قصتان قصيرتان- بقلم : بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين …
“1”
موت بنكهة المعسّل
سقط مبسم الأرجيلة من يده لافظاً أنفاسه الأخيرة .. وظل الجمر يحترق فوق عجينة المعسل المنكهة بآخر كلمة قالها الميت دون أن يكترث بها أحد.. “تعبان”.. فسرها عامل المقهى وهو يغسل القارورة من بقايا روح الميت:
” ربما بهذه الكلمة كان يتمنى أن يفترش الطريق كي يعثروا به فهو غريب في بلاد تأنف رائحة العرق المتصبب على جبينه كلما باغت ذلك الركن القصي بجسده الضخم المتراخي”.
وفسرها صاحب المقهى متمتماً في أعماقه:
” هذا الأبله قالها لأنني طالبته بالدين الذي تراكم عليه، فأدركت بأنه التقى طابوراً من الديانة قبل أن يلتهم المبسم بجنون”.
لكن صديقه لمح إلى قضية أخرى أكبر من المقهى ومن فيه.. لقد أكل الأرق رأسه:
” فما هي تلك القضية التي كانت تشغل باله غير..!؟”.
لم يشأ الصديق الحديث عنها خوفاً من سقوط المبسم من يده، واستمر في شفط الهواء المُنَكّه بالخوف حتى أخذته غيبوبة الأمان إلى ظلالها..فانفضوا من حوله.
“2”
من وحي قصة حدثت معي..
فاشلون.. ولكن!
جمعتنا الظروف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كنا زملاء دراسة في مرحلة الثالث الإعدادي، تجاذبنا جميعاً أطراف الحديث عبر ذاكرة الصبا التي لا تبور، ليستقر بنا الكلام آخر المطاف على أحد زملاء الدراسة أيام وكالة الغوث في الإشرافية اسمه عماد.. تساءل أحد الأصدقاء ويدعى عبد العزيز البقال، بجلافة واستخفاف:
هل تذكرتم معي ذلك الولد التافه الفاشل .. دعوني أتذكر اسمه.. نعم عماد!!
فصمتنا وكأن على رؤوسنا الطير، وعربدت الأسئلة في الرؤوس، وتساءلت في سري ما دام الحديث عن عماد فهل سيعرفنا صاحبنا بزعيم عصابة له صولات وجولات في قاع المدينة! أم عن كارثة حلت به كون عبد العزيز بادر إلى نعته بتلك الأوصاف المتجنية. في الحقيقة ابتلعت الدهشة ألسنتنا.. وبعد إلحاح، بدأ صاحبنا في الحديث وهو يزدرد غصة كادت تخنقه، هذا ما بدا من صوته المتحشرج كلأنه مدنف يصارع المرض:
ذهب ابنتي للمقابلة في إحدى الشركات المعروفة، وفوجئت بأن قائمة المتقدمين تتجاوز المائة، وحوصرت نتيجة الخيار في ثلاثة منهم ابنتي، وحينها طلبت منها معرفة اسم صاحب الشركة حتى نحرك الواسطة تجاهه، عساها تظفر بالوظيفة.. وحينما احتصلت على الاسم ضحكت عالياً حتى أثار ذلك احتجاج ابنتي التي تساءلت بصوت عالي:
“هذا ليس وقته يا أبتي، إن عرفت طريقاً إليه فتحرك فلا وقت أمامنا، هذا الرجل ظاهرة اقتصادية، والوصول إلى مكتبه من الصعب بمكان، حتى ليهيأ لك بأنك في حضرة وزير.. كيف لا ومشاريعه الإنشائية تغطي دول الخليج العربي، وها هو قد بدأ ينتشر في عمان”.
أخذ عبد العزيز يضرب كفاً بكف مكملاً حديثه المتشنج: فقلت لها دون تفكير بأنه على الرغم من أن هذا الرجل عرفته ذات يوم تافهاً فاشلاً أيام دراستنا الإعدادية، فلن تتغير صورته أمامي، مجرد رجل نكرة، ربما آلت إليه ثروته المشبوهة في نظري من غياهب المجهول أو سرقها بطريقة ما، أو حتى أنه من المحتمل أن يكون من رجال المافيا هذا ليس مستبعداً عن أمثاله ومن المؤكد أنكم ستقفون معي فقد تشاركنا في الصغر على العبث بكرامته من باب المداعبة!!.. آخ من الزمن الذي سيرغمني على التعامل مع رجل كان في صغره يتسوّل منا كي لا يجوع (ابن…….!) وها أنا قد تحولت إلى رجل تتلاطم به الظروف القاسية مع هبات الخيبة حتى أقعدني المرض وبت غارقاً في الديون كما ترون! وهذا لا يعيبني في شيء.
حينها قال أحدهم بافتخار:
الظروف التي تتحدثون عنها يا أصدقائي هي التي حولت ذلك الولد الفاشل من متسول كما يصفه صديقنا إلي عبقري خلاق صنع من المستحيل معجزة استثمارية تجاوزت المعقول فيما لو تتبعتم أخباره بموضوعية وإنصاف.. لقد استطاع الدكتور المهندس عماد البدء من الصفر.. باع العصائر في صغره ليصرف على أسرته في الوقت الذي كنا نتنعم فيه بمصروف يومي كان قد يكفي آنذاك أسرة عماد لعدة أيام.. ثم ترك الدراسة التي كان متعثراً فيها لكثرة تغيبه رغم أن المدرسين كانوا يعترفون بذكائه الفطري، ليفتتح صاحبنا مقهى صغيراً تحت بيت درج إحدى المؤسسات التجارية وسط البلد.. ثم صمم على إكمال دراسته الثانوية.. فالجامعة حتى حصوله على الدكتوراه في الهندسة.. هذا نجاح خلصه من أشداق الزمن المر.. ثم استغل صاحبنا رصيده المالي المتنامي المتواضع في تأسيس شركة لتنفيذ المشاريع الصغيرة اسماها ” الصخر للمقاولات” فإذ بذلك الفاشل في نظرك يتحول إلا اخطبوط.. يا صديقي.. اذهب إليه فقد حظيت بمقابلته ذات يوم قريب، وأعطاني حينها من وقته الكثير، وأذكر بأنني ذبت يومها خجلاً كشمعة خجلى، إذْ ذكرني صاحبنا من باب التفكه بذكرياتي معه حينما كنت ادلق كوب الشاي برعونة وتشاقي كلما مر من أمامي كي أهزئه أمام الأصدقاء.. فعل ذلك بطريقته المرحة منوهاً وابتسامته تروي حديقة وجهه الياسميني:
” أنتم صنعتم نجاحاتي فلولاكم لتحولت إلى فاشل لا يحسن إلا التصغير من شأن الآخرين”.
وكأن الرسالة وصلت صديقنا عبد العزيز صاحب الحاجة إليه.. ولم ينتظر حينئذْ ليفاتح صديقنا مستجدياً منه خدمة:
“فقط مهد لي الطريق واترك الباقي عليّ.. لا بد من الظفر بهذه الوظيفة لابنتي.. فأنت تدرك مبلغ ما أعانيه من ظروف سيئة”.
وعلقت في سري:
” فعلاً أنتم فاشلون لا تحسنون إلا اتهام الناجحين بالفساد واللصوصية وتلفيق ماض لهم لمجرد أنهم تفوقوا عليكم وعروكم أمام أنفسكم”.
وضحكت في سري، ثم آثرت أن نحول الحديث إلى شأن آخر.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة