطريرك  “التفريطية” والعنصرية، وإلى تشكيل وفدٍ  للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء رامي الحمد الله، وإلى تصعيد حملة الضغط على ثيوفيلوس ومجمعه من خلال الاتصالات الهاتفية ووسائل التواصل الاجتماعي، والعودة للاجتماع مجدداً بعد انتهاء العيد.
وكانت المؤسسات الأرثوذكسية في مدينة بيت ساحور، قررت عدم إحضار ثيوفيلوس في عيد كنيسة بيت ساحور يوم الثامن والعشرين من الشهر الجاري ورفض استقباله واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، ودعا المجتمعون كافة المؤسسات الأرثوذكسية في كافة المحافظات الفلسطينية إلى حذو موقف مؤسسات بيت ساحور.
———————
دُمرت القرية, وهـُجّر السكان, وأُقيمت على أراضيها مستوطنة  “مجدال هاعيمق “.
كانت القرية مسالمةً  للمستوطنات اليهودية المجاورة, ولكن دون زيارات  أو مودةٍ,  إلى حين قدوم جيش الإنقاذ, فتوتـّر الجو, ولم يفدهم قدوم ذلك الجيش بالمرة.
يقول إيلان بابيه أن البابا تدخل لرجوع أهالي المجيدل لها,  مسيحيين ومسلمين, فسمح ل 200 من المسيحيين بالرجوع, فرفض الأخيرون واشترطوا رجوع  المسلمين معهم.
أما المسجد فقد بقي  قائماً إلى السنة 2003. هُدم, وبني مكانه سوقٌ تجاري.
اشتهر من مواطنيها الشاعر الشعبي فرحان أحمد سلاّم, وتُــذكر له هذه الأبيات:

إن كان بلفور بجهل قيمة الأوطان
إحنا برواحنا نحمي أراضينا
نبيع أرواحنا بأبخس الأثمان
حقا على الله نصر المؤمنينا.

ومن القصائد التي قالها الشاعر في إحدى أعراس قرية الشجرة قضاء طبريا قبل عام 1948 (على لسان الحاجة فرجة نايف السرساوي  من كفر سبت:
حاسب نفسك وانهيها * ع كيفها لا تعطيها
عزة نفسك بين الناس * تسوى الدنيا وما فيها
ولا توكل لقمة منان * دوم بتتتعاير بيها
وَوطّي نفسك للطفران * رب العرش يعليها
إن قلّت الرزقة عليك * للعالم لا تشكيها
ولا تتأمل بفلان بيك * نفسه عاجز يكفيها
مهما صار لا تمد إيديك * أبدا لغير باريها
خلي خيمة الستر عليك * هاللي منعها بيغطّيها
ولا تشرب مية من كاس * حتى تعرف شو فيها
ولا تشتغل بالوسواس * إجلي النية وإصفيها
ولا ترضى حقك ينداس * لو روحك بتضحيها
ولا تحكي ع عيوب الناس * شوف عيوبك داريها
شوف الحكمة واجمعها * لا تسأل عن خباييها
خذها حالا واجمعها * حتى تعرف جانيها
وازرعها بموضعها * صعبة تعود تلاقيها
دوم العفة مطلوبة * مسكين يا اللي خاليها
إن همت أمة محجوبة * بعد الموت بتحييها
إن كنت بخيل ونمام * حياتك كبها وارميها
وإن كنت صاحب زمام * أعمالك بتلاقيها
إحذر من اولاد الحرام * صحبتهم مالك فيها
لأنها مثل الدخان * نسمة هوا بتهفيها
حتى لا تخلف وتعود * ترجع اختها تلبيها
———
نشر موقع ” حق العودة   ومركز بديل badil. Org    ” مقالاً للصحفية  ” إيزابيل  همفريز”, وهي باحثةٌ  تعني بشؤون اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين, وهي مرشحة لنيل شهادة الدكتوراة,  كتبت مقالاًّ نقتطف منه ما يلي:
” عندما ابتدأت عملية ترميم كنيسة القديس نيكولاوس في قرية المجيدل, تطلبت عمليات تخريب أعمال الترميم  التواجد في المكان على مدار الساعة  من أجل حمايته. ولقد تطوعت إحدى النساء الروسيات، والتي تعيش في أحد أديرة الناصرة،  تطوعت للتخييم في المكان إلى أن يصبح للكنيسة بابٌ وقفل. وخلال تقدم عملية الترميم  وتشوق الجمهور المقيم أغلبه في قرية يافة الناصرة  لزيارة الكنيسة  ورؤية داخلها،  تطوعت امرأة روسية أخرى أن تكون دليلاً للزائرين.
دُمِّرت القرية  ما عدا الكنيستين. الكنيسة الأولى تابعةٌ للكاثوليك, وقد نجح كهنتها بضغطٍ من الفاتيكان  من الاحتفاظ بكنيستهم  مع قطعة أرضٍ صغيرةٍ  حولها. أما كنيسة الأرثوذكس فلم تنجح،  وتعرضت الكنيسة للإهمال  وإساءة الاستعمال.
” ولكن، و باعتراف السلطة بجمعية ” صوفيا ” كجمعيةٍ عثمانيةٍ  حسب القانون الإسرائيلي،  استطاع الأهالي أن يبنوا سوراً  ويُـرمموا الكنيسة  على حسابهم بالتبرعات الخاصة،  وتلقوا دعماً من جمعية المانونايت العالمية.
والجدير بالذكر هنا أن في  الهجرة الروسية الداعمة للصهيونية  يوجد وجهٌ  إيجابيٌّ  إذ أن الكثير من المهاجرين الروس ليسوا يهودًا،  بل قدموا لمنافع ماديةً،  وهرباً من الحياة تحت الحكم السوفييتي،  وسيكون لهم دورٌ في المستقبل،  دورٌ متعاطف ٌمع إخوانهم المسيحيين في البلاد. وقد وجدوا في المجيدل تنفيساً معيناً،  إذ أن ” القداديس”  تُــقام باللغة العربية والروسية.
—————
عندما بدأت على مشروع البحث الميداني هذا قبل أكثر من ربع قرن،  استأجرت غرفة في الطابق الأرضي لمهندسٍ تعاطف مع مشروعي هذا في الناصرة رغم عدم وجود تصريح معي للمنامة في إسرائيل، ولكني غامرت ونجحت.   وكنت أتردد كثيراً على منطقة معلول والمجيدل لأنهما على الطريق إلى حيفا من الناصرة. هذا وحصل أن تعرفت  في يافة الناصرة على عائلة ” مصطفى محمد شوشاري ”  من المجيدل، وهو يعمل مثله مثل إخوته وأولاده في تعهدات البناء،  فهو عملٌ شاق تخصص به العرب في الداخل.
وانضم إلينا الإبن الأكبر علي،  وطالت جلستنا.
أصل العائلة من زيتا،  قضاء طولكرم.  استوطن والد مصطفى المجيدل  وبقي فيها. أحوال العائلة كانت بسيطة،  الأب عامل  ينتقل من عملٍ لآخر  حسب تيسُّره. لم تتغير أحوال العائلة كثيراً بعد النكبة،  فمن غرفة صغيرةٍ  في قريةٍ صغيرةٍ ،  إلى احتلال قسمٍ صغيرٍ من عمارة غير مكتملةٍ ” عظم “. كانوا  عائلة  واحدة من عشرين عائلةٍ احتلت العمارة,، لا يفصل العائلة عن الأخرى سوي حاجزٍ من تنكٍ أو خشبٍ، وهي حالةٌ مألوفة ٌ في الهجرة،  إن كان اللاجئ في الداخل أو في لبنان، أو سوريا. وسألت:
” طيب ليش لجأتوا  ليافة الناصرة. ما خفتوا تتهجروا تاني ؟ فأجاب الأب:
” ما كنا نشعر هيك. كان عندنا إحساس إنهم اليهود بدهم أراضي المرجة. المرجة أخذوها،  إيش بدهم بالوعر؟ ”
وعرفت من الأب أنه كانت تجري منازعات دمويةٍ  في القرية أيام الانتداب، وفي ثورة ال 36. وأن عائلة فرح خوري كانت عائلةً بارزةً,  مالكة للأراضي، وثرية بالمال. وأن ابن العائلة ” صبحي خوري عندكم بالضفة “. وقد اتصلت بالمذكور, وهو يملك مصنعا ناجحاً للأدوية في رام الله, ” دار الشفاء ” اسم المصنع.  فحددت موعداً معه،  وسألته عن هذا الموضوع بالذات:- النزاع الدموي،  والسبب في أن المجيدل دُمّرت وهُجّرت،  بينما نجت يافة الناصرة ؟ فأجاب:
” المجيدل كانت فعالة في المقاومة. واليهود حقدوا عليها لأنها ما باعت قطعة من أراضيها. أراضينا كانت توصل لحد أراضي جنين. والوعر كان مزروع زيتون. التل على يمينك وإنت  رايح حيفا من المجيدل كلها من أملاكنا الشخصية. حلال زلال. والناس كانت تدافع عن أرضها،  ما بدها تبيع،  ولا بدها تتركها ”
” والآن ؟ ” سألت.
” الآن مثل ما إنت شايف. ما لناش أرض،  وصرنا لاجئين. ”
ونعود للسيد مصطفى: وبعدين ؟ ” فأجاب:
” بعدين حطينا محل ما إنت شايف اليوم. أملاك متروكة تابعة للحكومة. براكية صغيرة ساترتنا. عمري كان 16 ستة. اشتغلت بقطف الزيتون. قرشين فلسطيني  للكيلو. أقطف 50-60 كيلو في اليوم, جنيه وعشرين قرش , نعمة من الله ! ” فسألت: كانوا يكفوا؟ فأجاب:
” معلوم بكفوا. كان كيلو البندورة  بثلاث قروش. كيلو الخبز بسبع قروش. كنت تقدر تعيش “. وأضاف: ” اشتغلنا عند المطران, كان وكيله ” طَبَر ” , أب جوزيف اللي شريك في فندق ” جراند نيو ” بالناصرة.  كنت عامل وحجّار. جنيه ونصف باليوم. وبعدين وين يصح إلنا شغل نشتغل. نوخذ ” إيشور ( تصريح ) من الحكم العسكري, ومكتب العمل.”
البيت الجالسون فيه من ثلاث طوابق،  له ولأولاده.  وأقرباءه مقابله في بيتٍ آخر لا يقل عن هذا.  فتساءلت كيف،  من معاش عامل؟ لم يزعجه السؤال:
” الدولة سمحت إلنا بنصف دونم. إشتريت دونم تاني. حصل إلنا مشاكل كثيرة مع دائرة أملاك الغائبين. المهم نْـثــبـت الأرض اللي اشتريتها بالمحاكم. هذا كله بالتدريج.  كان فينا تصميم ما حدا يرحّلنا  تاني. الهستدروت صارت تساعد بدورات تعليمية. كنت شبه أمي, ما بعرف أحلّ الخط. صرت أعرف  أقرأ خرايط,  وأفهم إيش  بده المهندس. صرنا نقدر نوخذ شغل. أولادنا كبروا, وصاروا يشتغلوا معنا. بركة من الله .”
كان يهمني معرفة تفاصيل عامة عن حياة القرية. فهمت أن المجيدل  كانت تعاني من مشاكل مختلفة, وأن القرية كانت تشتهر بالقسوة, وسفك الدم. فأيد مصطفى ذلك:
“ما تسألش. كانوا  يقتلوا بعضهم البعض. العِيــَـل الكبيرة دايما  في  مشاكل بينها. مصاروة, واكد, عباس, كلها تتصارع  على الزعامة. الفقير بيناتهم  ضايع. أبوي كان دايماً يحكي لنا. الفقير دايما رايحة عليه.
” كانوا يخربوا ماسورة البترول   على المرج,  ويديروا النار فيها. الأثر يدل على المجيدل. ييجوا الإنكليز يلمـُّوا الناس. يعطوا كل واحد  ” كريك “, ويخلوهم يقطعوا الصبر. ويخلوا الناس تمشي على الصبر. ويفرضوا غرامة على البلد. يدور المختار يلم المصاري للغرامة. هذا كبير لا تْروحوا عليه. هذا ثاير ( ثائر ) لا تِــقربوا منه. كان البسيط اللي مثلنا هو اللي بدفع,  وهو اللي يمشي على الصبر !”
وصمت لحظة, وكأنه يتذكر آلام والده, ثم استأنف:
” بالبلد كان  في مختارين. واحد للمسلمين, وواحد للنصارى. يوم من الأيام نزلوا جماعة على بقر البلد  وهو بايت بالمرج. أخذوا البقر. وكان الناس مجتمعين عند مختار المسلمين. أجا مختار النصارى  وقال،  وهو ما بعرف إنه كان  في الجلسة ثوار مع الجماعة.  قال: حيشا من قبالي ها لكلاب،  راح أطلع الناصرة وأعطى خبر عَ  اللي أخذوا بقرنا !” طلع للناصرة. لحقوه. دخل عَ  المسكوبية. حكى اللي قدّره الله عليه. روّح  وهم وراه.  فات عَ الدار. بقي واحد مراقبها. أجو الثوار بالليل. دقوا عَ  الباب ما كان في كهرباء ولا شي. كان سراج.  فتحت مرته الباب.  فتشوا البيت بالسراج. ما لقوه. طلعوا. اللي كان يراقب رجّعهم.  قال لهم ما طلع,  لِسّاه جوا.  فتشوا مرة ثانية، لاقوه مِتخبّي في الخزانة. ناس بتقول في الخابية. طلّعوه.  كسروا إجريه  وإيديه.  قتلوه  قدام البيت ومرته وبنته  الصغيرة واقفات. مرته لحقتهم تصرخ:  يا ويلكم من الله. قتلتم الزلمة، ومبارح كنتوا توكلو من أكلنا !  قتلوها.”
ساد الصمت قليلاً. رغم فضولي لمعرفة المزيد،  صبرتُ عليه ليتكلم من نفسه. ظهر أني قد كشفت غطاء قدرٍ يفور.  استأنف:
” بدي أحكيلك نادرة عن الأحوال كيف كانت عندنا. أجا واحد  بدو يوخد خليل السليم. يظهر إنه كان يتعاون مع الانكليز. الله أعلم.  قامت مرته زقَــت عند جار إلها اسمه ” حسن عروق “. كان لا بس شنته ( جلباب ) . بدو يلبس ثيابه, ما قدر من الخوف. المهم تشجع وراح  معها. دخل وصار يْـهلّل فيهم. يالله. يالله. الزلمة طالع معكم. بس بدنا ناكل أول. ولا ممكن تروحوا من دون أكل !”  ومن تحت بطنه ودّا لمختار المسيحية, كان وقتها ” فرح الخوري “. قال له: هاي  12 ثاير جايين لعندك. فرح مرتاح والله منعم عليه. حضّر حالك وِكْرمهم. وإذا ما بدك ييجوا لعندك،  إبعت لك ذبيحة, وكيس رز،  وسبع ثمان فرشات لبيت خليل السليم. المختار أرسل المطلوب. فرش حسن الفراش للثوار،  ووصّى مرته,،  قالها:  اسمعي،  لما بستوي الأكل،  بتدخلي وإنت بْـتضربي كف على كف،  وبتصرخي وبتقولي: إلحقوا حالكوا.. البلد مطوقة من الانكليز!  بصرخ عليكي،  وبقول شو يا مَرَة؟  بتقولي الإنكليز طوقوا البلد. إلحقوا حالكم. وهيك صار. الثوار  حملوا حالهم,  وعلى الخِلّة   يا شباب “.
وبالطبع بقيت الوليمة من حظ عروق وعائلته.  لم أستطع إلا الضحك. إنّه لإنجازٌ فعلاً,  أن تُـنجّي أحداً من الموت،  وتحتفل في نفس الوقت بوليمةٍ دسمة،  ويبقى في بيتك بقية الأرز.
————
ذكر لي السيد ” صبحي خوري ” عن  مقالةٍ  كتبت بالروسية, ونشرت في  “السنمار الروسي ” سنة 1889, بقلم ” سليمان قُبعين “, وترجمها عمر محاميد, ونشرت في صحيفة الاتحاد الحيفاوية,  قال فيها أن أول مدرسةٍ  روسيةٍ  أُنشئت في فلسطين كانت في المجيدل. وحولني  السيد خوري إلى الأستاذ المتقاعد ” موسى نصار” من المجيدل،  ولكنه ساكنٌ في ” بيت ساحور “،  في الضفة. اتصلت به,وزرته،  وتبين لي أن الأستاذ يحتفظ بالمقال لكتابٍ  يُحضّره هو عن قرية آبائه وأجداده. قلت له : ” كتابك بالمقال أبدى، إحتفظ به.” دردشنا مطولاً  وأخذت منه عدة انطباعات،  وحكى لي عن زيارته لأقربائه في إسرائيل بعد احتلالها للضفة:
” لقيت وضعنا في الضفة أحسن كثير من وضع العرب في إسرائيل. لقيت أقربائي وأهلي في الناصرة  أحسن واحد فيهم ” طوبارجي “. الناصرة كان فيها 40 ألف،  الجامعيين  فيها على أصابع اليد.  بيت ساحور كان فيها 5000 , الجامعيين فيها أكثر من الناصرة وممكن من الجليل كله ! ” وسألت:
” خسرتوا  كثير في المجيدل ؟ ”  فأجاب: ” شو خسرنا بالنسبة لغيرنا؟  غيرنا خسروا كثير ! بس أنا خسرت خسارة مزدوجة –  خسارة المجيدل،   وخسارة  كبيرة في بيت ساحور. صار عندي القناعة إنه الفلسطيني مشكلته واحدة,  فين ما يكون.  أنا استلمت إدارة المدرسة اللوثرية في بيت ساحور من سنة 49. ولما قرّبت أنحال على التقاعد، صرت أفكر وين بدّي أسكن. البيت  للمدرسة.  لي صديق ألماني عرض إنه يْـأمّن لي قرض أبني فيه. ما كذّب خبر،  حصّل لي قرض لست سنوات  بِ 50 ألف مارك. سعر الأرض في بيت ساحور غالي. قلت اشتري بأطراف البلد. راح ثلاث أرباع القرض ثمن دونم أرض. بعد أسبوعين بالضبط, أعلن الجيش منطقة الأرض مغلقة كي تقام  مستوطنة يهودية فيها! ما بكفي راحت أرضنا بالمجيدل،  راحت الأرض الثانية، وبقيت أسدّد القرض ! ”
وانتقل الأستاذ أبو موسى إلى قصةٍ لا تقل إثارةً  عما سمعته. وهي أنه لما سنحت له الفرصة لزيارة قريته بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة،  هاله ما رأى. وجد أن القرية قد أُزيلت من الوجود،  ولم يبق إلا ديرٌ للفرنسسكان يقع على الشارع العام حيفا – الناصرة. والكنيسة الأرثوذكسية قبالة الدير، وبعض أشجار الصبر، شعار القرى الفلسطينية المدمّرة. تألّم بشكلٍ خاصٍ  لما ألمّ بكنيسة حداثته،  إذ أصبحت ماخوراً للبقر. أخذ يتجول بين أشجار السرو, المزروعة على آثار قريته لإخفائها عن الوعي،  وإذا بواحدة من اللوحات الحجرية التي تُنصب بأسماء المتبرعين للصندوق القومي اليهودي. وجد أن الغابة الصغيرة هذه قد تبرّع  بها ملك السويد, جوستاف.   رجع إلى بيت ساحور،  وقد عز عليه أن السويد,،  البلد المحايد،  يتبرع ملكها  لتغطية دمار قريته بالشجر. فأرسل مقالاً  لمجلةٍ ألمانية يراسلها باستمرار،  يعتب فيه على السويد،  وعلى ملكها،  وعلى العالم كله لتبرعاتهم لتغطية جريمة تدمير قريته والقرى الفلسطينية الأخرى. أثّـر المقال في قراء المجلة الألمان،  وأثار أصداءً  في السويد نفسها،  وإذا بوفدٍ سويديٍّ – ألمانيٍّ  تلفزيونيٍّ وصحفيٍّ  يزحم عليه بيته،  ويلح عليه بالأسئلة: أصحيحٌ ما كتبت؟ هل تستطيع أن تُرشدنا إلى اللوحة ؟
وهكذا انطلق الوفد  والأستاذ إلى المجيدل،  وأوصلهم إلى بناء الكنيسة المهجور،  ورحّبت بهم بقرةٌ  أطلت من الباب،  وحيـّت الوفد بتحيّة منغّمةٍ،  ورائحة روث البقر تملأ المكان. فالتقطوا صورا  للبقرة ” الضاحكة “،  وللكنيسة،  وللشعارات والعبارات غير اللائقة المكتوبة على الجدران الداخلية,، ومن هناك توجهوا للوحة,، والتقطوا عدة صورٍ لها،  ومن عدة زوايا,. وقَــنعوا أن الأستاذ لم يكتب سوى الصدق,،  ولا شيء إلاّ الصدق،  وأحياناً يكون الصدق غير مصدّقٍ.  وأُذيع البرنامج من ألمانيا والسويد في وقتٍ واحد، وأخبره صديقٌ من ألمانيا أنه كانت تجري إعادة البث  كل ستة أشهر،  وأرسل له شريط فيديو لما أُذيع.  وإن رغب أحد من القراء في مشاهدته،   فليأخذ معه جهاز فيديو إلى بيت الأستاذ،  إذ لم يستطع بعد شراء جهاز فيديو ،  يكفيه فخراً  أنه قد سدّد أقساط الأرض المصادرة.
كتاب :
المجيدل. موسى نصار.
——————————————-

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة