قرية( الزيب) والجمهورية الهبية – بقلم : فؤاد عبد النور

فلسطين …
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا  …
نشرت ” مؤسسة  الدراسات الفلسطينية ” على موقعها في الشبكة,  كتاب ” قرية الزيب كما عرفتها “,  يُحمّل مجاناً,  للكاتب ابن الزيب ”  أحمد سليم عودة “. يجب تقديم الشكر للمؤسسة على هذا, وشكر المؤلف الذي سمح بذلك!
الكتاب موسوعةٌ شاملةٌ  للحياة في الزيب,  وبشكلٍ عامٍ  للحياة في القرى العربية إلى جوارها.  يُخيّل إليك عندما تبدأ في القراءة  أنك قد ولجت متحفاً للتراث الفلسطيني. لم يترك المؤلف شيئا دون أن يخوض فيه: الأهل,  الحارات,  المصالح, العادات, الأعراس,  حتى الأكلات الشعبية, وكأنه ”  الشيف رمزي”  يتحث عن الأكلات في التلفاز.
يبدأ الكتاب بتحديد الموقع,  14 كلم. شمال عكا, 4 كلم. جنوب الناقورة.  وينقل معلومات عن كتاب الخالدي, زيادةً  في التوثيق. ولكني تعرفت على الكثير من أهالي الزيب في برلين, ولم أجد عندهم أي ترحيب بهذا الكتاب عن قريتهم. والسبب, نفس المشكلة التي يقع فيها من يكتب عن قريته:- الميل لرفع شأن عائلته, والتقليل أو عدم الاهتمام بالعائلات الأخرى.
الزيب قريةٌ غائرةٌ  في التاريخ.  يعود الاستيطان البشري فيها إلى ما قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. سماها الكنعانيون ” إكزيب “, والرومان ” إكديا “, والصليبيون  “إمبرت”. زارها ابن جبير في القرن الثالث عشر ميلادي. وافتتح العثمانيون مدرسةً ابتدائيةً  في السنة 1882, ومسجداً ومستوصفاً.

احتُـلت,  وشُرّد أهلها,  وسهل عليهم الوصول إلى لبنان عن طريق البحر, وعانوا مثل ما عانى بقية الأهل في الهجرة.
يذكر الكاتب ” أحمد سليم عودة” عن رؤيته ناجي السعدي, المتعلم الوحيد في
القرية آنذاك, والشخصية المتميزة. ” رأيته يبيع ” الشيكلت ” ( علكة ) في باب إدريس ببيروت.  شيء لا يصدق,  أتكسرُ النكبة رؤوس الرجال إلى هذا الحد ؟!”
المنزل الوحيد الباقي في الزيب هو منزل أحمد عطايا, وقد حُوِّل إلى متحفٍ للتراث الزراعي.  زرت المتحف  ووجدته مليء بالمخلّفات العربية من البيوت المدمرة. كل المعروضات عربية,  ولكن الموظفة أوروبية!
بنى الإنكليز قلاعاً  من الإسمنت المسلح على الشاطئ, على شكل الفنجان المقلوب. الواقع لم أر أيا منها في جولاتي السابقة.
يصب فيها وادي القرن,  وبنى البريطانيون جسراً فوق الوادي,  وجسراً آخر للقطارات من حيفا إلى  رأس الناقورة,  إلى لبنان.
على طريق القرية منزل الشيخ  يونس طه,  وهو من رجال الزيب العشرة, الذين قتلتهم العصابات الصهيونية في كمينٍ  نُصب لهم على الطريق العام, قبالة مستوطنة ” نهاريا”, وذلك عند بدء الاضطرابات في فلسطين. وكانوا في طريقهم إلى عكا, محملين بصناديق البرتقال من بيارات الزيب.
كانت زوجته حاملاً وقت قتله,  لذلك,  ووفق العادات,  مرّروا زوجته تحت نعشه, حتى يعرف الجميع أنه مات وزوجته حاملٌ منه. ولما ولدت صبياً, أسمته يونس على اسم أبيه, الشيخ يونس طه.
كان في القرية معصرةٌ للزيتون. قد يكون الحجر الظاهر في معظم الصور السياحية المنشورة للزيب هو حجر المعصرة  نفسه.
وكان في القرية مغارة ٌعجيبة  تقصدها نساء القرية التي يتأخر حبلها, وتتردد أقوال أن الزيارة كانت دائما تثمر حبلاً.
كما توجد جزيرة صغيرة مقابل القرية .
معيشة السكان كانت من صيد السمك, الذي كان يصاد بتسليط ضوءٍ باهر عليه إذا كان السمك قريباً من الشاطئ, أو بالمتفجرات بعيدا عن الشاطئ, والتي كانت تخلف الكثير من الضحايا.

———-
لم يبق من القرية في البلاد أحدٌ, سوى محمد سعد الدين الزيباوي,  حسب ما يقوله ” خليل عوض “. وقد قابله في المزرعة, وسجل معه الحديث التالي:
” هجموا علينا اليهود من الشرق  والجنوب, وتركوا طريق الشمال, إلى لبنان, مفتوحة. قعدنا كم يوم في البساتين, وبعدين رجعنا للقرية. كنا كم عيلة, بننعد على الأصابع. أجوا اليهود ومعهم سيارات, وحملونا للمزرعة. إخواني الاثني هربوا لصور, وما شقناهم لليوم.
” كنا في بلد حلوة, عايشين على نفس موج البحر. لما بقوى موج البحر كان يرش الرذاذ على شبابيك بيوتنا. كان أبوي كل ما يمر عن الزيب, يقعد يبكي. بنوا على أراضينا كيبوتس ” ساعر “, وبلدة ” غيشر هزيف”. صاروا يتمتعوا بخيرات القرية وشاطئها. حاولت مرة أدخل المسبح, منعني الحارس. قال” اشتري كرت وفوت.. ما بتشتري كرت ما بتفوت! ” قلتلّه هاي بلدي! ما قبل. إحنا هون بنواجه مقولات عنصرية. أهلنا بلبنان عايشين بالجميلة. ما بسمحوا إلهم بالشغل. ما بقدروا يتطوروا. بقولوا لهم:  روح .. خلقة لاجئ!
” كان جيش الإنقاذ يحتل بلد يوم, وفي اليوم التاني ينسحب منها. وكإنه يمهد الطريق لليهود. في الكابري صارت معركة, قتلوا اليهود, وانسحبوا لترشيحا. علقوا أهل الكابري لوحدهم. اليهود كانوا جيش منظم, معه سلاح, واحنا اللي معاه بارودة,  فيها خمستاعشر حبة, بخلصوا. تصير العصا أحسن منه ! ”
وسألته: شو بتقول لأولادك؟
” بقول إلهم إنشاء الله بصير سلام,   وبْـترجعوا للقرية. بس وين السلام؟ السلام بعيد. اليهود بدهم يا عمي الأرض. الأرض بدون ناس. إذا بدك تبقى في البلاد, أهلاً وسهلاً.. بس للشغل.. للخدمة.  [1] ممنوع تقول هذي الأرض إلي.”
وسألته: كيف كانت علاقتكم بقرية البصة ؟ فأجاب:
“نشارك  بالأفراح.. ونشارك بالأتراح. كان بينا وبينهم نسب. ىبينّــا وبين البصة كان في نبعة. من الزيب والبصة  كانت الناس تيجي وتسبح.  في البصة كان في مدرسة تبشيرية. بصراحة وين كان في مسيحيين, كنت تلاقي تقدّم أكثر, وتعليم أفضل. لأنه الكنايس والمطارنة كانت تدعم التعليم والثقافة. إحنا الإسلام في الزيب وغيرها ما كنا نتلقى أي دعم يذكر. ببلدنا كانت الأكثرية مسلمة. بس ما كنت تعرف المسيحي من المسلم.”
وسألته: بماذا كانت تتميز الزيب؟ فأجاب:
” كانت من أجمل قرى الساحل. فيها معصرة زيتون, وبابور طحين. إذا تْـعَركست الحالة مع واحد, يوخد ” الغاية ” ( عصا  الصيد ) ويصيد شوية سمكات يطعم عياله. شو بدي أقول لك. كانت الناس مبسوطة وهادية البال. كان عمري ست سنين, والناس تشتغل بالفلاحة, وبكروم الحمضيات, والبرتقال, والسمك. إذا واحد فقير بدو شوية برتقال, يروح للبيارة, ويلقط شوية برتقال, بدون مصاري. بموسم العنب والبرتقال, كانوا يوزعوه علي الجيران. اليوم ما حدا بِسأل عن التاني.”
وسألت: طيب وشو صار معكم في المزرعة؟
” طلّعو إلنا قسائم  بنا. وأعطونا بيت من بيوت المهاجرين المتروكة,  وسكّنونا فيه غصب عنا. كانت أغلب البيوت منهوبة, ما فيها شي. أبوي اشتغل في نهاريا بفلاحة البساتين, وبعدين انفتح مجال العمل بالعمار.
” يعني مين فلح الأرض لليهود غير العرب؟ مين بنى البلاد لليهود, غير العرب  اللي بقيوا في البلاد؟ كان العامل اللي يحصّل على شغل في ” سوليل بونيه ” يحس كأنه انقبل في موضوع الطب في الجامعة! ”
–      طيب كيف كانت علاقتكوا بأهل المزرعة؟
–      ” أغلب أهالي المزرعة الأصليين انهزموا في ال 48. بقي فيها بس كم عيلة “.
————————————-
والآن إلى آخر خبرٍ عن الزيب,  وهو خبرٌ مأساوي عن مصير القرية المهجّر أهلها, والتي أزالت الجرافات  معالمها في السنة 1963, لإقامة حديقةٍ وطنيةٍ مكانها.  ولكن الخبر طريفٌ  في نفس الوقت, وله قصة.
نشرت ال ”  ب. بِ. سِ. ” تقريراً من  ” رافي بيرغ “,  بتاريخ 10 \ 3 \ 2015, بعنوان:

حكم رجلٍ واحدٍ في الدولة  ” الهِبّـية ” الإسرائيلية
عندما يتوجه الإسرائيليون في الأسبوع القادم إلى الانتخابات, لاختيار برلمانٍ جديد, توجد منطقة ٌ حرةٌ,  لا يعنيها الأمر بالمرة,  يحكمها رجلٌ مفردٌ لمدة 40 سنةٍ, قرب الحدود اللبنانية. تدلّ على حدود هذه الدولة بوابات حديديةٌ, مدهونةٌ بالأزرق, وعليها لافتات تشير إلى الحدود, ولكن الدخول إليها لا تحكمه الأذونات. يصل إليها الزوار, ويغادرونها, وهمهم مقابلة رئيس جمهورية هذه الدولة العتيدة.
هذه هي ” الزيب لاند ” , الجمهورية التي تشكل حورية بحرٍ علمها, ويعزف نشيدها هدير البحر, وتتمتع بدستورٍ يُعلن أن رئيس جمهوريتها قد انتخب بصوتٍ واحدٍ.
برلمانها كوخٌ خشبيٌّ, بني فوق بيت زعيم الزيب السابق, العربي,  تتناثر مخدات حول طاولتها, ولكن أعضاء برلمانها لم يجتمعوا  ولو مرةً واحدة, ولم تقم أية جلسات له.
تصدر هذه الدولة  جوازات  سفرٍ, وتختمها, ويشير الختم إلى أن الزائر يحق له التجول في جميع أنحاء هذه الجمهورية الفريدة والعتيدة, ويحق له التعرف على الرئيس ” إيلي أفيفي”, والسيدة الأولى, رينا – زوجته.
لقد أعلن الانفصال عن دولة إسرائيل في السنة 1971.
بعد سلطان عّمان العليل, يُعتبر أفيفي أقدم حاكمٍ الآن في هذا الشرق, ثبت في الحكم رغم كل المحاولات لدولٍ قويةٍ  حاولت إزالة دولته. ولا يستغرب إذا قلنا أن إسرائيل لم تعترف  بدولته أبداً.
أصبح عمر هذا الحاكم 85 سنة, وقد ضعف سمعه, وتباطأت خطواته, واصلعّ  نصف رأسه, وابيضّ ما تبقى من شعره المتدلّي على كتفيه, يرتدي قفطانه المميّز, ويحمل عصاة الراعي, ويشكل شخصيةً  تتناسب جداً مع الأسطورة المنتشرة حوله.
يجلس أمام قصره الخشبي, المبني فوق بيت حجريٍّ احتله في السنة 1952, ويتفقد بنظره أرضه التي تبلغ مساحتها ثلاثة أفدنةٍ ونصف, ويسرح بصره إلى البحر الواسع أمامه, ويقول:
” أنا رئيس دولةٍ صغيرةٍ جداً. أتعرض لمشاكل كثيرةٍ من حكومات إسرائيل المتعاقبة. لا يريدونني أن أبقى هنا, وعملوا كل ما وسعهم لطردي. إنها حربٌ بين الحكومة وبين دولتي “.
ولد في إيران, وهاجر أبواه للبلاد وعمره سنتين, ومن ذلك الوقت عشق البحر.
قام بعدة أعمالٍ  ضد قوات الانتداب, وقُبض عليه عدة مرات, وفي سن الخامسة عشرة انضم |إلى ” البال يام ” وهي المنظمة البحرية السرية للصهيونية, وهرّب لاجئين يهود للبلاد, ولما كبر, حارب قوات الانتداب, وحارب العرب في سنوات 1984 -49.
بعد نهاية الحرب الأخيرة, رجع للبحر, وعمل على سفنٍ تمخر خطوطاً بحريةً فيما بين أفريقيا والدول الاسكندنافية, وأمضى سنة بين أسكيمو” جرينلاند “.
في سنة 1952 رجع للبلاد لزيارة أخته, وتعرف على الزيب, المهجّرة والمدمّرة, فاستقر فيها.
أصبحت منطقة الزيب واحةً من الهدوء. وأخذت تستقطب شباباً وشابات, يأتون لتمضية بعض الوقت مع إيلي, ويصطادون السمك, ويبحثون عن عاديات أثرية في المنطقة. وطوًر إيلي هواية التصوير, ولا غرو فعلى الشاطئ تتناثر أجساد فتيات عاريات الصدور, أو عاريات بالمرة, وأصبحت لديه مجموعةٌ هائلةٌ  من الصور تبلغ مليون صورة, مخزونةً في قبو منزله.
ولكن لم يمض وقتٌ طويلٌ حتى وضع الجيش عيونه على المنطقة, وأراد طرده منها. بدأت مشاكله. كان لديه عقداً باستخدام بيتين ققط من تلك البيوت المدمرة. ولم يتركه الجيش إلا عندما ضمن خدمته في سلك ” الشين بيت “, كعميل سرّيٍّ. وتقول زوجته أنه قد قبل ذلك.
ربح الجولة الأولى, ولكن ظهرت جولات.
لتغطية بعض مصاريفه أخذ يستقبل زواراً بالأجرة, فيقدمون, ويخلعون ثيابهم, ويدخنون الحشيش, ويمضون الوقت. منطقةٌ حرة.
من زواره بعض الشخصيات المشهورة, مثل “بول نيومان” و” صوفيا لورين “.
في صيف 1963 قررت الحكومة  إقامة حديقةٍ وطنيةٍ في منطقة الزيب, فأُرسلت الجرافات لهدم بيوت  “القرية الشبح ” لتزرع مكانها حشائش الإنجيل.
اعتبر ” إيلي” ذلك اعتداءً صارخاً على تاريخ القرية, وتدميراً للبنية الطبيعية الأصلية. أخذ في توثيق التدمير بتصويره, فضربته الجرافة, ونقل للمستشفى بعدة أضلاعٍ مكسورة.
في السنة 1971 أقام  عمالٌ سياجاً حول منطقة سكناه, [2] ومنعوا هكذا وصوله للشاطئ.  فكانت الشعرة التي كسرت ظهر البعير, كما يقولون. مزّق جواز سفره, وأعلن انفصال منطقة سكناه عن الدولة. فاعتقل, وقدّم للمحاكمة.
ردّ القاضي تهمة إقامة دولةٍ دون إذنٍ, ولكنه غرم الزوجين ليرة واحدة لكلٍ منهما, غرامة تمزيق الجواز.
انتشر قصته في البلاد, وجلب ذلك مناصرين كثر. أمرهم رئيس الدولة بالانتشار, وتنظيم حملة تضامن معه, ومع دولته. وقالت زوجته: ” الحكومة أقوى منا. ولكن الدعاية نفعتنا”.
لم تكن هذه المرة الوحيدة التي انتشرت قصتهما في الصحف. ففي ليلة الأول من كانون الثاني 1971, تسلل 6 فدائيين من الحدود اللبنانية , التي تبعد ثلاثة أميالٍ عن المنطقة, ووصلوا  بقارب إلى شاطئ الزيب وعلى ما ظهر, خدعوا حارس الشاطئ بأنهم صيادو سمكٍ,  قدموا  لزيارة  ” إيلي”.  دخل أحدهم البيت, ليقابل حسناء  شقراء توجه لرأسه بندقيتها, وتطلب منه الاستسلام. فرمى سلاحه, وكيس قنابلٍ  كان يحمله. وسرعان ما طوق المنطقة بأجمعها ألف جنديٍّ.  وجدوا أثنين من الفدائيين ينتظرون في القارب, واعتقلوا الثلاثة الآخرين, ولم يكونوا قد ابتعدوا كثيراً عن الشاطئ. الهدف كان اعتقال ” إيلي “, ونقله معهم إلى لبنان.
بسب التعتيم الكامل على الحادث, انتشرت إشاعةٌ في المنطقة أن الجيش قد أعلن الحرب على ” جمهورية إيلي”, وهاجمها.
________________________________________
[1]   راجع   ” التمهيد  ” وحديث الراب يوسف, زعيم شاس السابق. ورأيه في لزوم العربي الفلسطيني  في البلاد !
[2]  راجع موضوع عين حوض الجديدة, لقصةٍ مشابهة, ولكن مع سكانٍ عرب.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة