من حواري معها .(7) بقلم : د. سمير محمد ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د. سمير محمد ايوب – الاردن ….
الحب تفاصيل ، تورق في الحواس العشرين .
جَلَسْتُ بعد صلاة العصر ، على شرفة منزلي . مُنتَظراً وصوله ، لِنَمضي إليها . كنتُ حينَها مُمْتَلِئاً بأملٍ حزينٍ . منعَني من الإبحار والتحليق ، مع ما في فنجال قهوتي من سحر.
وبعد إنتظارٍ وصل صاحبي ، مُعتذراً عن التأخُّر في الزحام . طمأنته قائلا : ما عليك ، لقد أشغلتُ وقتي بِحوارٍ صامتٍ مع مضامينِ فنجالي . قال وهو يقهقه : لن أسالك ، وإن كنت أخمِّنْ .
قلت : ستعرفه لاحقا .هيا بنا قبل أن تَغْضَبَ مِنَّا أو تقلقَ علينا .
إطمأنَّ إلى أن حزام الأمان في مكانه . تحركنا بصمتٍ ، لا يُنافسه إلا صوتُ نايٍ حزينٍ أطلَّ علينا من المذياع ، برفقةِ نسائم رقيقةٍ وحفيف شجَرٍ ، تُعابِثُه السيارة وهي في طريقها الى موعدنا ، في مَغاربِ جبالِ ناعور ، المُطِلَّةِ ببذخٍ على فلسطين المحتلة .
تَفَهَمَتْ أسبابَ تأخُّرِنا . جَلَسا قبالتي متجاورين . إخترتُ في جلستي ، أن أيمِّمَ وجهي غرباً شطرَ فلسطين المحتلة ، وأنوار بيوتِ الله فيها .
تأملت مطولا وجهيهما . متعبين بحيرةٍ  مفترسة .عيونهما تلمعان كالقطط الشيرازية في ليل بهيم . أنفها دقيق . وشعره منكوش . مظهرهما وقد قاربا الخمسين ، يشي بثقافةٍ متقدمة .
سألتني وهي تناولني فنجال قهوتي : أيمكنك لو أردتَ ، أن تتحرر من ويلات وجعٍ يا سيدي ، وجعٌ أصغيتَ له ، رأيتَه وأحسستَ به ؟
قاطعتُها مبتسماً : أتوقع بأنكما ستحكيانِ لي شيئاً آخر . أرجوكما ، غادرا غضبكما وحزنكما الآن ولو مؤقتا . جئنا لنفسح المجال لشئٍ من الفرح . فما إعتدت أن أراكما إلا مبتسمين . بِكُلِّ ما أوتيتُما من وجعٍ هشٍّ مُتسلل ، وحزنٍ عابرٍ ، لا يحق لكما ان تذبلا ، أو أن تَزْهَدا . ففي الحب الحَقْ ، الكثيرُ مما يُتَّكَئُ عليه .
قالت : لم أفهم !
قلت : تجردا من نوازعكما ،  وما في دواخلكما من حزن وألم وغضب . فقد تَشَبَّعْتُ بتفاصيله ، وما تظنونه أسبابا له .  حَدِّثوني دون تحيزعن الجميل في حبكما . تعالا نتعرف على ما لدى الآخر من حق ، أو جزءٍ من هذا الحق . ساعتها ستتغيرمعاييرالألم . فقد نجد له عذراً مُبَرِّراً يغير الكثير من التبعات .
بَسطَ يده متبسما لعينيها . إلتقفت كفَّهُ وهي تُتَمْتِمُ بما لم أسمع . نهض واقفا خلفها . إحتضن رأسَها بين يديه . لم أنتبه إلا وقد إستدارت إليه . قَبَّلَ مِنها الجبين وهو يقول : أستغفركِ مُعتذراً، وأنا على العهد باقٍ .
بَقيا ملتصقين . ينظران معا إليَّ بعيونٍ طفولية تدمع فرحاً .
قلت : نعم . من يُتقنِ الحبَّ ، يُتقنُ الصبرعلى كل ما قد يقتحمه  من منغصاتٍ تُعكر صَفْوَه . والأيامُ تمضي ، من المهم أن نكون في ذاكرة أحد . يبتسمُ لطيفك الغائب كلما تذكرك .  الحب مساحة شخصية ، رزقٌ طيِّبٌ من فئ الله . لنتقن العيش في رياضه ،لا التلطي في ظلاله . عندما تشرق أنواره ، تشبعوا بتفاصيله ومقتضياته . بعيدا عن كل ما قد يسبب لكم أذى أو ضررا .لا تقيدوه بِعثرةٍ من هنا أو هناك . إجعلوا مصيرالحب في يقين القلب ، لا في ظنون السمع أو البصر ، أو في قبضة أبالسة الشك . وتابعتُ وهما منصتين بانتباه شديد : إخترقوا الشك واستنزفوه بابسط التفاصيل .
سألَتْ وهي تُداعب شعره : ما قولك في تعب الغياب يا شيخنا.
قلت وأنا أرتشف فنجالي الممتلئ بِفراغِه :  خرائطُ الرحيلِ كحباتِ الرمل . تتسلل الى مسامات الحب . تحمل معها وجع الفقد . ومبالغاتُ الإحتياجِ ، تُشعرُ بالخوف . تُنْقصُ الفرحَ . وتُكرسُ الخسارةَ والتعب والبكاء .
سابَقَها مُتسائلا  : كيف يُستدامُ الحب يا شيخنا ويتجدد ؟
قلت : الإستدامة ليست قدرا يَأذنُ لك . هوفيضٌ من التفاصيل ، تورق في العينين وتُزْهرُ في الشفتين ، وتُثْمِرُبين أصابع اليدين . لا تُقاوِم عطشك لشريكك . إهتم بتفاصيله . تابع الطَّرْقَ على نوافذه وبواباته وعتباته . رتل اسمه في دهاليزه . إسألها يا رجل ، عن حمرة شفتيها ، عن كحل جفنيها ، عن غمازتها ، عما تقرأ من إبداعات ، أو تتابع من برامج ، ولا بأس إن سألتها مشاغبا عن غزو الفضة لمفرقها  .
إبْتَسَمَ لها مُشاغباً . نَسِيَ وجودي وهو يداعب تسريحتها مُلَمْلِما. ثم تماسَّتْ أصابعها مُتوَسِّلَةً . إستأذنا للتجول في المكان .
ما أن إبتعدا عن مرمى بصري ، أوقفتُ أول سيارةٍ وصَلَتْني ، وعُدتُ وحدي إلى عمان .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة