الغادرة رواية د. محمد مسعد العقله. – عرض وتحليل : بسام فاضل

اصدارات ونقد …
عرض وتحليل : بسام فاضل  – اليمن …
صدر مؤخراً عن دار  أمجد للتوزيع والنشرفي المملكة الاردنية الهاشمية للروائي اليمني الجنوبي د.محمد مسعد رواية الغادرة .
الغادرة ..تداخل بها الديني مع النيوي في تتبع بعض الوقائع التاريخية والتي استندت على القران الكريم مرجعا أساسيا لسرد الوقائع البعيدة في قصة أبراهيم الخليل وتسفيهه للأصنام التي كانت تعبد أنذاك في زمن أنتدب الراوي شخصية معدي لتكون شاهدة على ذاك الزمان وتنصله عن هذه العبادة التي لاتضر ولاتنفع, وتعلقه ببشارات التوحيد الأولى ودلالات نبؤت الخليل والمعجزة التي أتى بها حين قال الله: ,,يانار كوني بردا وسلام على أبراهيم ،، كان ذلك في العراق وتنقله إلى بلاد  الشام داعيا للحق يعلم التوحيد لله, يتعلم الحكمة والنباهه عجافا من موطن الانبياء ودعات التوحيد ومعها أقتبس فنون القتال وخبرة الحرب ودهاء السياسة ،ويبدو أن القاص قد وطن هذه الشخصية لتتنقل بين الحرية التي تجسدت في موطنه الداخلي عن العبودية للبشر كي تصبح منقادة سهلة المراس متبتلة إلى التعبد للخالق الواحد الصمد عبدا خالص التفرد علما ودراية شامخ الحريه لمادونه ممتلئي النفس بها .
يحدث أن يتدخل القدر فيقع معدي أسيرا في يد غير الموحدين, فيساق عبدا من نخاس إلى  نخاس حتى يصل به المقام من شمال بلاد العرب إلى جنوبها موطن الرواية الاصلي للروائي فيقوص الروائي بتقلب الزمن من قديمه إلى حديثه فمن زمن الموحدين القدامى إلى زمن الموحدين الجدد في عصر التوحيد حين يصور المملكة التي سيق اليها معدي عبدا بملكتها الغانية الجمال والشاذة السلوك “حذرة” ملئى بشتى الامراض وأبرزها الجدري والذي ذاع صيته في بلاد اليمن شمال ركن الجزيرة العربية ويبدو أنه أنتقل إلى هذه المملكة الجنوبية لملاصقتها تخوم بلاد الشمال اليمني صنعاء, ذمار,يريم ,دمت ,مريس ,قعطبة  .
أصاب هذا الداء المعدي قائد جيش المملكة وزوج أبنة الملك “حذرة” التي خطبة عيثت القائد لنفسها وبايعته زوجا قبل أن تستشير أباها قاطعة موافقته عن قوة الشخصية التي تخبئها وهيلامانها المطوق للقصر والتحكم في شوؤن الملك وهذا الهيلامان وأن كان بتارا صلب لاينثني ولا ينحني في وجه المكارة فثمة أمر ينقصه وشائبة تجلب البلبلة للقصر وتخلخل أركانه ,ذلك الشبق الجامح في عدم التريث لقتل كان من كان وأن كان كعيثت الذي أحبته وقائد جيش المملكة بعد ماأصابه مرض الجدري والشبق الثاني نزوة الجنس التي تمعن الشذوذ به ,فقد عاقرت لنفسها أحد قواد الكتائب, أغتصبته في عزوة زوجها عيثت الذي قتلته بعد أن وجدت السبب لقتله لتتزوج ذلك القائد بركان البسيط  في تدبيره عدى من تمكنه من أشباع رغباتها الجنسية وقض  طرفه عن جموحها الشاذ في عهده .
هاتان النزوتان الشاذتين مكنت معدي من التمكن منها وأضعافها ومراوغتها لنشر دعوته ومساعدة عيثت حتى مكنه من دخول القصر ثانية سائس خيل المملكة .
يحبك السارد الرواية بمقتل عيثت البطل بأمر “حذرة” على يد معدي أمينها ومنفذ اوامرها حتى يضن القارى نهاية فصل من الرواية عن البطل الحبيب حتى يفك الراوي عقدة القصة بعد أن يجد عيثت عثترمنقذا في كنف الجبل الذي تركه فيه معدي وحيدا لم يقتله لحبه له ,ومن ثم طبيب يداوي قروحه بعد أن ضن أن لا منجا له من هذا الداء سوى الموت, وأهتمام الطبيب به ليس كمريض وأنما مخلص للقصر من ظلم حذرة ,فيقوم على أنقاض البطل عيثت بطل تضن أنه البطل الحقيقي في القصة معدي العبد, الذي لم يكشف عنه الراوي إلا حين عودة عيثت معافى إلى القصر يسوس الخيل ليعرف أن معدي هو من أرسل أليه من ينقذه وهو أرسل الطبيب مهران ليداويه وترعاه أبنتاه حتى يشتد جسده وتعود له قواه من جديد ولا يتركه حتى يجري له أختبارات تضمن ذلك وكان معدي قد جمع حول عيثت رجال ليساعدوه ويستطيع أن يعد له تنظيما قويا على راية التوحيد الإبراهيمية التي تعلمها عن الخليل إبراهيم  ,ففي أثنا مرض عيثت الذي ضنه الكثير قد قتل كان معدي يبني تنظيم قوي في القصر والمدينة أستعدادا لعودة عيثت ملكا على المملكة وحلم التنظيم إقامة مملكة موحدة عبرها يتم نشر التوحيد شرقا وغربا .
لم يدر بالأمر ,أمر حياة عيثت سوى أختاه عفراء وليلى وجارية جرحت وجنتاها من الدمع على مقتله وكانت من المومنيين فأخبرها معدي إحياء لها .
يتهاوى ملك “حذرة “دون إراقة دماء في القصر أو حواليه هكذا أراد السارد أن تمضي الامور يتهاوى القصر بإستقطاب قادة الجيش إلى صف المؤمنين كما تتهاوى “حذارة” في بوؤس وشقاء العشق حد الشذوذ فتتراخى أمام معدي الذي أراه أنه هو البطل القصصي الحقيقي كاشفة له عن خططها لإلجام المتمردين الكثر الذين خرجو عن طاعتها وتهوي جاثية أمام ركبتيه متوسلة له أن يدخل معها في نزوة شيطانية لتسقط في حضيض المهانة عند أستعصامه وتمسكه بدينه الذي حمته منها وتركها خاوية الفواد كسيرة ضريرة البصيرة ,حتى كرهت نفسها وزوجها بركان القائدالذي تزداد النقمة عليه لتصفية القادة الذين يراى أنهم أقوى منه حتى أدركت ذلك بعد الهزيمة التي لحقت بالجيش من عسكر وحاولت مرارا وتكرارا ان تقتل نفسها منتحرة ,وما استطاعت ان تتخلصص من هذه الرغبة نحو الانتحار إلا بعد مكاشفة صريحة مع معدي عن حقيقة التوحيد وتجده طريقا للخلاص من النفس الأمارة بالسوى بعد فوات الأوان حين ينقلب عليها ويسقط عرشها فتنزوي في ركنها للايمان والتدبر حتى بعد الصفح عنها وطلبها للزواج من قبل معدي الذي لطالما حلمت به في قضاء متعتة عابرة فتعتذر عن حبه لتفرغها لحب من يحبه وهيامها في التفكر في ملكوته .
كما كانت الاحداث والحواريات طويلة بين الشخصيات أثبت الراوي قدرة على أضهار بعض الحقائق بأسلوب أراد منه أن يثبت جوهر في قرارة وعمق نفسه وبرزها عن حقيقة الله وأثبات وجوده وعلاقة البشر به وتلك الوسائل التي تقرب الانسان لمعرفته,متاثر بمنهج سلفي توحيدي لقراءت مناهج وأصول أهل السنة والجماعة ,ومنها ما كان يدور بين عيثت الذي كان قائد للجيش فأصبح ممتثلا لمن كان عبد عنده معدي ,وحقيقة العبودية التي يشعرها معدي تجاه خالقه والحرية التي تدفعه لتخليص الاخرين عند أسيادهم رغم نظر الاسياد له كعبد وذلك التشويق القصصي الغير ممل والذي يجعل القارئ يحب معدي ويحب القائد عيثت لامتثاله أوامر وتوجيهات العبد معدي قائد وموجها دعويا له .
يقول الراوي على لسان معدي ((الموت لمن يقتل في سبيل الملك يعد نهاية الحياة والموت لمن يقتل في سبيل الله يعد بداية الحياة أنه القتال في سبيل المستقبل الخالد ,في سبيل تعمير الأرض وأصلاحها معا ))هكذا يورد السارد الفرق بين من يشبع دوافعه الصغيرة ونفسه وبين من يرتضي لنفسه أهداف كبيرة لتعمير الأرض وأسعاد الانسان .
ومنها ما كان في الحب العفيف وعدم السقوط المروع في الدنس وقذارة الجسد حين يحاور معدي حذرة ((الحب الذي يمتلى به الوجدان فيصبح الحب أرفع من أن يطلب من حبيبته متعة ساقطة ..الحب هو الذي يسمو بنا حد التفاني والموت تجاه من نحب دون أن ناخذ منه شي .))
أستخدم هنا الراوي في هاتين المقاربتين تقنية السرد الهادف إلى توجيه القارى نحو غاية هادفة ومعالجة قضية أرقت المجتمع حاول من خلال ثقافته أنهاء جدل قد يتاجج بفعل ماتبرزه الرواية من فتنة وسلوك في التخلص من القيود الربانية وتحطيم الفوارق المحفزة نحو الارتضاء بالهوان والعبودية تجاه من نحب ,”حذارة” التي يشذ جمالها وشبقها إلى السقوط في الخطيئة فيجعل الانسان عبد لشهواته و”عيثت “الفارس الشجاع الشهم الموحد الذي تجعل صفاته من الانسان عبد قد لايحسن المحافظة على أتزانه فتدفعه أما لترجمتها خطاء أو الالقاء بنفسه في هاوية سحيقة جراء ذلك الحب ,وهنا تبرز ثقافة الراوي في الانتصار لها من خلال أنتصار معدي على فتنة جمال “حذرة “وحبه الجامح للقائد عيثت الذي يتشبث به أكثر عندما راى أبعاده عن القصر ومعالجته بداية التمهيد لتاجيج المعارضة ولو أن حبه دفعه لعصيان الملكة أو الإرتباك لكان أدى إلى هلاكه .
وهي نفس العقدة التي عالجها بروية عندما أجتمعت قيادة التنظيم عيثت ومعدي والطبيب مهران والتاجر عيثر  واعدو خطة للاطاحة بالملكة ونصبو عيثت ملكا كما وزعت المهام بينهم وتهاونو في أمر العيون التي تراقب المدينة ,وتراقبهم حتى قبض على ثلاثتهم في منزل خارج أسوار القصر مهران وعثتر والقائد مانع وزجتهم “حذرة” بالسجن ليلة نفير الجيش للتقدم إلى الجبل لمقاتلة عسكر المتمرد على الملكة ويتهيا للقارى أنفضاح أمر التنظيم ولامحالة من أزهاق أرواحهم على يد حذررة التي لاتتورع في قتل كل من يشتبه في أمره وتحل العقدة هنا بفطنة وحنكة القيادة التي يبديها معدي .
ربما أن الثقافة التي أبداها الراوي في صورة شخصياته عن التوحيد والهداية والحب لم تكن في مستوى التمكن في الحرب والتحضير لها عند مهاجمة الجيش لعسكر في الجبل وقتل قادة الكتائب الست فأقصر السرد على الحادثة فقط ولم يفتح حوار أو يبرز القادة الذين سهلو المهمة حيث تواصلت الاحداث بعد ذلك في تسارع وأنكمشت مسرعة إلى الخاتمة التي سقط عندها القصر وتنصيب عيثت ملكا وأنتصار الموحدين وبداية لانشراح الافق من عدل ومساواة وتوسع منهج الدعوة الالهية التي ما تنبه دعاتها إلى أمر المعارضين وأمر أتباع “حذرة” الذين سرعان ما أحاطو المملكة الوليدة بجيوش عرمرم ساعدهم في ذلك رغبة من الداخل في الشجن والحنين للفساد وأثارة الدعاة الذين أرسلتهم المملكة في الممالك المحيطة فتنبه الملوك المعارضين لامر هذا الدين وهمو لابادته .
فتتدخل القدرة الالاهية المخلصة كما في سدوم حين عاقب الله قوم لوط بدك هذه المملكة نتاج لارتكابهم الفاحشة وارتدادهم بعد الايمان وفي ختام الرواية يفصح الراوي عن مكان الرواية  في الضالع اليمن  الجنوبي  المتاخمة  للشمال اليمني فياخذ القارى تشوقا لمعرفة المكان فينتهيا معا.
بسام فاضل

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة