تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة …
بقلم : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك
قصة تقول أن امرأة اضطرها العوز أن تبيع ” عود ” زوجها الذي كان يعمل في فرقة موسيقية قبل رحيله ، حملته وعينها تدمع إلى السوق والأمل يحدوها بأنها ستعود ببعض المال يسد عوزها . انتظرت ساعات ولم يُعرض عليها سوى 10 جنيهات ، ثمن بخس بالنسبة لهذه الآلة الموسيقية ، كادت أن تقبل وعينها تذرف الدموع ، لكن الحال تغير عندما مر أحد هواة الموسيقى من أمامها وعرف قصتها ، أخذ العود وابتدأ يعزف لحناً رائعاً ، تجمع الناس حولهما وعندما انتهى من عزفه ، نهض الرجل وصاح ، من يشتري هذا ” العود ” الذي يعزف الألحان الرائعة ، حماس شديد للحصول عليه رفع سعره إلى ” 1000 جنيه ” ، جلس الرجل ثانية وعزف مقطوعة أروع صفق لها الجميع ، نهض ليعلن أنه لن يقبل أقل من ” 2000 جنيه ” ثمناً لهذه الآلة الرائعة ، تسابق أكثر من شخص لشرائه ، أعطى الرجل النقود للمرأة وهي مندهشة أن العود أتى لها بهذا المبلغ ، قال لها الرجل أن أي شيء نعرف أن نخرج الجمال الذي فيه يمكن أن يصنع المعجزات . أبحرت بي هذه القصة إلى اتجاهات كثيرة ، ذهبت بي إلى بلادنا وكم الثروات المدفونة في العقول والحكومات بدلاً من أن تهيء لها الطريق لتسير وتحقق المعجزات تعرقلها وتضع أمامها المعوقات التي تصنع حاجزا أمام كل فكر يمكن أن ينجح ، ليس مبالغة ما أقول ، الكثيرون ضاق بهم الحال وسُدت أمامهم الطرق فخرجوا وأصبحوا علماءاً وأفادوا البلاد التي نزحوا إليها ، الكثيرون أيضاً تحكمهم الأصالة عادوا إلى وطنهم الذي لم يهتم أن يخرج الجمال الذي بداخلهم ليفيدوه من الجمال الذي نبغ في دولة أخرى ، الأمثلة كثيرة ،لا تعد ولا تحصى وقد يكون خير مثال لها الدكتور مجدي يعقوب والدكتور أحمد زويل ، وللأسف حتى الآن الألات الموسيقية البشرية موجودة بالعقول ولا تستفيد منها الدولة في منظومة تعليمية وثقافية فاشلة ثم نسأل لماذا نحن لا نتقدم ، لماذا هذه العقول لا يتعدى ثمنها 10 جنيهات في بلدها ؟! ، وعندما يخرجون إلى العالم الذي يستطيع العزف عليها ترتفع أثمانها إلى مالايقدر من المال ، كارثة اللامبالاة بالعقول في بلادنا أهدرت الكثير من الثروات العقلية البشرية فهربوا إلى الخارج بكل ما يمكن أن يُعزف عليها من مقطوعات علمية رائعة ،  كم من شباب صغير قدم اختراعات لا تنقصها سوى لمسات طفيفة لتتحول إلى اختراعات كبيرة ولم يجد سوى الإهمال فتلقفتها أيدي الخارج لتعزف عليها مقطوعة موسيقية رائعة ، نحن لا نعرف سوى معزوفة الفشل مثل هذا الجنرال الذي أضحكنا كثيراً بمخترعه الذي يقضي على فيروس سى ويصنع منه أصابع الكفتة ، كم رُوجَ لهذه المهزلة وقتها لتقول في النهاية أن الرؤوس بلا عقول ولا يمكن أن يُعزف عليها سوى مقطوعات الفشل . الكثير في حياتنا يمكن أن يكون آلة موسيقية يمكن أن تكون بلا ثمن كآلة جامدة ، لكن بمجرد أن نحسن العزف عليها ترتفع قيمتها ، أولادنا ألات موسيقية جميلة تحتاج إلى مجهوداتنا جميعاً لكي نستطيع أن نخرج منهم أجمل الألحان ، المنزل والمدرسة والمجتمع وكل وسائل الدولة التعليمية والثقافية يجب أن تكون في خدمتهم ، لا يجب أن نجعل ثمنهم يتوقف عند 10 جنيهات .
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة