التسلل الى الوطن (2) بقلم : تميم منصور

فلسطين …
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة ….
يقولون لكل طريق بداية ونهاية ، كان الظلام لا يزال دامساً لكن هذا لم يمنع أبا سليم من الاقتراب من بيوت قريته التي  ترتفع عن سطح البحر بضع عشرات الأمتار ، رقص قلبه فرحاً عندما دخل الحارة الشرقية ، شعر أن البيوت ملكه ، لم تعد البيوت اشباحاً بعيدة ، ها هو يسمع خرير المياه الجارية في المزاريب ، لأن غالبية سطوح قريته مغطاة بالقرميد ، لاحظ ان البيوت كما هي لم تتغير ، هذا بيت أبو حسين ، وهذا بيت أبو خليل الأعرج ، لفت نظره ارتفاع الاسوار المحيطة بهذه البيوت خوفا من اللصوص كما علم فيما بعد .
بعد ان قطع الحارة الشرقية أخذ يسمع نباح الكلاب ، كأنها شعرت به ، استمر بالسير باتجاه بيته الذي كان يقع في وسط البلدة ، قبل أن يصله سمع صوت المؤذن معلناً صلاة الفجر من فوق المسجد الذي كان قريباً من بيته ، تفاءل خيراً عندما سمع صوت المؤذن وقال في نفسه هذا صوت المؤذن أبو محمد .. هو .. هو لم يتغير .
بعد أن انتهى المؤذن قرأ الفاتحة ورفع يديه الى السماء فهلل وكبر وقال (الله يحرم اللي  حرمني من شوف اولادي )  .
وجد نفسه واقفاً أمام عتبة بيته ، قبل أن يدق باب بيته دقات خافتة  سمع جارهم الحاج محمود يفتح باب داره وهو يسبح ويكبر بصوت عال وهو في طريقه الى المسجد لإداء صلاة الفجر ، اختبأ خلف الجدار ، ما زال يشعر بالخوف من انكشاف أمره .
دق باب البيت دقات تكاد لا تسمع ، لكن لا جدوى فزوجته وأولاده يغطون في نوم عميق ، وجد أن الحل تسلق الجدار والدخول من الباب الخلفي .
قام برمي الكيس الذي يحمله ثم تسلق الجدار ونزل بهدوء وأخذ يخطو حتى وصل الى الباب الخلفي ، ما زال كما هو منذ ست سنوات الباب المخلوع المغلق بكرسي .
فتح الباب ونادى زوجته ، سمع صوتها المشوب بالخوف والرعب .. مين ؟؟! ثم نادت ابنها سليم .. ثلاث مرات حتى صحى من نومه .. وكان أبا سليم قد دخل الغرفة.
لم تصدق أم سليم ما رأته عيناها ، أبا سليم في البيت ، قام الأولاد من النوم بعد أن سمعوا بكاء والدتهم .. وأخذت تسأل أبو سليم ..شو الي جابك ؟ ليش خاطرت بروحك ؟ حرام عليك تعمل في حالك هيك ؟ كيف جيت في المطر والعتمة ؟ كانت تبكي وتقول ( الله يجازي اللي كان السبب واللي حرمنا منك ) .
عانق زوجته وأولاده ..قبلهم بحرارة ، لقد كبروا في غيبته وتغيرت ملامحهم ،مما دفعه للشعور بالأسى والحزن لأنه لم يشعر ولم ير تقاسيمهم واجسادهم وهي تتفتح وتغير تفاصيلها . أوصى أبي سليم زوجته وأولاده بأن تبقى زيارته سرية حتى موعد عودته ، قضى خمسة أيام في كنف أسرته غمر خلالها زوجته وأولاده بالحنان والحب وأفرغ ما في صدره من هموم وألم ، وطلب من زوجته أن تستعين بمختار القرية في تقديم طلب لم الشمل ، حتى لو طلب منها المختار أن تذهب مع الأولاد الى دائرة الحاكم العسكري لعل موقف هذا الثعلب يشفق ويوافق .
أثناء تواجد أبو سليم بين أبناء اسرته كان يتمنى أن لا تتحرك الساعة ، أما زوجته فكانت تصاب بالهلع والخوف والقلق عندما تتذكر المخاطر التي تنتظر زوجها في طريق العودة الى جحيم المنفى ، وكانت تتساءل هل سيعود سالماً الى البلدة.
بعد غروب شمس اليوم الخامس من هذه الزيارة عزم على الرحيل لأنه لا يستطيع البقاء أكثر خوفاً من الوشايات وأولاد الحرام  ، وما أكثرهم .
فقد كانوا يراقبون كل طالع وكل نازل ، دوريات الشرطة لا تتوقف في مداخل وأزقة القرية خاصة في الليل – لقد ورد في الأدبيات الصهيونية بأن قوات الأمن كانت مكلفة بإعدام كل المتسللين الذين يحاولون اجتياز خط وقف اطلاق النار ، وقد قتل المئات من هؤلاء المتسللين تم دفنهم في مقابر داخل القرى العربية – .
عندما حانت ساعة الوداع احتضن أولاده جميعهم قبل خلودهم للنوم  ،كان لا يريد ان يشاهدوه وهو يبكي عندما يغادر البيت ، وقد طلب منهم الاهتمام بأمهم وبدروسهم ،وقد أوصى سليم بأن يكون رجل البيت المسؤول بدلاً منه .
خرج من باب البيت دون أن ينظر وراءه ، كانت أم سليم وراءه تبكي بصمت ، لا تملك الآن الا التنهدات والبكاء الصامت ، لا تستطيع الكلام فالليل لا يتحمل الضجيج لأن الضجيج  يؤدي الى انتباه الجيران و لعل بعد ذلك  الشرطة تعلم وتأتي للقبض على أبي سليم .
تسلل من بين البيوت ، خارجاً من قريته لاجئاً الى بلدة أخرى ، الليل الذي ستر خطواته المرتعشة لم يستطع ستر أنفاسه المتلاحقة وارتعاش أطرافه ، كان يخيل اليه أن الأشجار رجال حرس الحدود ، ونباح الكلاب طلقات رصاص ، من بين كثبان الرمال والوديان والخوف القابع بينهما كانت رحلة العودة الى منفاه ، الى محطة انتظاره .
وصل الى بيته الآخر متسللاً ، لا يعرف برحيله سوى صديقه سالم ، وها هو داخل بيته منتظراً جواب  لم الشمل الذي قدمته زوجته للمختار ، لكن الجواب جاء بالرفض ، وزوجته أم سليم وجدت أن الحل الوحيد والتسلل لرؤية زوجها في أقرب فرصة ،

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة