ظِل الوزير بقلم : سعاد الورفلي

القصة ….
قصة بقلم : سعاد الورفلي – ليبيا …
صوت الساعة يلح كثيرا ..إيقاع اليوم يبدو أكثر إزعاجا .. تأرجح الرجل المتكاسل على كرسيه بعد أن وضع علامة مميزة على صفحة من رواية تبدو أوراقها صفراء ..تكهن نهايتها ..أدرج الأحداث في مطوية صغيرة بالقرب منه.. ثم قام وهو يتمطى مثل قط لتوه كان نائما .. من يراه للوهلة الأولى يعتقد أنه يرقص ..أو يؤدي طقوس شعوب المايا ..
الخطوات التي دفعت به إلى أن يجهز إعدادات قهوة بمزاج مرتفع خذلته لتقله إلى شرفة البيت ؛ يطل بنظراته هنا وهناك لعل سلمى ابنة الجيران تبادله نفس المزاج فقد تجسس عليها كثيرا .. وهو يدّعي كرهه للنساء لأنهن يثرن أمزجته البيضاء والسوداء ؛ فيظل حبيس بيته لا يستطيع  إكمال صفحتين من كتاب أو حتى صحيفة شعر الأرملُ -للوهلة الأولى ؛ أنه بحاجة لصوت سلمى وضجيج مكنستها الكهربائية .. وسخطها على الجيران الذين يقذفون بالأوراق والمخلفات يملؤون بها شارع مدينتهم .. هذا الصباح لم يسمع حركة الأبواب ولا شبابيك البيت …
عاد الأرمل خائبا- فهذه المرة- تختلف عن كل مرة .. رغم أنه كما يقول : لقد تخلص من عائلته واحدا تلو الآخر بعد أن غادرته زوجته من الحياة .. وسافر نصف عائلته : أبناؤه وأخوته إلى خارج البلاد ..لكنه مازال يشتاق إلى الضجيج الذي انتقده ذات ليلة في إحدى كتاباته التي تملأ الصحف … كان دائم الحديث عن الضجيج .. وآثاره الانفعالية … حتى أصوات المولدات أفرد لها صفحة كاملة على صحيفة لتوها تنشر عن الأخبار وآخر المستجدات .
ظن في نفسه أنه بهذه الآراء سيتحكم في مسيرة الحياة لدى الناس .. فهو يؤمن بآرائه حتى يكاد _لا يتنازل_ عن فكرة مهما شابهَا من خلل . وكان كثير الخذلان لكثير من الصحف والمواقع التي يراها لا تناسب أفكاره وحروفه .
تسلط الهدوء على أرجاء المكان وزواياه .. لاشيء حوله سوى عقرب الساعة الذي يدور على خجل وحياء منه .. كل ليلة تحاصره فكرة يود من خلالها أن يثقب آذان ونفوس الناس من حوله .

-2-
مرت أوقاتُ متشابهة .. تسلطت  عليه وحدة خاوية … التذّ كثيرا بأحاديث الذين يؤولون لسياسات مستقبلية جوفاء .. كان يستمع إلى حواراتهم السياسية والاقتصادية باللغات كافة ..ولا يتوانى لحظة بمواصلة المكرر منها .. وكان يشعل سيجارته بين كل نصف ساعة .. وهذا أمر قليل ممتد بالنسبة لآخرين ..هذا لأن سيجارته من النوع الممتلئ الذي يصمد ساعات طويلة .. فهو يدخن ..ويشرب قهوته السوداء مدونا بعض الأفكار التي يتابعها خلال نشرات الأخبار العالمية ؛ أو ما يقوم به المحللون السياسيون حينما يحتدم الحوار ويشتعل سعار الأفكار . فتارة يحدث نفسه بخزيهم .. وتارة يصفق كطفل معتوه لوحده حينما تعجبه فكرة أحدهم. .
قبل أن يسمع خطوات أحدهم على رصيف الشارع المقابل لشباك الغرفة الصغيرة التي يجلس فيها ، كان للحن الموسيقى التراجيدي المعلن عن بداية نشرة أخبار لاينتهي الكلام فيها مكررة ذاتها ، مستعذبة  أدوار الشخصيات على كل الأصعدة .. تكررت الوجوه التي رآها ، كأنها أمس ٌ ميت .. لاشيء يدعوه لاتخاذ قرار حاسم . يحدث نفسه : أنه مختلف تماما .. كلما رأى أحد المنتفخي الأوداج .. ممتلئي  البطون ..شعر برجيع يلتهب عبر مريء الصدر يصده القرار الأخير .. ذلك الوعد الذي صاغه ليهدئ من روع النرجسية الطاغية على كيانه الهزيل .
تنحنح كثيرا ..تحول من الموضوع الأول ليتداخل ويتماهى مع اثنين ملآ فضاءه ثرثرة تعست معها الساعة التي تدق بوجل منْبِئَة عن هرم مستفعل ، يقاضي سنوات عمر ضاعت في ترهات خرائط نشرات الأخبار .
يغفو ويصحو على أصوات الضجيج التي تملأ الشارع .. قام ليقفل الشباك جيدا .. فهو ماعاد بحاجة لسماع صهيل الأطفال وكأنها جآذرٌ تتقاذها التلال .. تنهد كثيرا .. غيّر وضع الجلوس .. خطرت في باله أشياء كثيرة .. كان يستمع ويفكر ويتذكر .. وأحيانا أخرى يحاور نفسه منتقدا أولئك الذين تحدثوا (بقلة أدب –بجهل – بكلام حوشي لاطائل من ورائه سوى (شو إعلامي ) .وبعد  تلك الوصلة من الانتقادات المتتالية ..يشعر أنه قال ما ينبغي قوله ؛ يهجم على علبة السيجار متمكنا من قوام  إحداها .. يمتص رحيقها بلهفة عاشق مسه وصب الفراق .
تلك الليلة لم تحسب لوحدته.. فقد قرع أحدُهم باب بيته .. وباستبطاء ..قام متثاقلا ليفتح متسائلا في نفسه : ليس من عادتهم أن يأتيَ أحدهم هذا الوقت ..حتى أنه قال : من هذا اللئيم. ممنيا نفسه أنه بحاجة إلى من يحاججه هذه الليلة .. متوقعا فوزه كما تعوّد في كل معترك حواري .
التقت عيناه بالزائر ..كان حجم المفاجأة أكبر من المتوقع اللامتوقع . يا إلهي … إسماعيل ؟
أهلا بك ..
كيف تذكرتنا يارجل .. ؟
قبل أن يصافحه متعجبا .. هوى إسماعيل إلى حضنه مرحبا ومبديا اشتياقه ..
كان إسماعيل هذا صديق وزميله في الجامعة ..وهو أستاذ جامعي في العلوم السياسية .
رحب به عثمان بعد أن ارتفعت كلفة العتاب ؛ أنه لم يزره منذ حين  ولم يره سوى في مأثم زوجته التي غادرته من زمن ..
سرت قشعريرة في جسد إسماعيل ، شعر أن عثمان لم يتغير ..وأنه الرجل الذي عرفه منذ السنوات الأولى في مهنة التدريس الجامعي ؛ صعب المراس .. لايرد له طلب . وكلماته كطير يأكل من رؤوسهم .
كان الحوار الأول شبيها بحروف تتقاطع وتلتقي عند إيماءة رأس يفهم كلاهما من خلالها ، أنهما اتفقا .. فكان إسماعيل كعادته يعلم أن زميل الجامعة عثمان ، رجل لا يدار الحديث معه عكس الاتجاه .. فهو إما أن تحاديه وإما أن تبتعد عن ساحته مجتنبا غيظه وإما أن تنصت بكل حواسك مركزا في عينيه اللتين اختبأتا خلف نظارة شغلت حيزا كبيرا من وجهه واستدارت حتى نطاق وجنتيه .
قال عثمان : ما وراءك يا رجل ..؟ أرى في عينيك موضوعا يشع ويختبئ !
ضحك إسماعيل حتى أثار الضجيج .. مشيرا إلى متحاورين عبر الشاشة ؛ قائلا : أو تظن أن أحدهم يطمح للترشّح هذا العام ؟
د عثمان بثقة وهو يهُمّ بإشعال سيجارته البنية ، أظن أنك أنت أيضا تطمح لهذا الأمر ..
اعتدل إسماعيل ضاحكا .. رشف قليلا من القهوة التي بدت تبرد شيئا فشيئا ثم قال : ما رأيك أن ندخل النزال ..
أما عثمان فظل مركز النظر على وجه إسماعيل وجسده الذي ارتخى وتهدل في كل موقف يطرأ يحدث منه حركة تعاكس سكون نفس مستقرة .
نفث سيجارته ؛ تكلم بهدوء : أتعتقد أن هذا موضوعا مهما ؟
استعجل إسماعيل الإجابة كأنه لمس في نفس صديقه صعب المزاج ..إيجابا !
نعم .. أهم من كل شيء لاثنين أحيلا على التقاعد !
كاد الغضب أنْ  يبدد الأجواء الحانية بينهما ..لولا تدارك إسماعيل بجملة مقتطعة ؛ فهو كما يعرف .. كيف يعامل صديقه باستدراك ملفوف باعتذار غير واضح :
نعم : لِمَ لا؟ ألسنا خبيرين ؟
ارتخى عثمان على الكرسي .. أبعد نظارته عن عينيه ..فركهما جيدا ، كأنه يستعد للنعاس .. تلقف زميل المهنة الصحيفة التي تقبع على يمين الطاولة … تصفحها
لم يكمل قراءتها بينما ركز على العنوانات المتداخلة ، أراد أن يبدي اعتراضه على موضوع ما ..لكنه فضل الهدوء والتزام الصمت والاحتفاظ برأيه ؛ لأنه يعلم مسبقا لا أهمية لرأيه في هذا الآن …
كان عثمان يتابع ملامحه بصمت ؛فهو قارئ ماهر للوجوه التي تحوم حوله ، وقارئ للغة الجسد..
تابع إسماعيل النظر في ساعته ..جواله ..تجولت نظراته  في الشاشة المزدحمة بالحوارات الساخنة ..
شعر عثمان أن صديق المهنة بات متضايقا ويود الانصراف ! فهو توقع أن يستأذن الآن ..
كانت توقعاته تخدمه بشكل لافت .. قام إسماعيل مستأذنا ومعتذرا للوقت الذي أخذه من الدكتور عثمان ..إلا أن عثمان بادله التحية دون أن يتوغل في مجاملة باردة ،كان يحذر أن يفعلها حتى مع زوجته قبيل وفاتها .. كم تمنت أن يقول لها أحبك ؛ وهي على سرير الموت ..إلا أنه اكتفى بابتسامة خجِلة  ..خذلتها في الرمق الأخير .. كأنه يواريها ترابا أصفرَ بات لتوه باردا منذ فتور تلك اللحظة.

-3-
قالت إحدى الجارات عنهما : لا أدري كيف أنجبوا أولادهم .. لم أسمع يوما واحدا في حياتي حديثا متبادلا بينهما .. كانت نشرات الأخبار وأصوات الحروب طاغية في البيت من خلال البرامج التي تعرض على الشاشة ؛ بل أخذت  مجال حياتهما كله .. فكثيرا ما كانا يجلسان حتى ساعات الصباح الأولى دون أن ينبسا ببنت شفة .. يكتفي عثمان بالتدخين .. بينما تظل زوجته الهادئة تتابع بلا تفسير لكل ما يدور في العالم الخارجي داخل بيتهما الصغير .
الأبناء ما إن وصلوا أعتاب الجامعات حتى تخلص منهم د.عثمان بإيفاد بعضهم وإرسال الآخر لإكمال الدراسة خارج البلد ..وكان يشدد على بقائهم بالخارج حتى وإن انتهوا .
الجارة التي وصفت حياته بالباردة ..لم تكتف عند هذا الحد .. بل تدخلت في شؤونهما الداخلية .. وسرير النوم .. وكيف كان حوار الحميمية بينهما .
فهو يمقت الإقامة بين مثل هؤلاء الناس .. ويصنفهم بالجهلة .. لايحب التعاطي معهم في شؤون الحياة أو مخالطتهم في مناسباتهم بكل أنواعها ..رغم ذلك فقد توافدوا عليه زرافات وفرادى حينما ماتت زوجته .. ولم يبخلوا عليه رغم الفاقة وتدني مستوى التعليم بأن يتكفلوا أمر الطبخ والأكل في كل ليلة .
إلا أنه كان يستقبل كل ذلك على مضض وتوتر وقلق .. ما إن انتهى الأسبوع الأول ..حتى أوصد الأبواب .. وقطع العلاقات .. مجانبا الخوض في أي مبرر أو حديث يطرأ .
خرج إسماعيل يجر خيبة توقعاته بنفاق بارد .. فقد ظن أنه سيستفيد من جولات عثمان التي ناءت بها الساحات والصحف ..كان آخرها لقاء سبّب في إثارة الرأي العام ، ومخاوف من انزلاق قدمه في جوقة المتقدمين بإيقاع حر نحو الترشيح .ماذا لو حدث ذلك ؟
لكن إسماعيل لم يستفد من ذلك اللقاء سوى رأي واحد أفاده ؛ ألا ينفق أمواله في ساحة لن تمتلئ به .
قال في نفسه : كالعادة .. لم أنل شيئا منه ..
ما إن أقفل عثمان الباب حتى تناهى إلى سمعه ، صوت سلمى يبدو أنها رجعت لتوها منذ أيام كانت قد غابت فيها عن البيت .. سلمى امرأة فقدت زوجها في إحدى المعارك .. وظلت معلقة بين الترمل والانتظار .. مرت أربعة أعوام منتظرة فصل المحكمة بالنظر في وضعها .. تعيش مع أمها في بيت تستأجره ..مع أختين إحداهما مقعدة ..والأخرى بلغت من العمر قواعد النساء ..افتتحت صالة صغيرة تصنع من خلالها المعجنات والبقلاوة ، تبيعها للناس لتعتاش من هذا المدخول . لم يكن لأي منهن أطفال .. فقد اكتفين بالحياة مع أمهن العجوز ..التي شغفت بالحديث عن الجيران وأحوالهم .. وعن العواجل على شاشات التلفاز .. كلما رأت ذلك الشريط الأحمر .. ركزت انتباهها ونادت على سلمى لتقرأ لها الوارد والصادر. .
عادت سلمى ..وعاد الضجيج وعادت الابتسامة المهاجرة على وجه الدكتور عثمان .
أقفل الباب بهدوء .. وانتهى به الأمر أن حول الكرسي الذي يقرأ وهو جالس عليه الصحف .. إلى جنان البيت .. ليسمع حوارها أو كما يقال ليسترق السمع دون أن يركز في حديثها ..
كانت سلمى تتحدث كثيرا وكأنها تحدث الجميع .. ودائما ما تسخط على الحياة وما آلت إليه ، دون أن تفسر أو توعز حديثها لقوانين أو مبررات أو حتى تتفهم كلا الأطراف .. كل ما يهم سلمى هو : الحليب .. والخبز .والدينار .. وتوقف المرتبات .. وهو حديث الساعة على كل الأصعدة .. إلا أنها لاتهتم بأي شيء آخر إلا لمن يشبه حالتها من المواطنين . كانت مما تحدثت به أن سخطت على المسؤولين .. والمترشحين للانتخابات وأقسمت أيمانا مغلظة أنها لن تنتخب أحدا .. وأنها تملك نصف الجمهور وكلهم لن يذهبوا هذه المرة . سمع عثمان كل ذلك الحديث .. وفهم ما الذي يحدث تماما . وصعق لحديثها الأخير الذي لوحت به أنها تملك نصف الجمهور .
قال في نفسه وهو يبتسم نافثا دخان سيجارته : سلمى ليست سهلة  .

-4-
مرت ساعات ثقيلة كما- حسبها -عثمان حبسته في سرير غرفته ، فهو لم يستطع القيام كالعادة ..لصنع فنجان قهوة أو حتى الرد على الهاتف ..كانت نزلة برد شديدة .. بالإضافة لغياب جيرانه أهل سلمى عن المنطقة أيضا كان له تأثير واضح على ما يضفي البهجة لحياته . فهناك أشياء يعتبرها كثيرون من زوائد الحياة إلا أن فقدانها سبب طاقة سلبية تسلب كل ما يثير الفرح .

بعد مرور أسبوع ، كاد أن يطبق على صدر عثمان .. وازدادت بحة صوته من أثر الكحة .. شعر أنه من الواجب أن يقوم هذا اليوم ؛ ليمارس رياضته في النادي المحاذي لمقر الجامعة ؛ لعله يلتقي بوجوه تثير في نفسه شيئا من التفاؤل .. ويكتسب حركة بدنية تعيد رطوبة الشباب لأنفاسه .
استقل سيارته … منتقلا من شارع لآخر حتى وصل مدارج النادي الذي امتلأ بأقرانه وزملائه .. قال في نفسه : لن يمر اليوم على خير .. ها قد التقت الرؤوس التي تخلو من الشَّعر ..قالها بصوت مرتفع ممازحا بها زملائه ..فردّ عليه صديقه العجوز جمعة : “وتخلو من الحكمة “.. قهْقهّ الجميع في صوت واحد رحبوا به .. كانوا أكثر منه كلاما وترحيبا وحفاوة .. جلس بوتيرة قلق .. كانت تنتابه حالة من التلفُّت يمنة ويسرة .. بينما استقرت النظارة على عينيه .. وكزه إسماعيل : مالك اليوم ؟
تنهد ثم قال : مررت بوعكة صحية ..
رد جمعة قائلا : عيب يارجل ؟؟ لمَ لم ْ تهاتفنا ؟
استدرك عثمان : الحمدلله  الحمدلله … ابني كان يواصل صحتي وأوصى الدكتور سالم بزيارتي .. لاتقلقوا .
كان متفهما لنفاقهم المكشوف ..ومدركا حجم المصلحة التي تجمع أمثال هؤلاء في زيارة واحدة فقط .. زيارة واحدة ..تكشف كل الأوراق .. تختفي الصداقة … ليتعرى وجه الوقاحة .
اللحظات شاحبة ..كإنسان ملّ الحياة .هو- فقط -مازال يستكشف شيئا جديدا ، لم يكن في متناوله كطبيعة إنسانية .. ثم يمضي كل شيء .
قبل أن يعود الدكتور عثمان إلى بيته الذي أحبه أكثر من نفسه ،والجامعة .. وأحبه أكثر من وطنه .. وزاويته التي تظهر رمادية عند أقصى ركن من اليسار يكتب فيها بلا توقف .. ولا اعتذار أو التماس لعذر ..حتى وصفه أحد الأصدقاء : أنه متخصص في كشف أعجاز المسؤولين الخلفية .. كانت تلك الزاوية ذات يوم ولحظة هي ملك يمينه يصنع فيها ما يشاء حسب وصفه : حينما سأله أحد الإعلاميين الذين يعشقون إثارة الزوابع في المناطق الخالية والإثارة أكثر في المناطق الآمنة أو ما يسمونها الخضراء ؛ قال عثمان لأحدهم وكان يغضبه بأسئلته : أنت تشبه الظربان.. ! وقام من الأستديو دون اعتذار أو عودة كعادة أغلب من يُلتقى بهم ..
وقفت سيارته عند بائع الخضار : همّ باختيار أنواعٍ من الفواكه الصديقة لصحته : موز-تفاع –كيوي – اقترب من البائع ليزنَ الأكياس …
التقت عيناهما .. كانت سلمى مثل التفاحة .. كالطفلة المشاغبة : علا صوتها على أحد الباعة حينما غلا سعر الخضار الذي تنتوي شراءه .. توارى عنها مكررا النظر .. ممتلئة –بيضاء – وجنة حمراء تنم عن أنثى متدفقة .. اقتربت من البائع احتكت أكياسها بفخذه .. تأخر قليلا في إشارة للتأدب معها بأن سمح لها بمكانه . شكرته .. ثم أعادت التفاتتها .. قائلة : جارنا الدكتور عثمان .. كيف حالك ؟
هز رأسه في دلالة أنه بخير .. شعرت أنه لايتكلم مثل البقية ..فلتت منها ضحكة .. ثم همست لصديقتها قائلة : ما أكبر نظارته !
سمعها .. ابتسم وهو ينظر في مؤخرتها .. تنحنح البائع.. اقترب آخذا البضاعة .. أسرع نحو سيارته .

-5-
في الأسبوع الأول كان بيت جيرانه خاليا .. قال في نفسه : هل غيروا الإيجار .. انتقلوا إلى بيت آخر ؟
الحيرة .. والفضول يكادان يقضيان عليه .
دخل مستقطعا وقته على التلفاز .. يقضم تفاحة حمراء ..مستذكرا حوار سلمى ولهفتها على شراء التوت ..
تذكرها وهي تستنشق الفواكه كالتفاح ..
في آخر الليل : كأنه سمع لهفةً وحديثًا متواليًا وصريرَ باب يُفتح .. امرأة مقعدة زغردت .. خرج قلقا : كان الحوار واضحا :
لم تزغردين ..؟
أختها المقعدة تحركت قدماها .. وحكمُ المحكمة ؛ حكم لصالح سلمى ..هي اليوم حرة من الفقد وساعات الانتظار وطوابير الأسماء المعلقة .. والبحث في الصحراء ..وأماكن الجبهات عن جثة زوجها .. لم تترك مقبرةً جماعية أو منسية حتى زارتها . كانت تحبه كثيرا .. واليوم :
لم تزغردين .. قالت لأختها متسائلة .
قالت : تخلصتي من الانتظار .. لن يعود ..هو ليس غائبا .. لقد ضاع من الحياة .. كنتِ تُلحين عليه أن يبقى ولايخرج معهم
قاطعتها : لكنه خرج !
أين هم الآن ؟
تنكروا له ..كلهم قالوا أنهم لايعرفونه..
أجابتها : ولم يقيموا حتى تأبينا كاذبا باسمه ..
حتى إشادة صغيرة أنه كان يداوي الجرحى هناك ..
لم يطاوعك .. قائلا لك : هم خير مني ومنكِ ..
أنت ترابطين أربعة سنوات انتظار .. رغم أنه فضلهم عليك
واليوم …!!
قاطعتها سلمى بصوت متعب مستطيلا  : آهـــٍ آهـــْ .. بالله عليك .. يكفي هذا الكلام.  المهم أنه فُك وثاقي وانتهى كل شيء ..كانت الأم تنصت وأختها .. والدكتور عثمان يستمع بكل جوراحه لذلك الوجع .

-6-
أشهر الصمت ..والفكرة المحتدمة في مخيلة الدكتور عثمان .. استلهمت هذه المرة من شوارع مدينته .. خرج بكامل إرادته ليعلن في مداخلة تلفزيونية : أن الجميع أموات ..وأن الدولة الحقيقية والعميقة هي هنا ..مشيرا إلى الحي الذي يقطنه .. موبخا الذين يعتلون السلطة كما تعتلي القطط أسوار الناس ، تترقب امتناناتهم .
هكذا تحدث .. كانت سلمى ليلتها تستمع إليه بهدوء إلا أنها صرخت في نهاية المطاف مصفقة لذلك الكلام.. تعاليْ يا أمي جارنا الدكتور عثمان قال عن الساسة قططا !! توالت ضحكاتهن .. لكنها لم تستمر ..فقد هدأت بانقطاع الكهرباء ..ادْلهمّ المكان . وفي الصباح … التقى الدكتور عثمان بسلمى حينما كانت تود العودة إلى سابق عملها قائلا :
عفوا ..سلمى أنت ِ معلمة ؟
قالت : نعم ..
اقترب منها وهو يعالج مفتاح السيارة في يديه . سلمى ما رأيك لو نتحول إلى أسرة واحدة . استغربت هذا الرجل كيف يتحدث مثل الناس .. تذكرت أمها حينما قالت : كيف كان يتكلم مع زوجته .
أكمل : وتكملين أنت نصف الجمهور ..
ازداد نظرها .. اقترب منها .. حاولت أن تفكر ..لكنه سد أبواب الفكرة .. لحكمته الضليعة في هذا المجال .
الأيام الدائرة .. والقنوات .. والصحف … وسلطة المجتمع .. وشوارع المدينة .. وسلمى التي بدورها كانت كل تلك السلطة مجتمعة … نصف الجمهور مثل سلمى في تعاسته ..وفقره ..واحتياجاته .. وانتظاره .. وضياع أمانيه ..والمقابر المنسية ..ولافتات المونديال . ومهرجان الشعر العربي .. وصور المنتخبين يتوسطها بأعلى الأصوات وأكملها : الدكتور عثمان … بعد أن حدث الارتباط بينهما تحولت شخصية الدكتور عثمان من العصامي الذي يترفع على الجميع ، ولا يختلط بأحد ممن حوله ؛ صار ممولا من أقرب الناس لسلمى : جيرانها ورفقة الحياة ممتلكا أعز ما لديهم : أصواتهم التي لاتظهر مثله عبر القنوات .. وفي مواقع الحياة الثرية الساخنة بآراء صلعاء يستحيل أن ينمو فيها النمل ..
الدكتور عثمان .. كان بين لحظة وضحاها من مقر إلى آخر .. بينما –طليقته- سلمى تصنع الفوشار لأمها التي صارت تصحو على نشرات الأخبار كل ليلة .. وتقضم الخيبات البيضاء .. بينما أختها المقعدة سألتها عن حكم المحكمة : لصالح من ؟
ابتسمت سلمى وهي تلاعب قطعة فوشار بيضاء : هذه المرة .. ليست للمغيبين … لن يكون الحكم إلا للوزير عثمان .
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة