د. رشا سمير من مصر المحروسة تكتب: سيرة وليد رباح الذاتية.. “رحلتى إلى أمريكا

اصدارات ونقد ….
أحيانا تأخذنا خطانا إلى طريق اخترناه.. وعادة ما تأخذنا إلى طُرق لم نخترها. أحيانا تشأ أقدارنا أن تمنحنا عشقا بغيناه.. وعادة ما تسلبنا عشاقا غرمنا بهم.
أحيانا يرسو بنا المكتوب على شواطئ بحثنا عنها.. وعادة ما تسوقنا المكاتيب إلى أحداث لم نرسمها.
إذن.. هو القدر، إذن..هو المكتوب، إذن هى الخُطى.كم حلُمنا وكم سعينا لتحقيق أحلام سرعان ما يقبض عليها القدر بين كفيه فتتلاشى وننساها.. كم تسلقنا جبالا وصخورا من أجل الوصول إلى تلك القمة البعيدة ثم تنزلق أقدامنا وسرعان ما نهوى إلى السفح لتصبح القمة سرابا.
أعتقد أن تلك الكلمات هى المحتوى الحقيقى والمعنى المقصود لرواية (رحلتى إلى أمريكا) التى كتبها الروائى الفلسطينى وليد رباح الذى قضى معظم حياته فى القاهرة.. الرواية صادرة عن دار شمس للنشر والإعلام فى 155 صفحة من القطع المتوسط. الرواية سيرة ذاتية للكاتب الفلسطينى وليد رباح الذى قضى أكثر من ثلاثين عاما فى أمريكا، وهو يحكى لنا كيف وضع قدمه هناك باحثا عن أخيه (غازى) الذى لم يكن يعرف عنه أى شىء سوى أنه افتتح بقالا واسعا ويعرف عنوانه، فقط لا غير. رجل وطأ بلادا بعيدة بحثا عن حُلم مختلف فقادته أقداره إلى دنيا لم يكن يتوقعها ومستقبل لم يكن يسعى إليه.  «كان فى جيبى بضعة دولارات ظننت أننى سأشترى أمريكا بها، فإذا بها لا تساوى شيئا، خرجت من المطار متباهيا ألبس بدلة زاهية مع ربطة عنق مزركشة».
كنت شابا والطريق أمامى مُبهجا وموحشا فى الوقت نفسه.. هذه أمريكا التى كنت أحلم أن تُلحقنى بابنى خالد الذى سبقنى إليها بسنوات كى يتخرج فيها مهندسا). هكذا يبدأ الروائى رحلته التى يرويها للقارئ بتلك الكلمات البسيطة والمعانى المختبئة بين السطور، يستهل الكاتب خطواته فى أمريكا وفى جيبه خمسة وأربعين دولارا كان يعتقد أنها كافية لشراء أمريكا وما عليها.. كان يضع على كتفه حقيبة صغيرة تحتوى على ملابس داخلية وكتابا.. وعندما أخبره سائق التاكسى أن نقوده لا تكفى لتقله إلى مدينة باترسون فى نيو جيرسى.. يقرر أن يتحدى كل الأعراف وبحماس الشباب يقرر السير على الأقدام إلى نيوجيرسى!.
بعد مجهود مضن وطريق لا ينتهى.. توقفت سيارة على جانب الطريق وهبطت منها سيدة جميلة بدت وكأنها أميرة من شدة جمالها.. تعرض عليه السيدة أن توصله إلى مبغاه.. وفى لحظة انفرج فيها الكرب يوافق ويرى بصيصا من الضوء.
امرأة أمريكية فى الثالثة والأربعين من عمرها، أخاذة الجمال، لها ابن يعمل فى الجيش الأمريكى ولا يأتى إلا مرة كل شهر..تزوجت من رجل سورى فتوفى تاركا لها مسئولية البيت والولد الذى أنجبته من زيجة سابقة.
وبعد محاولات للوصول إلى أخيه (غازى) تعرض عليه السيدة (التى أبى أن يذكر اسمها طوال الوقت) أن تصطحبه إلى منزلها لأنه لا يمتلك المال للبيات فى فندق.. هكذا يلعب القدر لعبته ويتحول طريق البطل إلى حيث لم يدر ولا يعلم. يكتشف بطل الرواية أن أخاه باع محل البقالة وذهب إلى حيث لا يدرى..فلم يعد لديه ملجأ سوى تلك السيدة التى فتحت له بيتها.. يصارحها بأنه يعمل فى بلاده روائيا وصحفيا معروفا، فتزداد إعجابا به..ويبدو للقارئ منذ الوهلة الأولى أن تلك السيدة ستكون قدره، وتأخذنى كقارئ استنتاجاتى الفورية لقصة حب سوف تظهر من بين ثنايا الرواية..ولكن هذا لا يتضح حتى النهايات.
هكذا تظل الدنيا ترفعه وتحطه من مكان إلى مكان ومن شخص إلى أشخاص باحثا عن أخيه.. ومع الوقت يصبح باحثا عن ذاته.
فى أحد الأيام الصيفية أخذه القدر إلى مكان آخر ورحلة جديدة.. وبداية انطلاقة إلى مكان لم يكن يتوقعه وبداية حلم جديد.
كان الصيف حارا، وقف وليد يرقب المتنزهين وهم يصعدون على متن إحدى السفن. فسأل وليد عن وجهتهم..فأخبروه أنها رحلة صيد يدفع فيها الفرد 25 دولارا مقابل الرحلة ويعطونهم سنارة للصيد، فإذا استطاع اصطياد أكبر سمكة، يعطونه مرة أخرى الخمسة والعشرين دولارا التى أخذوها منه.
أعجبته الفكرة..وقرر وليد أن يقوم بالرحلة، بحث فى جيبه عن القيمة المطلوبة ودفعها وهو يعلم أنه يُخاطر بالنقود القليلة التى يملُكها.. بمساعدة القدر مرة أخرى استطاع بكل سهولة أن يصطاد كومة كبيرة من السمك.. وفى لحظة فارقة علقت السنارة بسمكة كبيرة للغاية ساعده زملاؤه فى سحبها فكانت أكبر سمكة تم اصطيادها وبالفعل أعادوا إليه نقوده، فشعر بانتصار كبير. لم تكن تلك هى الفرحة الوحيدة ولا المفاجأة الوحيدة فى تلك الليلة..ففجأة وبغير ميعاد، التقى وليد بأخيه غازى الذى جاء يبحث عنه فى البداية ولم يستدل على عنوانه..واكتشف أثناء وجوده على المركب أنه يعمل فى المطبخ!.
الحقيقة أن مجموعة الصُدف التى حدثت فى تلك القصة قد تصلح لتكون عملا دراميا ومن المستحيل أن يصدقه المشاهد لأنه سيبدو (فيلما هنديا) إلى حد كبير!..ولكن الأكيد أن الصدف التى يرتبها الله عز وجل ليسوق أى شخص إلى أقداره لهى المعنى الحقيقى لقدرة الله وترتيباته.
قرر بطل الرواية بعد دراسة قصيرة وحماس طويل أن يعمل فى تجارة الأسماك..فاقترض مبلغ مائتى دولار من السيدة التى ما زال يعيش معها فى بيتها حتى بعد أن وجد أخاه، فقد استضافته بقلب وترحاب بعث فى نفسه الدفئ والطمأنينة..
ويبدأ الخطوة الأولى فى مشروعه الصغير الذى أودى به إلى أحلام كبيرة. تحذره السيدة الصديقة من طريقة تخزين الأسماك والتى سوف تكون من وجهة نظرها هى العقبة الكبيرة فى إتمام المشروع، ويقرر أن يلجأ إلى فكرة الأكياس البلاستيكية المحشوة بالثلج كبداية لبذرة تحمل فكرة وليتغلب بها على عقبة المصروفات.. ينجح المشروع..وأخيرا تمتلئ جيوب وليد بالنقود ويجرى ليعيد النقود التى استلفها من رفيقة المنزل فإذا بها تصرح له بحبها…وإذا به يتلعثم ويتردد..
وحين تحتضنه لتطمئنه، يشعر أن وجوده بين أحضانها لم يكن بعيدا أبدا عن وجوده بين أحضان أمه..مجرد طمأنينة..
من خلال أكثر من موقف، يستعرض الروائى وبطل الرواية فى آن واحد الاختلاف بين مجتمعين، المجتمع الأمريكى والمجتمعات الشرقية، بكل ما يحمله هذا الاختلاف من تناقض كبير واختلاف واضح بين وجهتى النظر بحكم الأعراف والتقاليد.. فهو مثلا كما سبق أن ذكرت يستعرض دخوله الحانة وهو يرى الجميع يحتسون الخمر ويبقى هو فى حالة تمسك بما يراه ضد الدين ومقدراته..ويلقى الضوء بكل ذكاء عن شاب رآه جالسا على منضدة بها أربع فتيات محتسيا الخمر، وحين يتكلم يسأل السيدة التى تعرف عليها: أهو عربى؟! مستنكرا فكرة شربه للخمر..وهى الحالة التى يريد أن يرسخها فى أذهاننا من كيفية الخروج عن التمسك القوى بالتقاليد من قبل العرب بعد فترة طويلة من بقائهم فى بلاد الفرنجة.
وفى لقطة أخرى يستوقفه فكرة ارتباط ريتشارد بفتاة وهى حامل منه وهما ما زالا فى مرحلة ما قبل الزواج وتقبل المجتمع لتلك الفكرة على الرغم من رفضه هو شخصيا لها.
ويقع فى حيرة حين تسأله السيدة: لماذا لو سمحتم لأنفسكم كعرب الزواج بأكثر من سيدة، فلماذا لا تسمحون للنساء أيضا بذلك؟!. ويرد متلعثما: هذا محال، فالدين يمنع النساء من ذلك..لأن ذلك اختلاط فى الأنساب.
هكذا من خلال رحلته يشير الكاتب إلى هذا الاختلاف من خلال إسقاط ضوء خافت على صدمة أى عربى عند وجوده لأول مرة فى أمريكا..والنقاش المعتاد الذى يقع فى براثنه كل من يرتحلون لأرض مختلفة الأعراف.
وفى غضون أشهر قليلة يستطيع الروائى عمل ثروة كبيرة لم تكن فى الحسبان من مجرد العمل فى صيد الأسماك.
ومن ثم يقرر وليد العودة إلى مهنته الأصلية أو العودة إلى جلده من جديد والبحث هذه المرة عن كيانه الصحفى فى مدينة جديدة بعيدا عن القمع الذى يُمارس على أصحاب الرأى فى الأوطان العربية. فيقرر أن يفتح صحيفة فى نيويورك بعد أن نصحوه أصحاب الخبرة بالابتعاد عن نيوجيرسى كمكان لإصدار صحيفة..فالرأى الحُر مكانه نيويورك. صب وليد كل جهده فى صحيفته، وقرر أن يصنع منها نجما لامعا فى سماء الصحافة فى نيويورك..وتستمر به الأحداث حتى يقضى ثلاثين عاما فى أمريكا.
ويُصبح مع الوقت رئيس تحرير جريدة (صوت العروبة) التى تصدر أسبوعيا حتى اليوم فى أمريكا منذ أكثر من ثلاثين عاما، وهى تصدر باللغة العربية وتخاطب العرب داخل المجتمع الأمريكى وفى قلب الغربة.
إنها بلا شك تجربة إنسانية وسرد ذاتى يبعث على التفاؤل والأمل. إنها رحلة كفاح حقيقية لشخص لديه العزيمة للنجاح، لذا فهى تستحق القراءة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة