العلمانية والدولة المدنية – بقلم : ابراهيم ابو عتيله

دراسات …
بقلم : ابراهيم ابو عتيلة – الاردن …
يكثر الحديث هذه الأيام عن العلمانية وعن الدولة المدنية ، حيث تدور هنا وهناك رحى معارك لفظية مستعرة بين المؤمنين بالفكرة وبين معارضيها ، ومن خلال متابعة تلك الحوارات والكتابات فإن الذاكرة تعود بي إلى مقاعد الدراسة عندما كان المدرسون يكرهوننا بالعلمانية ، فيما لم يكن أحد منهم يتطرق للدولة المدنية – ربما لجهلهم بها- ، فمدرسي التاريخ كانوا يربطوا العلمانية بالأتاتوركية وكراهية العرب والعروبة كما تعادي الدين الإسلامي بإنقلابها على الخلافة المندثرة ، أما مدرسي التربية الاسلامية فكانوا وبلا شك يكفرون العلمانية والعلمانيين حيث كان البعض منهم يصف العلمانية بالإلحاد وينعتونها بأقسى العبارات التكفيرية .
نشأت في مثل هذا الجو من التكفير، ولا أشك لحظة بأن شيئاً ما قد تغير منذ ذلك الحين ، فالتكفير نهج يستخدمه منغلقي العقل من مروجي الدين السياسي وممن يعتبرون أنفسهم أوصياء على معتقدات الآخرين ، ونتيجة لذلك فقد انعكس هذا الأمر على العامة وأصبحت العلمانية رمزاً من رموز الكفر والإلحاد ، ومع كل ذلك لم يقم أحد ممن يكفر العلمانيين ببذل أدنى جهد لمعرفة ” ما هي العلمانية ” فالعلمانية في نظرهم شيطان لا تقبل توبة منه.
أدرك بأن الكثيرين قبلي قد تطرقوا لموضوع العلمانية واعتبارها أحدى مرتكزات الدولة المدنية، كما وأدرك جيداً بأنني قد لا أضيف جديداً ولكن من كثرة ما ألاحظه من حملات التكفير وسوء الفهم يجعلني أكتب في الموضوع فالنقد والمعارضة والتهجم والتكفير أمور ناجمة عن ضحالة التفكير وقصر النظر وهو منهج ستخدمه تجار الدين لترويج أفكارهم ، فالعلمانية  Secularism هي معتقد وطريقة تفكير تقضي بعدم جواز تدخل الدين بالأمور السياسية  وبمعنى فصل المسائل السياسية عن عناصر الدين وهي اي العلمانية لا تتعارض مع الأديان ولا تعارضها بل تعتبر المعتقد الديني أمر خاص بكل شخص كما لا تتدخل بالشؤون الدينية وتحترم الأديان كافة على حد سواء .
أن ظهور العلمانيّة في أوروبا كان لها تأثير كبير على الحياة  السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها مما ساهم في تطور المجتمعات الأوروبية بشكل عام ، ويعود السبب في ظهور العلمانية هناك إلى الصراع الذي كان قائماً بين رجال الدين في الكنيسة وبين العلماء ، ففي الوقت التي كانت الكنيسة ورجال الدين يتبنون ويؤمنون بمَجموعةَ من النظريّات القديمة ويربطوها بالدين على اعتبار أنها قواعد لا يمكن مسها بحال من الأحوال بل وتكفير كل من يحاول أن يعارضها ، ولعل ما أثبته العلم في ذلك الوقت من أن الكثير من تلك النظريات والأفكار التي يروج لها رجال الدين والكنيسة هي نظريات غير صحيحة قد أدى إلى اندلاع حرب بين العلماء والمفكرين من جهة وبين الكنيسة ورجالها من جهة أخرى ، الأمر الذي أدى إلى تعزيز مكانة الأفكار العلمانية لانجامها مع العلم البين النتائج وأظهر الحاجة الملحة لفصل الدولة عن الكنيسة بسبب التأثير الكنسي على السياسة والاقتصاد علاوة إلى ما اد في تلك الفترة من حروب طائفية بين الطوائف المختلفة .
ومنذ القرن السابع عشر أخذت العلمانية بالانتشار في دول العالم المختلفة فظهرت أولاً في فرنسا وأصبح غالبية أعضاء البرلمان الفرنسي من العلمانيين في عام 1879، واستبدلت التشريعات الكنسية بالتشريعات المدنية وبما يحد كثيراً من تدخل  الكنيسة في شؤون الدولة ، ومن ثم امتدت العلمانية إلى إسبانيا في ظلِّ الحكم الجمهوري ووصلت العلمانية إلى المكسيك لتصبح أول دولة علمانية خارج أوروبا كما اعتمد كمال اتاتورك العلمانية كنهج لتركيا وما زالت هي السياسة المعتمدة على الرغم من توولي السلطة من قبل الأحزاب الاسلامية فيها .
وفي العالم العربي الذي يتسم عموماً بالتحفظ والتدين ، فلقد حاولت الأحزاب القومية وتلك الدول التي انتهجت النهج القومي ، تبني العلمانية والحد من تدخل الدين في سياسة الدولة مع طرح الأفكار الاشتراكية أو ما يسمى بالاشتراكية العربية لتمييزها عن الاشتراكية العلمية ” الماركسية اللينينية ” وتقديم التركيز على الروابط القومية كاللغة والتاريخ والهم المشترك على الدين بين الدول العربية والعمل على التركيز على الجوانب الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية ، حيث رأينا ذلك بشكل أو بآخر في مصر الناصرية وفي سوريا والعراق وغيرهما ، وبالرغم من ذلك فإن محاولات تلك الأنظمة القومية في تبني العلمانية قد باءت بالفشل ، لسبب بسيط وهو أن القائمين على تلك الأنظمة كانوا متخوفين جداً من تكفيرهم من قبل العامة ومن رجال الدين بشكل خاص ، فلم تنجح العلمانية حيث كانت تلك الأنظمة والأحزاب تراهن على العلمانية مع افتقاد اهم شروطها من تطبيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع صاحب ذلك قيام بعض الأنظمة بقمع الفكر المعارض ، فرأينا مثلاً حزب البعث العراقي الذي تبنى القومية قد تفاخر بقيام أمينه العام ميشيل عفلق باعتناق الإسلام قبل موته ، أما في لبنان التي تدعي العلمانية أيضاً فهي علمانية عرجاء لم تتمكن من تخليص البلاد من نظام المحاصصة الطائفية وتوزيع المواقع القيادية تبعاً للطائفة وليس للدين فحسب .
ومن خلال النظرة التاريخية يتوجب التفريق بين:
(1) العلمانية أو( العلمانية المعتدلة ) التي تعتبر الدين من الأمور الخاصة بكل شخص وتؤمن بأن على الدولة أن تكفل حرية الأديان وتوفير الحماية لمعتقديها ودون تدخل من رجال الدين بالسياسة وبمعنى أوضح فصل الدين عن الدولة والسياسة ومنع  التطرف الديني والترويج له بأي شكل .
(2)  العلمانيّة المادية التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين وطالبت بالإلغاء الكلي للأديان وليس فقط الفصل بين الدولة والدين كما في العلمانية المعتدلة ، حيث تعتبر والحالة هذه نوعاً متطرفاً من العلمانية ومن أشهر الدعاة لهذا النوع من العلمانية  كارل ماركس وهيجيل .
وباستعراض بسيط لتجارب الدول التي اعتمدت العلمانية نجد أن تبني هذا النهج لم يحل دون الاعتقاد بالدين كحق شخصي ، بل حافظت الأديان على مكانتها ووجودها ، فالعلمانية أصلاً  لم تطالب بإلغاء الدين بل طالبت بفصله عن الدولة وسياساتها ، وهنا لاحظنا تأثير واضح للأديان في المجتمع في غالبية تلك الدول دون أن يؤثر ذلك على السلام المجتمعي ودون قهر دين لدين آخر ، بل إن الأمر قد تجاوز ذلك حين وصلت الأحزاب الدينية إلى سدة الحكم كما في تركيا مثلاً، أما في الدول التي عملت على تطبيق العلمانية المادية ( الماركسية ) فلم تستطع تلك الدول التأثير على الدين ، فالدين في تلك الدول كان يمارس سراً أيام الحكم الشمولي حيث ظهر ذلك جلياً بعد سقوط تلك الأنظمة  فرأينا مظاهر التدين في مجتمعات تلك الدول ، مع ما صاحب تلك الفترة من تخفيف النهج من العلمانية المادية إلى العلمانية المعتدلة التي تساوي في الحقوق بين معتنقي الأديان المختلفة وتراعي حريتهم الدينية .
ولعل فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة وعدم إجبار أحد على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد بعينه وضمان إحترام كافة الأديان بالتساوي قد أثبت نجاعته في كافة الدول التي تتبنى هذا النهج  .
ومن خلال ما تقدم فقد برز مصطلح ما يسمى بالدولة المدنية ،  والتي من أهم مبادئها أنها لا تعمل على خلط الدين بالسياسة ، كما لاتعادي الدين ولا ترفضه ، بل ويبقى الدين فيها أحد العوامل الأساسية في بناء الأخلاق وتنشئة الأجيال ، ولكن الأمر الذي ترفضه الدولة المدنية هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية بعينها ، أو قهر أوظلم أحد لا لشيء الا لمعتقده الديني، فالكل سواء وكل له الحرية في ممارسة معتقده دون إضرار بالآخرين ، فخلط الدين بالدولة وتغليب دين على آخر يتنافى مع مبدأ التعدد الذي تقوم عليه الدولة المدنية بل إن ذلك يؤدي إلى صراع بين الأديان ويحول الأديان إلى مواضيع خلافية وتفسيرات مختلفة تدخلها إلى عالم المصالح الدنيوية الضيقة وبما يتنافى مع روح الأديان وقداستها .
إن ضمان حرية المعتقد وفصل الدين عن الدولة يعتبر شرطاً من شروط قبول الآخر، وعدم إقصاءه ، وبما يعتبر لبنة أساسية من لبنات التسامح في المجتمع ، ويقود إلى حماية كافة أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية،  ولعل هذا يتفق تماماً مع ما تنادي به الدولة المدنية والتي ترتكز على عدة مبادئ ، وإن نقص أحد تلك المبادئ فإن الدولة لا تكتمل ، ولعل من أهم هذه الشروط :
•أن تقوم تلك الدولة على السلام والتسامح وقبول الآخر.
•ضمان حرية الدين والمعتقد وفصل الدين عن الدولة.
•ضمان حقوق جميع المواطنين والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات.
•ضمان عدم انتهاك حقوق اي فرد من قبل فرد أو طرف آخر.
•وجود سلطة عليا وهي سلطة الدولة والتي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم انتهاك حقوق أحدهم أو تهديدها بالانتهاك.
•الدولة هي التي تطبق القانون وتمنع الأطراف أو الأفراد من تطبيق اي شكل من أشكال العقاب بأنفسهم.
•الثقة بين المواطن والدولة في الشؤون المختلفة .
•الايمان بمبدأ المواطنة،  والذي يعني أن الفرد لا يعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونياً اجتماعياً بأنه مواطن وعضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات يتساوى في ذلك مع غيره من المواطنين.
•  الديمقراطية والتي تمنع  التسلط والقهر وتتيح الحق لكل المواطنين بالمشاركة في صنع القرار من خلال المؤسسات الشرعية
أن الايمان بهذه المبادئ يشكل قاعدة أساسية للدولة المدنية لا بد منها والاتفاق على كونها قواعد وشروط لا يمكن تجاوزها إذا ما أردنا الوصول للدولة المدنية .
ابراهيم ابوعتيله
عمان – الأردن
22 / 8 / 2017

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة