أدب البادية في كتاب سيناء وانا : المؤلف : د. كمال عوده غديف

اصدارات ونقد …
“أدب البادية في كتاب سيناء وأنا  ” عن حياة أهل بادية سيناء وطبيعة التحديات التي تواجه أهلها وأهل البوادي العربية من المشرق إلي المغرب.
كثير من المؤلفين نشروا كتبا عن سيناء. ولكن كتاب “سيناء وأنا” الذي نقدمه  للقراء يتميز بأنه أول كتاب كتبه رجلٌ من أبناء سيناء، يعرف خبايا العادات والتقاليد والأحكام التي يستحيل على غريب أن يعرفها ويلم بها.
وُلِدَ المؤلف /عودة عطيه غديف في بادية سيناء. يحكي عن مولده بأن أمه جاءها المخاض وهي وحيدة في البادية ترعى الغنم فاعتمدت على نفسها ووضعت وليدها في “كُمِّها” وعادت به إلى ديارها. ولما رآها الأهل والجيران وقد رجعت قبل موعدها، قالوا لها “عودة حميدة”، ومن هنا أطلقوا على المولود اسم “عودة”.
المؤلف شق طريقه في الصخر بعزيمة صادقة وإصرار لا يلين، فعلم نفسه بنفسه بدون إمكانات، حتى حصل على ليسانس الحقوق، وتدرج في المناصب الإدارية حتى وصلَ إلى أعلاها. وعمل في العمل السياسي حتى وصل إلى ذروته نائبا في مجلس الشورى بالانتخاب.
تحمَّل المسئولية منذ حداثة سنه، فعندما بلغ الرابعة من عمره، كان يرعى “البَهَم” وهي صغار الأغنام التي ترعى قريبا من الديار مخافة أن تضيع، فكان يرعاها الطفل “عودة” تحت إشراف جدته.
ومع تقدمه في السن صار يسرح بالحلال (قطيع الأغنام) مع السرَّاحين من سكان حَيَّهم، وتعلَّمَ الحفاظ عليها ورعايتها. وعرفَ أن “الحلال” يمكن أن يختلط بعضه ببعض، ومن هنا تبرز أهمية “الوسم” وهو علامة توضع على رقبة الماشية أو فخذها بالكي بالنار، ولكل عائلة وسمها المتعارف عليه كي لا تختلط الأنعام بعضها ببعض.
ويحكي المؤلف قصة طريفة تشير إلى ذكاء الصِّبية من أهل سيناء ومدى شعورهم بالمسئولية: يقول: إنه في أثناء تجواله ببادية جنوب سيناء، وجَدَ صبيا من أبناء البدو، طلب الركوب معه في السيارة، ومروا على مجموعة من الإبل ترعى في الصحراء، ولاحظ أن الصبي يُمعن النظر في الإبل ويتفحصها، فسأله: أتعرف لمَنْ هذه الإبل؟ فقال: لا، فسأله: فلماذا تتفحصها إذَن؟ فقال الصبي: ربما يسألني أصحابها عنها فأفيدهم بأخبارها وأحدد لهم أوصافها ومكان وجودها ليتعرف عليها أصحابها. لذلك فإنني أحرص على معرفة “الوسم” الذي يميزها عن غيرها.
ويتذكر المؤلف مدى فرحته عندما كانت إحدى أغنامه تلد فتجري الأم خلفه لكي يحميها وهو يحمل وليدها. ويتحدث عن المواويل والأغاني في الأفراح. كما يُطَعِّم صفحات كتابه بكثير من الحِكَم والأمثال المتداولة بين أهل سيناء.
ويتطرق في كتابه الشائق إلى القضاء العرفي، ويقيِّمه بدون انحياز، فهو يذكر مزاياه وعيوبه. يتحدث عن الشروط الواجب توفرها في الشاهد، فلا تقبل شهادة رجل فرَّ من القتال أو ترك نجدة رفيقه أو أتى امرأة جاره، ويذكر بصراحة أن اختيار الشهود في سيناء مخالف للشريعة، إذ تقبل شهادة الرجل منفردا، والمرأة منفردة، وشهادة الطفل، وقد تتأسس عليها الأحكام. ويتحدث بإسهاب عن أنواع الجرائم السائدة في سيناء، وعن العقوبات التي يقررها المجلس العرفي لكل جريمة منها، بناءً على قانون معروف ولكنه غير مكتوب.
ويعترض على نظام “البشعة” وهو إجراء سائدٌ في سيناء يهدف إلى التفرقة بين المذنب والبريء، يتلخص في وضع قطعة من الحديد في النار حتى تصير كالجمرة، وعلى المتهم أن “يلحَس” هذه الجمرة ثلاث مرات فإذ كان مذنبا احترق لسانه، أما إذا كان بريئا فإنه لا يصاب بسوء. وبالطبع فإن الجمرة تكون في كثير من الأحيان ظالمة فهي لا تُمَيِّز بين المذنب والبريء.
وأذكر أنني عندما كنت أعمل في سيناء عرفتُ شيخا تعرض في شبابه لاختبار “البشعة” فأصيب بخلل في جهازه العصبي ما زال يعاني منه حتى الآن، ولا يعلم إلا الله هل هذا الرجل مذنب أو بريء.
وعندما اشتدَّ عود “عوده” تطورت وظيفته فصار يشد السَّرج على فرس أبيه ويلجمها باللجام ويركبها ويرد  بها الماء ليسقيها ويعود بها إلى البيت، ويذهب مع أبيه ليشتري لهم ملابس العيد.
ولما وصل إلى الرابعة عشرة من عمره، أصرَّ على التعليم، ولم يكن في البادية مدارس ولا وسائل أخرى للتعليم، فعقدَ العزم على أن يذهب إلى المدرسة أينما كانت.
وبالرغم من شغفه بالتعليم فإن ظروف تواجده في البداية لم تمكنه من تحقيق ذلك. ولكنه لم ييأس فذهَبَ إلى “كُتَّاب” ليتعلم مبادئ القراءة والكتابة ومبادئ الحساب. وازداد إصراره وشوقه إلى التعليم يوما بعد يوم، ولكن كان أمامه ثلاث عقبات كؤود تحول دون تحقيق غايته: أولها: كيف يهاجر من البادية إلى المدينة؟، وثانيها: كيف يحصل على الأوراق الضرورية لالتحاقه بالمدرسة؟ وثالثها: من أين له بالمصروفات؟. ولكن عزيمته كانت أشد من الحديد فعلم أن هناك مدرسة في “خان يونس” تبعد عن مكان إقامته خمسة وثلاثين كيلومترا، اسمها “مدرسة اللاجئين”، فوضع متعلقاته في “مخلاة” من القماش، وتوجه بها إلى المدرسة سيرا على الأقدام بدون ملل أو كلل، ولما وصل إلى المدرسة أجروْا له اختبارا وقبلوه بالصف الخامس الابتدائي. وكان نظام التعليم آنّذّاك، يقضي بأن يدخل التلميذ المدرسة الثانوية بعد الابتدائية. وفي أول يوم خرج فيه من المدرسة لم يعرف إلى أين يذهب. ولكنه أقام مع صديق له يسكن في حجرة بالمدينة. وعندما وصل إلى الثالثة الإعدادي (وكان نظام التعليم الإعدادي قد دخل إلى المدارس)، شعر بأن تحصيله يفوق السنة الدراسية الموجود فيها فتقدم إلى الشهادة الإعدادية من المنازل وحصل عليها بتفوق. ثم تطوع في سلاح الحدود. ومن كثرة قراءته الخارجية ودراسته غير الرسمية ، شعر أنه قادر على الحصول على الثانوية العامة، فتقدم إليها (من المنازل أيضا) ونجح فيها بجدارة. وأراد أن ينتسب إلى كلية الحقوق، ولكن صادفته مشكلة: إذ أنه كان لا يجوز له وهو متطوع أن ينتسب إلى الجامعة. ولكن ذلك لم يقلل من إصراره، فكتب إلى المشير “عبد الحكيم عامر” الذي استثناه ووافق على انتسابه إلى كلية الحقوق. ومن الغريب أن الحظ كان له بالمرصاد، فلم تقبله الكلية لأنه تأخر في التقدم إليها، وإنها لا تقبل إلا خريجي الثانوية العامة من نفس العام، وكان ذلك السبب معوِّقا بسبب تأخر الأوراق حتى إنه اضطر إلى الحصول على الثانوية ثلاث مرات.
وتتوالي الأحداث بعد حصوله على “ليسانس الحقوق” بسردها في كتابه ومنها أحداث شائقة مرت في حياته، منها أنه رشح نفسه لانتخابات مجلس الشورى، وأصبح نائبا في البرلمان.
وبالطبع لا ينسى المؤلف ذكرياته في سيناء عندما احتلتها إسرائيل في العدوان الثلاثي عام 1956 وكذلك إبان حرب 1967 وما لحق بعائلته من أهوال.
وقد أخذت “الموارد الطبيعية” في سيناء، نصيبا طيبا من الكتاب، يتحدث عن الثروة الزراعية والثروة الرعوية، كذلك يشير إلى الثروة التعدينية والثروة الحجرية، ومن المعروف أن الجزء الجنوبي من جنوب سيناء، يتكون من جبال شامخة من صخر الجرانيت، يمكن استغلاله في صناعة الرخام، وبه من الاحتياطي ما يكفي الشرق الأوسط كله مئات السنين.
المؤلف وضع كتابه في أسلوب أدبي جميل، لا يوجد فيه إطناب مُمِل أو إيجاز مُخِل، يشير إلى كثرة قراءته منذ الصغر، ويزيد من جمال أسلوبه، كثرة تأمله في الصحراء، هذا بالإضافة إلى أنه زيَّنه بشعر جميل، منه ما هو من تأليفه ومنه من وضع الشعراء الآخرين، وكان يعزز آراءه في كثير من الأحيان بآيات من القرآن الكريم..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة