سمخ – تاريخ لا يُـنسى! – بقلم : فؤاد عبد النور

دراسات …
فؤاد عبد النور – كاتب فلسطيني مقيم في المانيا …
يُـلقي د. جوني منصور ضوءاً على تطور سمخ,  من خلال كتابه القيم عن الخط الحديدي الحجازي,  وأهميته بالنسبة  ل ِسمخ  بشكلٍ خاص.
كانت قرية سمخ الواقعة عند مخرج الأردن من بحيرة طبريا إلى ما  قبل مد الخط الحديدي , كانت قريةً  صغيرةً  وفقيرة. إلا أن هذا الخط غيّر وجه القرية, حيث ارتفع عدد سكانها  إلى 3500 نسمة في العام 1945, وأخذ سكان القرية يعتمدون في معيشتهم على العمل في مصلحة القطارات, والمرافق الخدمية المكمّلة له.
كانت نقطة العبور والحدود بين فلسطين وسوريا عند هذه المحطة, وتم التنسيق والاتفاق بين سلطات الانتدابين البريطاني  والفرنسي على جعل هذه المحطة نقطة حدودية, بدلاً من نقطة الحدود التي تبعد 8 كلم. عن جسر ” أم بطنا ” على نهر اليرموك. ولصعوبة إقامة نقطة حدود هناك, اتفق على سمخ  أن تكون هي النقطة.
والمنطقة عموماً كان يخيم  فيها عرب الصقور, والبشاتوه.
أقامت سلطات الانتداب البريطانية نقطة جماركٍ  ومركز بريدٍ, وقاعدةً عسكريةً بريطانية. وكانت السلطات العثمانية قد بنت رصيفاً عند شاطئ البحيرة جنوباً, ربط بين محطة سمخ وبين مدينة طبريا, ومنطقة الطابغة شمالي البحيرة. وتم تشغيل بواخر سياحيةً  لنقل السياح المسيحيين إلى الأماكن المقدسة في أنحاء بحيرة طبريا. واستخدم أولئك السياح  فيما بعد  القطار للتنقل بين حيفا وسمخ,  ومن هناك ينتقلون إلى طبريا والطابغة. وقامت سلطات الانتداب بتشغيل خط طيرانٍ مائيٍّ حول  بحيرة طبريا.  كل هذه الأمور ساهمت  في تحسين الوضع الاقتصادي لقرية سمخ,  والمستوطنات اليهودية في المنطقة.
ومن تاريخ سمخ  أنها شهدت معركةً ضاريةً بين البريطانيين والجيش العثماني. وقد تحارب الجانبان من حارة إلى حارة, ومن بيت إلى بيت  في قرية سمخ والمحطة, وانتهت بهزيمة العثمانيين, واستسلام 300 من جنودهم, بينما حاربت القوة الألمانية المتحالفة مع السلطنة العثمانية,  حاربت لآخر رجلٍ من رجالها.
بعد انتصار الجيش البريطاني في سمخ,  زحف نحو طبريا مسنوداً  بقوةٍ إضافيةٍ وصلت من الناصرة. وباحتلال طبريا تكون كل فلسطين قد احتلت من قبل البريطانيين.
———-
كشف النائب السوري أكرم الحوراني, الذي كان قد تطوع في القوة السورية لجيش الإنقاذ, في مذكراته من أربعة أجزاء سميكة عن ” توقف الجيش السوري أمام تحصينات خط إيدن “.
كتب في الصفحات 763 و 765 أن الجيش السوري كان من المفروض فيه أن يدخل إلى الجليل عن طريق لبنان,  وأن يزحف على طريق الساحل إلى عكا وحيفا. ولكن صدرت إليه الأوامر بتغيير خططه, وزحف إلى منطقة سمخ,  واصطدم هناك بخط الدفاع المدعو خط ” إيدن “, الذي كان الجيش البريطاني قد حصّنه في الحرب العالمية الثانية لصد الجيش النازي بقيادة رومل, فيما لو نجح في معركة العلمين, ودخل الأراضي المصرية. وكان الصهاينة على معرفةٍ  بقوة هذا الخط الدفاعي,  وعرفوا كيف يصدون الجيش السوري, الذي عجز تماماً عن اختراقه, وتكبد خسائر فادحةٍ, يقول عنها أكرم الحوراني أن أكبر نسبةٍ  من الضباط استشهدوا في هذه المعركة.  كان الضباط السوريين يخوضون المعركة وهم على رأس قطاعاتهم, وعلى ما يظهر لم يكونوا على معرفةٍ  بقوة هذه التحصينات, ومناعتها, خاصة على جيشٍ ناشىءٍ  مثل الجيش السوري,  قليل  الإمكانيات. ووصف عبد الله  التل ( الضابط الأردني )  ما تم بالقول أن الجيش السوري احتل سمخ,  وطرد الإسرائيليين منها, ولحق بهم إلى  مستوطنة ” دجانيا الواقعة في خط إيدن,  واستحال عليه التقدم أكثر من ذلك. ويعزو تغيير الخطة إلى أوامر الملك عبد الله  قائد الجيوش العربية,  وجلوب باشا قائد الجيش الأردني, اللذان أرادا القضاء على الجيش السوري.  وأنهى عبد الله التل تعليقه, بأن الجيش السوري رغم ذلك نجح في الخروج من هذه المعركة بشرفه. كيف؟ لا  يُفسر.
أما ” جوشوا لاندرس ”  فقد ذكر أن السوريين فقدوا حوالي 300 رجلٍ بين قتيلٍ وجريح, وأغلبهم بوساطة رشاشات التحصينات اليهودية. ومع ذلك استطاع الجيش السوري احتلال شريطٍ  ضيق في الشهرين الأولين من الحرب قرب الحمّـة ونهر الأردن.
( يذكرني هذا بخطأٍ أخر ارتكبه  هذه المرة جيش الإنقاذ كذلك –  في الواقع كان بحاجة لمن ينقذه  –  في أول معاركه الجدية في فلسطين، وذلك في محاولته احتلال مستوطنة ” مشمار هاعيمق ” ولم يكن يعرف أنها كانت معسكر تدريب رئيسي للجيش البريطاني، بنى فيها في السنة 1942 مستودعات مُحصنة تحت الأرض لخزن المؤن والأسلحة، تحسباً من استمرار تقدم رومل ووصوله لفلسطين- راجع كتاب ” القائد ”  تأليف  ليلى بارسونز، نشر دار الساقي بالإنكليزية في السنة 2016، الصفحات 224 – 227)
———————
في المسارات المختلفة للجليل  أهتم بذكر أية معلومة أتعرف عليها, أو تصلني, عن جزائريين في فلسطين  بعد أن قرأت مقالاً ” لسهيل الخالدي ” ( من أصلٍ جزائري, ولا ينتمي لعائلة الخالدي المقدسية ). المقال : الجزائريون الذين عرّبوا المشرق. المقال جميلٌ, ومعرفٌ بتاريخٍ يجهله أغلبنا عن دور الجزائريين في فلسطين, هذا الدور الذي دفع ياسر عرفات إلى الطلب الملح من الرئيس الجزائري هواري بو مدين, أن لا يمنح الجنسية الجزائرية للفلسطينيين من أصل جزائري, لأنهم عماد الثورة الفلسطينية.
ولدينا هنا أحد المبدعين الفلسطينيين من أصل جزائري، الشاعر والقاص إبراهيم مالك، الذي يقيم حاليا في مدينة كفر ياسيف في الجليل، والذي هُجِّر من سمخ، وكتب عن معاناته في هذه الهجرة القسرية إلى الداخل، دون حقوق تملك في قريته السابقة، ونستطيع أن نقول لا وفي البلدة التي لجأ إليها. نـُشر المقال في موقع ” ميس ,mace.cc ” ( الموقع متوقف ) , ونظراً لجمال التعابير المتألمة, والحجج الفلسفية التي أثارها, انقله حرفياً هنا:

أنا لاجئ من قرية سمخ
كانت سمخ  قريةً صغيرةً  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, يسكنها عربٌ من أصولٍ بدوية, يخيمون فيها شتاءً. أرضها خصبة وتكثر في سهولها الغزلان والخنازير البرية, ومختلف أنواع الطيور.
وقد نزل فيها في سبعينات القرن التاسع عشر أولاد سيدي يخلف الجزائريون واستقروا فيها. وجاء بعدهم حمولة الهنادي التونسية – الجزائرية.
كانت حقول القصب تملأ السبخة عند النهر, وتــُهيّء ملاذاً  للحرامية وقطاع الطرق. ولكن عندما كثر السكان, وعمّروا المنطقة, انقطعت تلك الظاهرة.
عمل المهاجرون المغاربة والوافدون الجدد في المحطة, وفي إنشاءاتها المختلفة, وغيرها من الأعمال, مما ساعد على ازدهارها وتوسعها, وأصبح لديها مجلسٌ  محليٌّ  يدير شؤونها.
كانت تربط سكان القرية علاقات جوارٍ حسنةٍ وعادية مع السكان اليهود في الكيبوتسات المجاورة, ” بيت زيرع,  ودجانيا “, وعلاقةٌ جيدةٌ بسكان طبريا من اليهود. ولكن أهالي سمخ  لم يتصوروا  بالمرة  لطيبتهم وبساطتهم  أن أهالي هذه المستوطنات الذين أحسنوا معاملتهم كانوا يتوقون للحظة المناسبة لترحيلهم والحلول محلهم,  ويحولون دون عودتهم بقوة السلاح.
لجأنا إلى كفر ياسيف وطني الثاني, ونشأت فيها.  لكن في الحقيقة بقيت فيها غريبا ًأحنّ إلى سمخ,  رغم احترامي الشديد,  وتقديري  الكبير لأهالي كفر ياسيف الطيبين.
فإسرائيل لم تصر أبداً وطني الذي اشعر بالانتماء العفوي  أو الواعي له, بل الواقع السياسي الذي قبلت به مرغماً ومهزوماً, انطلاقاً من القبول بالواقع المفروض. لم تكن خياري الواعي, بل المفروض قسراً.
فكيف يمكن لعقلي أن ينتمي طوعاً واختياراً لدولةٍ  يعلن قادتها ليل نهار أن همهم وغاية عملهم هو ضمان نزع  أكثر ما يمكن انتزاعه من أراضٍ عربية, وبقاء أقل ما يمكن من ناسٍ  فوقها. وهم يعملون بكل وسيلة متوفرةٍ  لتكريس واقعٍ يعتبر شعبي, أفراداً ومجتمعين, غير موجودين.
إني أعجب من كل أولئك الذين يُصرون على قلب المعادلة في التعامل معي, ويريدونني الاعتراف بنكران وجودي,  ويتجاهلونه  بغباءٍ قاتل. إن إسرائيل هي التي تتنكر لحقيقة وجودي المجتمعي, ولِثقافتي وحقوقي الإنسانية, ولِتاريخي.
أنا أعصر ذاكرتي وعقلي لأفهم حقيقة ما حدث, وما زال يحدث, وأجد نفسي أُسائل نفسي, هل يُسوّغ  التخلف قتل المتخلّفِ أو نهبه؟
وأي منطقٍ هذا الذي يُسوّغ  ويجيز معاقبة الأبناء بجريرة أخطاءٍ  يــُــزعم وقوعها, ارتكبها الآباء و الأجداد, أو بسبب عاهةٍ اجتماعيةٍ كانت فيهم؟!
حقيقةً  انتصر الجيش اليهودي المعد جيداً  لتلك الحرب, وانهزم الناس البسطاء والفقراء.. ولكن جرت العادة في الحروب أن يجلو أناسٌ كثيرون هرباً وطلباً للنجاة من أوارها وبريق أسلحتها, ولكن حين تهدأ الحرب , ويستقر السلم,  يعود من يرغب إلى بيته وأراضيه, في ظل الواقع الجديد الذي فرضته الحرب !( في المقال التالي الذي سنرسله لصوت العروبة يجد القارئ نفس الحجج  من مفكر وناشط سياسي إسرائيلي – ولكن محروم من السكنى في إسرائيل !)
الاحتلال الجديد لا يكسب  القديم أية شرعية.
كم يملأني الخوف القاتل حين أشعر أن تراباً غير تراب سمخ سيضم رُفاتي.
———————-
والآن إليكم بعض الأبيات المتوجعة لهذا المُهجّر بالقوة من سمخ:
يا لوجعي !
كيفَ أُغالبه وثمـّة من لا يكفُّ عن نكأ جرحي!
كان لي وطنٌ ككل خلق الأرض العاديين
هو مراحات نُجوم وساحات قِمامة
أحببته بِعجرْه  وبَجره, ولكن في ليلةِ عِتْــمٍ
سرقوه مني, فسرقوا إنسانيّــتي وحلْمي.
—————————–

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة