المألوف والمأمول ، تآكل مبتذل للفواصل (7) – بقلم : د. سمير ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د . سمير محمد أيوب – الاردن ..
أفقتُ بعد قيلولةِ الأمس ، لأجد على شاشة جوَّالي ، رسالةً نصية من الصديقة المتقاعدة في البعيد المحتل ، تقول فيها : لِنُكمل حوارنا يا شيخي ، عصرَ غدٍ بعد الصلاة . ساعتَها ، أكون قد أكملتُ مَسرايَ المُتمهل ، في أريافِ الجليلِ الأعلى من فلسطين المحتلة . وأكونُ قد وصلت مضاربَ أهلي هناك ،واسترحت في ريف ناصرة الفادي عليه السلام .
آب اللهاب ، على سواحل جنوب فلسطين حيث أقيم ، يَسرجُ قناديلَ حنيني كل صيف ، بنسائمِ طبرية والجولان . إعتدتُ كلما فتح أبواب أفرانه ، أن أُسابِقَ دواليبَ سيارتي ، صعودا إلى مراتع الطفولة في الجليل ، أو إلى مرابع الصبا في كرمل حيفا . سأنتظرك غدا ، مع الكثير من حنين الوطن .
على حوافِّ صبرٍ كاد ينفذ ، كنتُ اليوم ، أعدُّ دقائقَ الوقتِ المُتباطئ ، مُنتظراً سماعَ رنين إتصالها . تَعَجَّلْتُ واتصلتً قبل موعد صلاة العصر بقليل . فَرِحَتْ كثيرا وهي تقول مُمازحةً كعادتها ، أنا في إنتظارك يا صديقي .  كل ما يُشجيكَ غيري يترقبك . قهوتك على جمرِ الموقد ، تُبَقْبِقُ كما تُحب ، وصينيةً قشٍّ ملون ، مثقلةٌ بحمولةٍ لذيذةٍ من ثمار فلسطين . تتصدرها كومةٌ من التين الأخضر والموشى تسر الناظرين . تُجاوِرُ تلة من عنبٍ أخضر وأحمر واسود . مزينةٌ بالكثيرِ من أكوازِصبرِ الجبارين . وإبريقٌ فُخاريٌّ ، مُترعٌ بماءِ نهر العوجا ، لذة للشاربين . كل هذا برفقةِ رائعة الصافي التي تشجيك : على الله تعود يا ضايع في بلاد الله  .
حَمَدتُ وشَكَرْتُ ما أسمع وما أاتخيل . وقلتُ مُتَلَمِّظاً ، لِنستأنفَ حوارَنا يا سيدتي .
قالت : نعم هيا ، ففي أفلاك واقعٍ مُعاصرٍ بائس ، تتقلبُ مُتوالياتُ الخيبات ، بين مثالية ماضوية عاجزة ، عن تنظيم عالمٍ يلبي بشكلٍ أفضل حاجيات الناس ، وأحلامِ يقظةٍ تسعى بالإستنبات المُفتَعَل ، إلى إخراجهم من الأنساق الشمولية ألتي تُطَوِّقهم ، إلى رحابِ نفعيةٍ فرديةٍ فجةٍ في الحياة ، بعيدا عن لغة الحق فيها .
قلت مقاطعا : بين هذه المتواليات يا سيدتي ،  حوارُ طُرشانٍ أبكمٍ ، أصمٍّ وأعمى . أحافيره الإستهلاكية ، لا تَنْصَبُّ إلا على التساؤلِ عن وجاهة الماضي وماهيته ، وتحقيرِ العرفي وخرقِ حدوده  ، والتشكيكِ في المقدس ومُتعالِياته الإيمانية ، والإعلاء من خصوصيةِ كل منتجٍ سلوكي فردي ، مهما بدا هذا المنتج فوضويا غير متجه نحو مستقبل . وذلك في تجارب فردية لا أساس لها ولا عمق ، تُميعُ الحدودَ بين الأنساق الجمعية والتجارب الممعنة في الشخصنة .
قالت :  ولكن ، بعد أن فشل المتعبون الساعون ،  وراء مدنٍ فاضلةٍ لا وجود لها فعليا ، صاروا على يقين ، أن إحداثَ أي تغير دائم ، في استبداد الفوضى وتشعبها في حياتهم الإجتماعية ، لن يكون إلا في إعتماد نماذج إشتقاقية إنتقائية ، تعتمد التوافق والمزج والمواءمة ، بين الأنواع الموجودة مسبقا ، والأشكال المختلفة المتنافرة ، بدلا من تشكيل أنماط جديدة تماما .
قلت : ولكن ، دون أن تغفلي ولو للحظة ، أن الواقع المعاش ، ما زال يعج بأتباعِ  إتجاه آخر يتسم بالتشاؤم . يرى أن الآفاق الماضوية كلها ميتة الآن ، وأن جُلَّ ما يستطيع الفرد أن يفعله ، هو التلاعب بأشلاء جثثها الموجودة ، وإعادة تدويرها بطرق متعددة ، غريبة غير منسجمة ،غير متناسقة ومبتذلة في بعض الأحيان . على أنها نوع من التمرد على المألوف ، وطريقة لكسر الحواجز بين المطلق ، وبين تلك التي تنحو نحو تقديس الجسد في شقه المادي .
قالت : في ظل تآكل الفواصل بين القديم والحديث ، تتعدد المشاعر والإحتياجات المبتذلة ، وتتنافر الخصوصيات المتفلتة . وتتشظى المرجعيات ، بعيدا عن صرامة الأطر العقلانية الضابطة ، لما نشهد من عنف لفظي ومادي يتسيد الكثير من المشاعر .
قلت : هذا هو موضوع حديثنا في النص القادم إن شاء الله .
قالت : إذن دع عنك وجعك ، وتعال إلي الآن يا شيخي ، نسائمُ الجليلِ وإن كان ما زال مُحتَلا وأنا ، كفلاء بتضميد جراح روحك .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة