حكايات الطير والحلم المتجدد: «ساعة أمي وبقجة عرسها وغطاء سريرها» بقلم :د . فيحاء عبد الهادي

فلسطين …
د. فيحاء عبد الهادي – فلسطين المحتلة ..
ما الذي حمله المهجَّرون معهم لحظة التهجير؟
سؤال رئيس طرحته باحثات “الرواة للدراسات والأبحاث” على الرواة الذين فتحوا قلوبهم وعقولهم؛ ليرووا ما حدث معهم يوم التهجير عام 1948، ومن اللافت أن جلّهم لم يستطع حمل أي من المقتنيات الشخصية. اعتقدوا أنهم يغادرون بيوتهم لمدة لا تتجاوز السبعة أيام؛ وإذا بها تتجاوز السبعة شهور، ثم سبعة أعوام؛ لتتجاوز قريباً من السبعين عاماً. القليل منهم تحدث عمّا حمل، من بعض الأموال، وبعض المصاغ الذهبي، وبعض الأثاث، وبعض المقتنيات العزيزة.
حملت “فاطمة نخلة شراكة” فساتين جهاز عرسها، وملابس زوجها معها في رحلة التهجير، من بيت نبالا، إلى كوبر إلى مخيم الجلزون:
“بَكينا عِرسان جْداد، وتِشسوِه بْحالها، الأواعي 7 ثياب بيض، وبعدين ثوب دجاني من بيت لحم، أواعي الزلمة بدلاتُه، بكى يلبس كنابيز، دمايات وجاكيتات، حطناهن في هالتشيس، كعدنا بطلع 20 سنة ما شرينا قماش، ولا جبنا إشي، نظل نلبسهن”.
كما حملت مصاغها الذهبي، الذي شكَّل عوناً اقتصادياً للعائلة. باعها الزوج، وأسَّس ملحمة، أصبحت عمله الرئيس وعمل عائلته:  “الأساس المخمّسة والذهبات والوقاه”.
روت “عفيفة قهوجي سفري”، التي هُجِّرت عائلتها من يافا، وأقامت في تشيلي؛ عمّا حدث مع عائلتها،  وكيف تعرَّضوا للقنابل؛ فتركوا كل ما لديهم على حاله، وسافروا إلى بيروت. رغبت والدتها في حمل طقم الفضة، وقطع من البورسلين، والسجاد العجمي؛ لكن الوالد أقنعها بترك كل شيء؛ خوفاً من غرق السفينة المسافرة إلى ميناء بيروت، وإيماناً بأن سفرهم لن يطول. كما روت عن صديق والدها الذي قتل حين فجَّرت القوات الصهيونية الشاحنة التي ضمَّت عائلته ومقتنياته:
“البابا ضلّه صابر لوطنيته لآخر ساعة؛ لحدّ ما صارت خطرة الحالة كتير. في يوم وصلت رصاصة دمدم بين البابا وخالي، وساعتها صمَّموا على السفر؛ لأنو الإنجليز كانوا يرموا القنابل، ويحطّوا الرَّعبة في الناس لحدّ ما يطلعوا، وهادا كان اتفاقهم مع اليهود، إنُّه العرب تترك يافا على مهيّة بيوتن، وأشغالن، ودكاكينن، وممتلكاتن، ويجوا اليهود يستحلّوا، قصد الإنجليز يفَضّوا يافا، مثل ما قال واحد من اليهود: (بدنا بلاد بلا شعب، لشعب ما إلو بلاد). وهادي كانت الـ estrategia تبعت الإنجليز. سَكّرنا الباب والمفتاح معانا، وطلعنا على بُنا نقعد جمعتين تلاته، بعدين بْنرجَع، وصار إللي صار. رحنا على المينا وسافرنا ببابور، كانت ليلتها 4 أيار سنة 48 كان لسَّه برد، وشتا، حطونا على ضهر البابور ورحنا من يافا لبيروت. عرفنا عن خبر صديق للبابا طلع من يافا بِترَكّ وماخِد كل عفشو وهو طالع من يافا، كانوا اليهود حاطين قنابل، وانقلب التركّ اللي كان فيه، إنقتل، وعيلته تجرحوا، وصار هادا الخبر بيافا؛ بطَّل حدا يقدر يطلع من يافا وياخد عفشُه معاه، لأنو الناس صار فيهم الرعب من هالخبريِّة”.
*****
تفاعل بعض الأصدقاء ممن سمعوا عن قرب تنظيم معرض “قول يا طير”، في متحف محمود درويش في رام الله 13-23 آب، وعن المساحة المخصصة لعرض مقتنيات لعدد من الرواة. وصلت ساعة يد “عبلة التميمي” المهجَّرة من حيفا، من ابنتها “مها” المقيمة في رام الله، ووصل من عمان، غطاء سرير “زبيدة الحاج”، المهجَّرة من حيفا، بواسطة ابنتها “حنان”، ووصل فستان زفاف “إسعاف نجم الدين جراح”، المهجَّرة من عكا، هدية من ابنتها “أسمى”، وطار من لندن غطاء سرير “ذا النون أنيس جراح وإسعاف نجم الدين جراح”، بالإضافة إلى قبعة الروائية “سلوى جراح”، المهجَّرة طفلة من عكا، مع رسائل جميلة ومؤثرة صاحبت المقتنيات:
“رحلت عبلة التميمي (أمي) وبقيت ساعتها الماسية، أخبئها كجوهرة فيها سحر حيفا، وأتفقدها بين يوم وآخر لأني أخاف من ضياعها. ساعة أمي توقفت عن العمل، وأمي توقفت عن الحياة، لكن نداء أمي الاخير .. حيفا ..  أخاله دقات قلبها ودقات ساعتها حاضرة في ذاكرة  فردية وجمعية بانتظار حلم العدالة الجميل”.
مها التميمي – رام الله
*****
“أضع بين يديك مساهمتي في المعارض التي تنظمونها عن تاريخنا المحكي الذي تناقلته الأجيال.
غطاء سرير عرس أمي وأبي في عكا في الثاني والعشرين من شهر تشرين ثاني عام 1945. غطاء السرير من الساتان القطني المطرز، مع مخدتين مثلثتين بنفس التطريز ومخدتين طويلتين كانت تسمى مداحل وبقجة من نفس القماش والتطريز لوضع قميص نوم العروس.
في عام 1970 في 15- 10 تزوجت في بغداد ابنة إسعاف البكر سلوى من شاب عراقي مصباح كمال وأهدت إسعاف ابنتها غطاء السرير لتفرشه في بيتها. وظل بحوزتها حتى اليوم. كما أهدتها ما صنع في عكا لجهاز مولدها في 15-12-1946 غطاء سرير طفل من الحرير الزهري الفاتح مع وجه مخدة وقبعة من الحرير الأبيض. هناك أيضاً غطاء لصينية من الكتان الزهري مع ست فُوَط من تطريز إسعاف نجم الدين جراح حين كانت طالبة في مدرسة البنات في عكا. هكذا حكت لي أمي وها أنا أنقله لكم كما سمعته منها”.
سلوى جراح،  لندن 29-7-2017
*****
“رسالة مفتوحة إلى أمي، إسعاف نجم الدين جراح،
علمتِنا أن نحب تلك المدينة البعيدة، ونتحدث عن مطحنة أبيك في السوق العتيد وبيته خارج السور. حفظنا منك الحكايات وسمعنا الأغاني التي كانت تنطلق من الراديو في قهوة حابو على الشط الغربي.  وظلت فلسطين وعكا الحلم الذي لا يبهت في ذاكرتك. لكن رغم الغربة الطويلة يا أمي عادت حكايتك إلى فلسطين. فأنت اليوم يا أمي، واحدة ممن يقول عنهم “الطير” في متحف محمود درويش.  فستان عرسك وغطاء سريرك وأشياء من صنع يديك وبعض جهاز ابنتك البكر، معروض هناك. صدقيني يا أمي رأيت بعيني الناس يتأملون أشياءك ويسجلون تفاصيلها بعدسات كاميراتهم، ويترحمون عليك وعلى أيامك في فلسطين. أنت الآن يا أمي في فلسطين تتجددين مع كل كلمة يقولها “الطير”.  تجددي يا أمي وافرحي ولترفرف روحك على الأرض التي أحببتِها”.
سلوى ذاالنون جراح

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة