رسائل ميتة – قصة : سعاد الورفلي – ليبيا

لقصة ….
بقلم :  : سعاد الورفلي – ليبيا …
تأرجح النصُّ معطوبا بأهداب حروفك التي لاتتوانى نظراتها المتتابعة ، حركت كل فكرة في تناص السطور المتدحرجة ككرة ثلج كلما ذبلت ازدادت.. أين أنت ؟ هل وصلتك الرسالة الأخيرة ..مازال جرس الأمنيات يهجس بخاطرها ..في كل إيقاع معنى لحرفك ..ذكراك لم تبرح وسادتَها .. لم تبرح مسافات الحكايات في كل الزوايا ..الأماكن ..أغلفة الهدايا ..تحت كل شريط يبدو اسمك مقرونا بحروف تائهة تبحث عن مستقر وطن لا حلم فيه ..ولا طيور مهاجرة ..
عد أيها الحلم وتكرر عبر كل الحروف ..انصب مظلتَك هناك ..تربعْ على عرش الحكايات كل ليلة ناوِلها خرافةً تُنسيها أنها تعيش واقعا بلا ذلك الميت الذي اقتادته الحرب ..حيث مسقط رأسه عند آخر رصيف عانقته حياة ..وتَوَلّتِ ..تتزلف الدموع بحسرة القهر التي جف ونضب نبعها بعد أن انهارت الحكايات وماتت الأصوات .. أما الدلالات لم تعد تتمتع بمطلق الحرية .
سلام أيتها المدن ..سلام أيتها الأرواح المشتاقة بلا استقرار .. كانت بعض الأوراق على طاولة قديمة ..لم تجفّ –بعد – آثار القهوة تبدو واضحة في حلق دائرية ..بقع هنا وهناك ..ظهر وجه أمه وهي تعصب رأسها بمشَدّ أسودَ اللون ؛ قد اتضحت الهالات البنية تحت جفنيها .. وانحنى متن رقبتها الضعيف .. ظهر الوهن والحزن .. والألم الذي يتحدث عبر كل زوايا المكان ..وقلبها المشقوق كما حدثني تماما : مسحتْ وجهها النحيف الخالي من الاستدارة بعد أن جف الشحم وترهل على هيكله..ذلك الوجه الذي حمل براءة طفل يخبئ ألعابه تحت غطائه ويدثرها عن برد الشتاء ..هكذا قالت : أنا أم قلبي يتقطع ..
حاولي تنسي ..
في أم تنسى ؟.
نعم : وهل تنسى الأرض من نحن ؟
هل تنسى تلك الطينة التي نُجسدُ فلذةَ كبد منها ، أننا أبناؤها الذين استويْنا من نسيجها الممتد على طول هذه البسيطة .. ومن أنسجة تلك الحياة … جئنا ؛ لنقطع كل خيط رفيع يُثْبت بنوتنا لتلك الأرض ..
جلْتُ في غرفته وقرأت الأوراق الموضوعة باحترافية على الآلة الطابعة ..قرأت الأولى فالثانية .. أما الثالثة : فكان فيها كل شيء ..
كان يخبرنا عن كل شيء :
أحبها ..هذه هي الحقيقة الوحيدة التي لا أستطيع أن أنكرها !!
أحبها : فقد جعلتني طفلا يلهو ويعبث وينام بلا دستور ..
أحبها : ففيها دفء عميق وفيها ألم فظيع وفيها دنيا أموت فيها وأحيا.
كان حرفه مدونا باحترافية خطاط ماهر .. وكانت صورتي التي سرقها من إحدى الأماكن لا أذكر .. المهم أنها لاتعجبني : هكذا أتذكر ذات يوم أخبرته ؛ أنها منذ أن كنت في الثانوية العامة.. كان وجهي ممتلئا وعيناي مستديرتين ..ضحكنا سوية .. ها هي الآن ترقد بسلام على طاولته قرب فنجان قهوته .. والطابعة وحزمة من الأرواق المبعثرة هنا وهناك ..
أطلّت أمُّه برأسها ..التقتْ نظراتُنا .. واتفقَ بيننا الدمعُ بلا مواربةٍ هذه المرة .
حينما يموت العشاق .. تصبح أبواب المدينة بلا مفاتيح .. ويتغير لون الفضاء .. وتشعر أنك في زمن متبدل .. متجدد .. كأنما استل من قلبك شيءٌ يشعرك بغصة حنين متوالٍ لا يهدأ ..ستصبح كل التعاسات وقتئذ ذكريات مطْلقة .. وسيصبح الهجر بلدا بلا حدود تنطلق فيه لتعانق من تخليت عنه لحظة كان فيها يحادثك بقلبه .. ويبحث عنك عبر كل  الفجوات ..حتى الفجوات المسدودة ..
على صفحته بالفيسبوك .. كانت الإشارة خضراء كعادتها ..فتحت المسنجر .. وكتبت له :
الآن أنت ترقد بسلام هناك ..حسنا ..سأخبرك ماذا حدث الليلة البارحة : زرت مكتبتَك ..ووجدتُ أول رواية اشتريتَها من معرض الجامعة ، تذكرتُ حينما قلتَ-لي- أنك قرأتَها عشْرَ مراتٍ ؛ وعندما سألتك لِمَ ؟ هل تستحق كلَّ هذا الإخلاص؟ … تمْتمْتَ بهدوء “لأنها تشبهك”  ..
لقد قرأتُها أنا في غضون ساعات بعد أن وُريت التراب .. ورشفت فنجان قهوتك الذي لم يبرد .. صففت الأوراق المبعثرة .. ووضعت صورتي على يمين صورتك التي وضعتها أنت بروفايل لصفحتك الشخصية .
تم إرسال الرسالة ….
لحظات …
تم العرض !
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة