عْبِلّين .. بلدة جليلية في فلسطين المحتلة – بقلم : فؤاد عبد النور

فلسطين …
فؤاد عبد النور – المانيا ….
عدد السكان حوال 13 ألف نسمة.  نسبة الزيادة السكانية 0,08, وهي أقل النسب في الوسط العربي. 20 % عاطلون عن العمل, ربما لعدم رغبة الشبيبة في مغادرة عبلين والعمل خارجها, بينما بلدتهم تخلو من المشاريع الصناعية أو التجارية. وهناك عاملٌ مساعدٌ أخر, أنها ليست في وسط الحركة التجارية أو الصناعية,  بل منفردةٌ نوعا ما.
أول مرة دخلتها للبحث الميداني  قبل أكثر من ربع قرن كان عن طريق ترابية من كوكب أبو الهيجا, ماراً في وادي عبلين. وهو وادٍ جميلٌ , يمتلئ بأشجار الزيتون القديم, الذي يعطي زيتا كثيفاً ” دسما ً حسب تعبير القرية,  ” مثل السمنة “.ويدعى الوادي كذلك بوادي السبيل, وهو وادٍ تاريخيٍّ كانت القوافل تمر فيه متجهة إلى سوريا, ويقال أن صلاح الدين قد استخدمه في تنقلاته.
كان للقرية شهرة تاريخية أكثر في الماضي, وقد تفضل علينا الأستاذ ” جورج نجيب خليل ” ( حين كان عائشاً ) بالكثير من المعلومات الواردة في هذا البحث, ومنها أن البلدة محاطةٌ بسورٍ رومانيٍّ, جدده ورممه الصليبيين, وهذا ظاهرٌ في طريقة البناء, والعقد التي لا تزال ظاهرة في جزءٍ من السور في الجهة الشرقية – الشمالية من القرية. ولا يمكن لسورٍ مثل هذا أن يبنى لقريةٍ لم تكن مهمةٍ في وقتها.
————
من الشخصيات البارزة في تاريخ القرية الحديث  ” عقيلة الحارثي ” , وكان قائداً لمجموعةٍ من الفرسان, وأتخذ من جبل سيخ موقعاً لمضاربه, ونجح في مسعى الحكم العثماني في تقليل سطوة الأكراد.
وصل ضابطٌ أمريكيٌّ  أسمه ” الكابتن لينش ” أوفدته قيادته في البحرية الأميركية  في الخمسينات من القرن التاسع عشر, إلى فلسطين لوضع دراسةٍ عن نهر الأردن: شواطئه, وتدفق مياهه, وامتداده بين بحيرة طبريا, ومصبه في البحر الميت, وعرضه, وأسماكه, وصخوره وأمواجه, إلخ.   ” لا يذكر د. أنيس  صايغ  شيئاً عن تلك الدراسة, ولمصلحة من. ولكن الإرسال هذا يظهر كم كان الغرب مهتماً بمعرفة كل شيء عن بلادنا, ونحن غافلون عن هذا كله.
وقد استخدم ” لينش ” عقيلة للحماية, واستطاع الأخير فعلاً حمايته من هجوم لعربان العدوان – على ما أذكر – على معسكره, فكتب لينش عن نجاته ونجاة رجاله بفضل شجاعة ” عقيلة “, مما أشهر الأخير في العالم, وأخذت شخصيات بارزة تزوره, خاصة بعد أن ساهم في إنقاذ مسيحيي الناصرة من هجومٍ شرير عليهم, مقتدين بما حصل في دمشق في السنة1860.
وتفصيل الحادث هذا  إن أهالي لوبية, وحلفاءهم,  خططوا لاعتداء شريرٍ على مسيحيي الناصرة ويافة الناصرة,  فلجأ ” طنوس قعوار ” رئيس بلدية الناصرة الأول, لجأ إلى عقيلة للمساعدة, وكان على علاقة صداقةٍ معه. المؤامرة على المسيحيين في منطقة الناصرة كانت الواقع غيرة ًمن نجاح الغوغاء في دمشق بذبح المسيحيين وحرق حيّهم, فرغبوا في ركوب الموجة.
جمع عقيلة المتآمرين, وأخبرهم أن مسيحيي الناصرة قد دخلوا في حمايته, وأنه لن يسمح بوقوع أي ضيمٍ عليهم, مما افشل المؤامرة.
في كتاب القس ” أسعد منصور” شرحٌ  وافٍ لهذه القضية, وإشادة بما قام به أعيان الناصرة المسلمين من حمايةٍ  إخوانهم المسيحيين. ومما يذكر كذلك أن نابليون قد زاره,  ومنحه وساماً تقديراً  لخدماته في حماية المسيحيين.  وكذلك زاره ولي العهد البريطاني, للسبب نفسه.    وقد توفي عقيلة عام 1870, ودفن في مقبرة عبلين,  إلى جوار أخيه صالح, الأقل شهرةً  منه.
———
تحظى عبلين  باعتبارٍ خاصٍ من المسيحيين الكاثوليك, لأن مريم بواردي الراهبة, ابنة حرفيش, عاشت فيها, وهي أول قديسة تطوًب في الشرق. وتنازع  عبلبن حرفيش – ولدت في حرفيش – باعتبارها احتضنت مريم. هجرت عائلتها حرفيش عندما مات للعائلة اثنا عشر ولدٍ. ونذرت الأم الثكلى أنه إن عاش لها ولد, ستسميه مريم مهما كان. وهذا حصل.
تحقق الطلب بولادة فتاةٍ سُمـِّيت مريم,  وانتقلت العائلة للسكنى  في عبلين. وقيل أن العذراء قد ظهرت لمريم بواردي, الراهبة النشطة, ولكنها لم تُعمر طويلاً , إذ توفيت عن اثنين وثلاثين سنة, في عام 1887.
طوّبت قديسةٌ  بمناسبة مرور مئة سنةٍ على مولدها, وبنى كاهن الطائفة مركزاً ثقافياً على اسمها في عبلين, يحتوي على قاعةٍ  كبيرة للمؤتمرات, مثل المؤتمر الزراعي الأول, الذي حضرته شخصياً  في سنة 1988 , واستغربت أن توزع  قرارات المؤتمر سلفاً على الداخلين, قبل المداولة.  فقيل لي, لم الاستغراب, هكذا هي العادة !
——–
فيها ثلاث مساجد, واحدٌ قديم من عهد ظاهر العمر, ومسجد السلام وهو حديثٌ  في مدخل القرية, ومسجدٌ ثالث في حي ” أم الشتوبة “.
كنيسة مار جوارجيوس للروم الكاثوليك, وكنيسة مار جريس للروم الأرثوذكس. الكنيستان  مكرستان لنفس الشخص, وإن كان لفظ الاسم يختلف قليلاً.  وكنيسة الأخوة المسيحية , وهي حركة انفصالية عن الكنيسة الأنجليكانية, ومركزها بلايموث, الولايات المتحدة الأمريكية. وأخيراً كنيسة العظة على الجبل, التي شيدها المطران ” شقور”  في مجمع مار إلياس التربوي, على جبل النور, بتبرعات غالبها من الجماعات البوذية في اليابان ( حسب رأي فيكي ), ومن عدد من فاعلي الخير.
أُنشئت مدرسةٌ ابتدائيةٌ من العهد العثماني, وبنت البعثة الروسية مدرسةً ابتدائيةً  أخرى في عبلين  قبل الحرب العالمية الأولى.
المطران شقور كرّس حياته لخدمة عبلين,  وطنه الثاني, بعد أن هُجّر قسراً من إقرت , وآخر رتبة وصلها في الكنيسة رتبة ” مطران الجليل”. تعرفت عليه أثناء عملي الميداني في الجليل, وأهداني كتابا جميلاً سلساً عن حياته وتجاربه,    –  ” أخوة الدم ” – وتعرفت على نشاطاته إلى ذلك الوقت, ومن الأخبار المتناقلة في الصحف والمواقع  تابعت إنجازات أكثر كثيراً في ميدان التعليم, آخرها الحصول على اعتراف من الدولة  بجامعته المرتبطة بجامعةٍ أمريكيةٍ  في تكساس.
تقاعد في بداية هذه السنة ( 2014 ),  للتهرب من اتهامات موظفةٍ  تدّعي أنه قد تحرش بها جنسياً, والاتهام قدم للشرطة بعد أن تركت العمل منذ عدة سنوات. مهما كان أصل القصة, حقيقيةً أم ملفقةً, فإنها جمعت  غيمةً سوداء على سمعة هذا المطران النشط المتقاعد الآن.
—————
زارها الرحالة ناصر خسرو, وقال أن فيها قبر هود ؟!
اهتم بها الظاهر عمر, وبنى حولها سوراً للحماية, وازدهرت في عصره كمثالٍ للتسامح الديني المعروف عنه طوال حكمه.
جاء في مقالٍ” لِآمال عواد رضوان ” عن زيارة  لفرقة الكروان الجولانية  لعبلين, ذكرت فيه عن معصرة ٍأثريةٍ  لزيت الزيتون, تابعةٍ  لعائلة ” داوود “, بقيت تعمل إلى السنة 1992. وإلى جانب المعصرة توجد خوابي لزيت الزيتون فرنسيةٌ,  تستحق المعاينة, بعد زيارة المعصرة.
—————
كنت أشعر باستمرار أني قصّرت بحق عبلين عندما كتبت عنها في السابق. وقد زرت مرتين شاعرها المخضرم والمبدع  ” جورج نجيب خليل “, في مكتبته الصغيرة, الملحقة ببيته,  وكان يعتاش من بيع  القرطاسية والكتب إلى طلاب المدارس القريبة من بيته. وقد حدثني الكثير عن تاريخ عبلين, وما تتمـــيّـز به. ولم أكتب كل ما قاله, ولا  نقلت شيئاً من شعره لضيق الظروف التي كنت أعمل فيها. الآن أستطيع أن أُعوض, بعد أن فارق حياته المديدة, محترمةً  ذكراه,  مثلما كان  محترماً في حياته.
جورج نجيب خليل( 1931 – 2001 ), عمل في التدريس, وكان حجةً  في اللغة العربية, وترأس المجلس المحلي لعبلين في السنوات 1969 -1971, وأسس في فترة رئاسته المدرسة الثانوية فيها.
كان نشطاً اجتماعياً, وثقافيا, ومطلوباً للكثير من لجان التحكيم  الأدبية والفنية.
أول من نشر ديواناً للشعر في الدولة العبرية, وتعد دواوينه بالعشرات. للمزيد من المعرفة عنه, بالإمكان الدخول إلى مواقع الشعر المتخصصة.
اشتهر عنه اعتزازه البالغ بقريته ومرتع صباه. وهو اعتزاز لا يضاهى, ويدفع مواطنيه إلى ترديد أشعاره  بافتخار, ويحاولون أن يكونوا أهلاً لما نظمه عنهم. فما رأيكم بهذه الأبيات :

صدقوني لو ملّكوني الثريا وطباق السماء ونهر الكوثر
وسفوح المريخ والأنجم الأزهر وقيد السما وحتى  أكثر
لرفضت الدنيا إذا لم تكن فيها ” عبلين ” زهرة الكون تظهر !

او أقرأوا هذه الأبيات الجميلة الرقيقة من الشعر الشعبي:

لو طال عمري وصار جسمي بالبلا      وعملوا بموتي الناس فوضى وبَلبلة
وسمعت  حــد القبـر نغمـــة بـُـــــلبُــــــــــلى      بشق الكفن وبقوم من طـــي  الفنــــــا

أو, ألا تطربون معي إذا قرأتم له هذه الأبيات الفلسفية :

لي مع الدهر قصةٌ منذ أن كنت, ومنذ أن شاهدت النورا
يا لها من حكايةٍ تبعث الرعب, وتبتز من حياتي السرورا
ملفات من المآسي توالت فغدا النور بعدها ديجورا
غير أني بقيت أبسمُ  للأرزاء, لا خائفاً ولا مذعورا
يا أخي في الكفاح,  ما أجمل الشعر إذا كان ثورةً ولهيبا
يمحق الظلم والظلام, ويبني عالماً أسّه السلام حبيبا
تتهادى به العدالة  والحق, ويبدو الوئام غضاً قشيبا
—————-
امتازت عبلين بالكثير من النشاطات الثقافية والفنية والأدبية. ففيها أولاً معهدٌ للموسيقى, تأسس عام 1993, لتعليم أصول العزف الشرقي والغربي, واستطاع تكوين أوركسترا , وجوقة غنائية للكبار, وأخرى للصغار,  بقيادة القائد الموسيقي ( المايسترو) نبيه عواد.
يقام مهرجانٌ دولي للفولكلور والرقص الشعبي, وقد أقيم السنة الماضية  في 10 \ 10  المهرجان الثامن. وقد نظمت كلية مار إلياس المهرجان الثقافي الأول في عبلين,  بتاريخ أيار 1988. وقد غطاه الكاتب شاكر فريد حسن, وذكر أن فدوى طوقان قد دعيت له, وأخبرها الأب – آنذاك  – إلياس شقور- أن أجمل هدية تلقاها خلال مكوثه في حضرة رئيس الوزراء الهولندي, كانت قصيدة ” لن أبكي ” لفدوى, مترجمة إلى الهولندية, وكانت قد أهدتها إلى شعراء المقاومة الفلسطينيين :

على أبواب يافا يا أحبائي
وفي فوضى حطام الدور
بين الردم والشوك
وقفت وقلت للعينين
قفا نبكي
على أطلال من رحلوا وفاتوها
تنادي من بناها الدار
وتنعى من بناها الدار.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة