محفوظ عبد الرحمن : ذاكرة 56 – بقلم : شوقيه عروق منصور

آراء حرة …
بقلم : شوقية عروق منصور – فلسطين المحتلة …
الشاشة العربية تفتقر الى الفلم الذي يسجل ذاكرة الوطن من خلال كرسي الرئاسة وتنهدات الملك ومغامرة الزعيم  وقسوة القرارات ،  الفلم الذي يسجل  ذاكرة الوطن المعجونة بالحدث وتفاصيله التي تؤدي الى توثيق التاريخ عبر زمن يمنح المواطن الشعور بأنه يملك تاريخه ويستطيع أن يدافع عنه بل يزهو ويفتخر به  .
الشاشة العربية لم تهتم بتوثيق السيرة الذاتية للرؤساء والزعماء العرب ، لم تهتم بتسجيل الأيام واللحظات الهامة في تاريخ شعوبها ،وذلك لعدة أسباب منها الانانية التي تميز الأنظمة العربية وعلى رأسها الرئيس أو القائد كأنه ظل الله على الأرض ، لا ننسى الصراعات السياسية بين الأصدقاء والثوار الذين قاموا بالانقلابات ، فكل واحد يبدأ بأكل الآخر أو زجه في السجن أو نفيه ، عدا عن أن الزعيم العربي ما ان يجلس على الكرسي حتى يبدأ بشتم واتهام من سبقه بالديكتاتورية – كما حصل مع الرئيس أنور السادات بعد رحيل جمال عبد الناصر –  وغيره من الرؤساء.
لذلك الشاشة الفضية حذرة في تعاملها مع التاريخ العربي الحديث ، وهي تمسك شعار التاريخ يكتبه الأقوياء ، والذي يملك المال يستطيع السيطرة على الذاكرة وشراء الشاشة الفضية والصغيرة .
واذا اردنا اخراج بعض الأفلام  من صندوق الذاكرة  والتي تهتم بالسيرة الذاتية السياسية لوجدنا القليل جداً ، ففلم “عمر المختار “الذي سجل حياة الثائر الليبي تم بإخراج أجنبي بطولة انطوني كوين ، وفلم ” السادات”  الذي قام به الراحل أحمد زكي سجل مسيرة الرئيس أنور السادات  مع بعض التحفظات التاريخية والتي اعتبرها النقاد نوعاً من المجاملة السياسية من قبل الرئيس مبارك ، ولا نريد ذكر فلم “ناجي العلي “للفنان نور الشريف لأنه يتطرق الى حياة رسام كاركاتير في مواجهة الواقع الفلسطيني والعربي .
في لقاء مع الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن ضم زوجته الفنانة سميرة عبد العزيز قبل عدة سنوات  دار الحوار بيني وبينه  عن فلم ناصر 56 الفلم الذي رصد بشكل دقيق تأميم قناة السويس وتلك الساعات الحاسمة في تاريخ الثورة المصرية ، حيث كان التأميم جزءاً من حرية الشعب المصري وقرار الخروج من مستنقع الاستعمار البريطاني الذي كبل اقتصاد مصر من خلال اتفاقيات تسودها المؤامرات.
الجدير بالذكر ان الكاتب محفوظ عبد الرحمن الذي رحل حديثاً عن عالمنا ، كان أول كاتب سيناريو يرصد هذا الحدث الهام في تاريخ الشعوب العربية ، حين فاجأ جمال عبد الناصر الاستعمار البريطاني بقرار التأميم وكيف كان الرد العنيف من قبله جراء أصابته بصدمة نتيجة هذا القرار الذي لم يتوقعه من المصريين الضعفاء  .
لقد أظهر الكاتب محفوظ عبد الرحمن عظمة الرئيس جمال عبد الناصر في موقفه السياسي  وسلط الأضواء على جمال عبد الناصر الانسان مع اسرته وأصدقائه ومع مجموعة الضباط الاحرار الذين شاركهم في التفاصيل الدقيقة وكيفية مواجهة ديناصورات وحيتان الاستعمار.  وبكتابته سيناريو التأميم رمم ذاكرة المواطن العربي الذي نسي في غمرة الأحداث هذا التحدي الكبير الذي قام به الرئيس المصري عام 56 ، حيث اعتبر حينها قمة المواجهة والطيران خارج سرب الذل والانحناء والطاعة.
رحل الكاتب محفوظ عبد الرحمن تاركاً عشرات السيناريوهات التي دخل من خلالها التاريخ العربي فكتب فلم ” القادسية ” و مسلسل ” سليمان الحلبي ” الثائر السوري الذي قتل الجنرال كليبر ، وكتب ” ليلة مصرع المتنبي ” و ” ليلة سقوط غرناطة ” ولا ننسى مسلسل ” أم كلثوم ” و” حليم”  وغيرها من المسلسلات الاجتماعية المصرية مثل ” بوابة الحلواني ” و ” الكتابة على لحم يحترق ” .
خلال اللقاء مع محفوظ عبد الرحمن أكد لي أنه  درس جميع الكتب التاريخية التي دارت حول التأميم واستعان بالصحف والمجلات الصادرة آنذاك ، واستطاع  تخيل الأحداث لكنه ولم يتوقع هذا النجاح الباهر للفلم ، خاصة من الأجيال التي لم تعاصر جمال عبد الناصر بل ولدت بعد رحيله ، وعندما كان يرى طوابير الشباب وهي واقفة أما شباك التذاكر لشراء تذكرة دخول الى السينما كان يقول شبابنا بحاجة الى شعلة تفاؤل ، الى قوة قرار الى صوت يحلق في سماء الكرامة والاعتزاز .
رحم الله الكاتب الشجاع محفوظ عبد الرحمن الذي ادرك ان صفحات التاريخ يجب أن تُفتح وإخراج الصور التي تتحدى الواقع الصعب .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة